الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

موقف الأحزاب بعد فراغ رسول الله من الخندق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 34 ] فصل ( موقف الأحزاب بعد فراغ رسول الله من الخندق ) قال ابن إسحاق ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة ، بين الجرف وزغابة ، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة ، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد ، حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فضرب هنالك عسكره ، والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فجعلوا فوق الآطام . قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم

قلت : وهذا معنى قوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا

قال البخاري : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا عبدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار قالت : ذلك يوم الخندق .

[ ص: 35 ] قال موسى بن عقبة ولما نزل الأحزاب حول المدينة أغلق بنو قريظة حصنهم دونهم .

قال ابن إسحاق وخرج حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقدهم وعهدهم ، فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حيي ، فاستأذن عليه ، فأبى أن يفتح له ، فناداه : ويحك يا كعب ! افتح لي . قال : ويحك يا حيي ! إنك امرؤ مشئوم ، وإني قد عاهدت محمدا ، فلست بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا . قال : ويحك! افتح لي أكلمك . قال : ما أنا بفاعل . قال : والله إن أغلقت دوني إلا خوفا على جشيشتك أن آكل معك منها . فأحفظ الرجل ، ففتح له ، فقال : ويحك يا كعب ! جئتك بعز الدهر وبحر طام . قال : وما ذاك ؟ قال : جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة ، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه . فقال كعب : جئتني والله بذل الدهر ، وبجهام قد هراق ماءه ، يرعد ويبرق ، وليس فيه [ ص: 36 ] شيء ، ويحك يا حيي ! فدعني وما أنا عليه ؛ فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء . وقد تكلم عمرو بن سعد القرظي فأحسن ، فيما ذكره موسى بن عقبة ذكرهم ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ، ومعاقدتهم إياه على نصره ، وقال : إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوه . قال ابن إسحاق فلم يزل حيي بكعب يفتل في الذروة والغارب حتى سمح له - يعني في نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي محاربته معالأحزاب - على أن أعطاه حيي عهد الله وميثاقه : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا ؛ أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك . فنقض كعب بن أسد عهده ، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال موسى بن عقبة وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم . يعني لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدا . قالوا : وتكون الرهائن تسعين رجلا من أشرافهم . فنازلهم حيي على ذلك ، فعند ذلك نقضوا العهد ، ومزقوا [ ص: 37 ] الصحيفة التي كان فيها العهد ، إلا بني سعية أسد وأسيد وثعلبة ، فإنهم خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن إسحاق فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين ، بعث سعد بن معاذ ، ، وهو يومئذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة ، وهو يومئذ سيد الخزرج ، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير ، قال : " انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم ، فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ، ولا تفتوا في أعضاد المسلمين ، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس " . قال : فخرجوا حتى أتوهم .

قال موسى بن عقبة فدخلوا معهم حصنهم ، فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف ، فقالوا : الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم ؟! يريدون بني النضير ، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم ، فأغضبوه ، فقال له سعد بن معاذ إنا والله ما جئنا لهذا ، ولما بيننا أكبر من المشاتمة . ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال : إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة ، وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمر منه . فقالوا : أكلت أير أبيك . فقال : غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن .

[ ص: 38 ] وقال ابن إسحاق : نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد . فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه ، وكان رجلا فيه حدة ، فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم ، لما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة . ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ، ثم قالوا : عضل والقارة . أي كغدرهم بأصحاب الرجيع ، خبيب وأصحابه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين " .

قال موسى بن عقبة ، ثم تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة ، فاضطجع ومكث طويلا ، فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع ، وعرفوا أنه لم يأته عن بني قريظة خير ، ثم إنه رفع رأسه فقال : " أبشروا بفتح الله ونصره " . فلما أن أصبحوا ، دنا القوم بعضهم من بعض ، وكان بينهم رمي بالنبل والحجارة ، قال سعيد بن المسيب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أسألك عهدك ووعدك اللهم إن تشأ لا تعبد " .

قال ابن إسحاق وعظم عند ذلك البلاء ، واشتد الخوف ، وأتاهم [ ص: 39 ] عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ، حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق ، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط . وحتى قال أوس بن قيظي : يا رسول الله ، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا ؛ فإنها خارج من المدينة .

قلت : هؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ( الأحزاب : 12 - 13 ) .

قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني مرابطا - وأقام المشركون يحاصرونه بضعا وعشرين ليلة ، قريبا من شهر ، ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل ، فلما اشتد على الناس البلاء ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، ومن لا أتهم ، عن الزهري - إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه ، فجرى بينه وبينهم [ ص: 40 ] الصلح ، حتى كتبوا الكتاب ، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة ، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك ، بعث إلى السعدين ، فذكر لهما ذلك ، واستشارهما فيه ، فقالا : يا رسول الله ، أمرا تحبه فنصنعه ، أم شيئا أمرك الله به ولا بد لنا من العمل به ، أم شيئا تصنعه لنا . فقال : " بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما " . فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة واحدة إلا قرى أو بيعا ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له وأعزنا بك وبه ، نعطيهم أموالنا! ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنت وذاك " . فتناول سعد بن معاذ الصحيفة ، فمحا ما فيها من الكتاب ، ثم قال : ليجهدوا عليها .

قال ابن إسحاق : فأقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محاصرين ، ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال ، إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس ، أحد بني عامر بن لؤي ، وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ، وضرار بن الخطاب بن مرداس ، أحد بني محارب بن فهر ، تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم ، حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا : تهيئوا يا بني كنانة للحرب ، فستعلمون من الفرسان اليوم . ثم أقبلوا تعنق بهم [ ص: 41 ] خيلهم ، حتى وقفوا على الخندق ، فلما رأوه قالوا : والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها . ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا ، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه ، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع ، وخرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين ، حتى أخذوا عليه الثغرة التي أقحموا منها خيلهم ، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم ، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة ، فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق ، خرج معلما ليرى مكانه ، فلما وقف هو وخيله قال : من يبارز ؟ فبرز له علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه فقال له : يا عمرو ، إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه . قال : أجل قال له علي : فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام . قال : لا حاجة لي بذلك . قال : فإني أدعوك إلى النزال . قال له : لم يا ابن أخي ، فوالله ما أحب أن أقتلك . قال له علي : لكني والله أحب أن أقتلك . فحمي عمرو عند ذلك ، فاقتحم عن فرسه ، فعقره وضرب وجهه ، ثم أقبل على علي ، فتنازلا وتجاولا ، فقتله علي ، رضي الله عنه وخرجت خيلهم منهزمة ، حتى اقتحمت من الخندق هاربة .

قال ابن إسحاق وقال علي بن أبي طالب في ذلك :


نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت رب محمد بصواب [ ص: 42 ]     فصددت حين تركته متجدلا
كالجذع بين دكادك وروابي     وعففت عن أثوابه ولو انني
كنت المقطر بزني أثوابي     لا تحسبن الله خاذل دينه
ونبيه يا معشر الأحزاب

قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي .

قال ابن هشام : وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو ، فقال في ذلك حسان بن ثابت


فر وألقى لنا رمحه     لعلك عكرم لم تفعل
ووليت تعدو كعدو الظلي     م ما أن تحور عن المعدل
ولم تلق ظهرك مستأنسا     كأن قفاك قفا فرعل

قال ابن هشام : الفراعل صغار الضباع .

وذكر الحافظ البيهقي في " دلائل النبوة " عن ابن إسحاق في موضع [ ص: 43 ] آخر غير " السيرة " قال : خرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد ، فنادى : من يبارز ؟ فقام علي بن أبي طالب فقال : أنا لها يا نبي الله . فقال : " إنه عمرو ، اجلس " . ثم نادى عمرو : ألا رجل يبرز ؟ فجعل يؤنبهم ويقول : أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها ، أفلا تبرزون إلي رجلا ؟ فقام علي فقال : أنا يا رسول الله ، فقال : " اجلس " . ثم نادى الثالثة فقال :


ولقد بححت من الندا     ء بجمعكم هل من مبارز
ووقفت إذ جبن المشج     ع موقف القرن المناجز
ولذاك إني لم أزل     متسرعا قبل الهزاهز
إن الشجاعة في الفتى     والجود من خير الغرائز

قال : فقام علي ، رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ، أنا . فقال : " إنه عمرو " . فقال : وإن كان عمرا . فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمشى إليه ، حتى أتى وهو يقول :


لا تعجلن فقد أتا     ك مجيب صوتك غير عاجز
في نية وبصيرة     والصدق منجي كل فائز
[ ص: 44 ] إني لأرجو أن أقي     م عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يب     قى ذكرها عند الهزاهز

فقال له عمرو : من أنت ؟ قال : أنا علي . قال : ابن عبد مناف ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب فقال : غيرك يا ابن أخي ، ومن أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أهريق دمك . فقال له علي : لكني والله لا أكره أن أهريق دمك . فغضب ، فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار ، ثم أقبل نحو علي مغضبا واستقبله علي بدرقته ، فضربه عمرو في الدرقة فقدها وأثبت فيها السيف ، وأصاب رأسه فشجه ، وضربه علي على حبل عاتقه فسقط ، وثار العجاج ، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير فعرف أن عليا قد قتله . فثم علي يقول :


أعلي تقتحم الفوارس هكذا     عني وعنهم أخروا أصحابي
اليوم تمنعني الفرار حفيظتي     ومصمم في الرأس ليس بنابي

إلى أن قال :


عبد الحجارة من سفاهة رأيه     وعبدت رب محمد بصواب

إلى آخرها . قال : ثم أقبل علي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يتهلل ، فقال له عمر بن الخطاب هلا استلبته درعه ، فإنه ليس للعرب درع خير منها ؟ [ ص: 45 ] فقال : ضربته فاتقاني بسوأته ، فاستحييت ابن عمي أن أسلبه . قال : وخرجت خيوله منهزمة حتى اقتحمت منالخندق .

وذكر ابن إسحاق فيما حكاه عنه البيهقي ، أن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه ، فمات في الخندق ، وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف ، فقال : " هو لكم ، لا نأكل ثمن الموتى " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا نصر بن باب ، حدثنا حجاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس أنه قال : قتل المسلمون يوم الخندق رجلا من المشركين ، فأعطوا بجيفته مالا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادفعوا إليهم جيفته ، فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية " . فلم يقبل منهم شيئا .

وقد رواه البيهقي من حديث حماد بن سلمة ، عن حجاج ، هو ابن أرطاة ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : أن رجلا من المشركين قتل يوم الأحزاب ، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا بجسده ونعطيك اثني عشر ألفا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا خير في جسده ولا في ثمنه " . وقد رواه الترمذي من حديث سفيان الثوري ، عن ابن أبي ليلى ، [ ص: 46 ] عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، وقال : غريب .

وقد ذكر موسى بن عقبة ، أن المشركين إنما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد الله المخزومي حين قتل ، وعرضوا عليه الدية فقال : " إنه خبيث خبيث الدية ، فلعنه الله ولعن ديته ، فلا أرب لنا في ديته ، ولسنا نمنعكم أن تدفنوه " .

وذكر يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي يسأل المبارزة ، فخرج إليه الزبير بن العوام ، فضربه ، فشقه باثنتين ، حتى فل في سيفه فلا ، وانصرف وهو يقول :


إني امرؤ أحمي وأحتمي     عن النبي المصطفى الأمي

وقد ذكر ابن جرير أن نوفلا لما تورط في الخندق ، رماه الناس بالحجارة ، فجعل يقول : قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب . فنزل إليه علي فقتله ، وطلب المشركون رمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن ، فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئا ، ومكنهم من أخذه إليهم . وهذا غريب من وجهين .

وقد روى البيهقي ، من طريق حماد بن زيد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأطم ، ومعي عمر بن أبي سلمة ، فجعل يطأطئ لي فأصعد على ظهره [ ص: 47 ] ، فأنظر . قال : فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة هاهنا ومرة هاهنا ، فما يرتفع له شيء إلا أتاه ، فلما أمسى جاءنا إلى الأطم ، قلت : يا أبت ، رأيتك اليوم وما تصنع . قال : ورأيتني يا بني ؟ قلت : نعم . قال : فدى لك أبي وأمي .

قال ابن إسحاق وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري ، أخو بني حارثة ، أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق ، وكان من أحرز حصون المدينة . قال : وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن ، قالت عائشة : وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب . قالت : فمر سعد وعليه درع مقلصة ، قد خرجت منها ذراعه كلها ، وفي يده حربته يرقد بها ويقول :


لبث قليلا يشهد الهيجا حمل     لا بأس بالموت إذا حان الأجل

فقالت له أمه : الحق بني ، فقد والله أخرت ، قالت عائشة : فقلت لها : يا أم سعد ، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي . قالت : وخفت عليه حيث أصاب السهم منه ، فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل .

[ ص: 48 ] قال ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال : رماه حبان بن قيس بن العرقة ، أحد بني عامر بن لؤي ، فلما أصابه قال : خذها مني وأنا ابن العرقة . فقال له سعد : عرق الله وجهك في النار ، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه ، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة .

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول : ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشمي ، حليف بني مخزوم . وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرا ، قاله لعكرمة بن أبي جهل :


أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي     فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذي ألزمت سعدا مرشة     لها بين أثناء المرافق عاند
قضى نحبه منها سعيد فأعولت     عليه مع الشمط العذارى النواهد
وأنت الذي دافعت عنه وقد دعا     عبيدة جمعا منهم إذ يكابد
[ ص: 49 ]     على حين ما هم جائر عن طريقه
وآخر مرعوب عن القصد قاصد

قال ابن إسحاق : والله أعلم أي ذلك كان . قال ابن هشام : ويقال : إن الذي رمى سعدا خفاجة بن عاصم بن حبان .

قلت : وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة ، أقر الله عينه ؛ فحكم فيهم بقدرته وتيسيره ، وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك ، كما سيأتي بيانه ، فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة .

قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال : كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت ، قالت : وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان . قالت صفية : فمر بنا رجل من يهود ، فجعل يطيف بالحصن ، وقد حاربت بنو قريظة ، وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم ، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن [ ص: 50 ] أتانا آت ، فقلت : يا حسان ، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن ، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود ، وقد شغل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فانزل إليه فاقتله . قال : يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب ، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا . قالت : فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا ، احتجزت ثم أخذت عمودا ، ثم نزلت من الحصن إليه ، فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه ، رجعت إلى الحصن ، فقلت : يا حسان ، انزل فاسلبه ، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل . قال : ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب .

حكى السهيلي عن بعضهم أنه قال : كان حسان جبانا شديد الجبن .

قال : وأنكر آخرون ذلك ، وطعنوا في الخبر ، فقالوا : هو منقطع قالوا : وقد كان يهاجي المشركين من الشعراء ؛ كابن الزبعرى ، وضرار بن الخطاب ، وغيرهما ، فلم يعيره واحد منهم بالجبن قال : وممن أنكر ذلك الشيخ أبو عمر النمري قالوا : وبتقدير صحة الخبر ، لعله كان منقطعا في الآطام لعلة عارضة ، ومال إلى هذا السهيلي والله أعلم قال موسى بن عقبة وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل [ ص: 51 ] الحصن بين كتائبهم ، فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة ، وأخذوا بكل ناحية ، حتى لا يدري الرجل أتم صلاته أم لا . قال : ووجهوا نحو منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة ، فقاتلوهم يوما إلى الليل ، فلما حانت صلاة العصر ، دنت الكتيبة ، فلم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا ، فانكفأت الكتيبة مع الليل ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " شغلونا عن صلاة العصر ، ملأ الله بطونهم وقلوبهم - وفي رواية : وقبورهم - نارا " . فلما اشتد البلاء ، نافق ناس كثير ، وتكلموا بكلام قبيح ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بالناس من البلاء والكرب ، جعل يبشرهم ويقول : " والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة ، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا ، وأن يدفع الله إلي مفاتيح الكعبة ، وليهلكن الله كسرى وقيصر ، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله "

وقد قال البخاري : حدثنا إسحاق ، حدثنا روح ، حدثنا هشام ، عن محمد ، عن عبيدة ، عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق : " ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا ؛ كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس وهكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق ، عن هشام بن [ ص: 52 ] حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي ، به . ورواه مسلم والترمذي من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي حسان الأعرج ، عن عبيدة ، عن علي ، به . وقال الترمذي : حسن صحيح .

ثم قال البخاري : حدثنا المكي بن إبراهيم ، حدثنا هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن جابر بن عبد الله ، أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس ، فجعل يسب كفار قريش ، وقال : يا رسول الله ، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " والله ما صليتها " . فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحان ، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها ، فصلى العصر بعدما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب . وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والترمذي والنسائي ، من طرق ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا ثابت ، حدثنا هلال ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قاتل النبي صلى الله عليه وسلم عدوا ، فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها ، فلما رأى ذلك ، قال : " اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى ، فاملأ بيوتهم نارا واملأ قبورهم نارا " . ونحو ذلك . تفرد به [ ص: 53 ] أحمد ، وهو من رواية هلال بن خباب العبدي الكوفي ، وهو ثقة ، يصحح له الترمذي وغيره .

وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الأحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، كما هو منصوص عليه في هذه الأحاديث . وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا ؛ لصحة الحديث ، وقد حررنا ذلك نقلا واستدلالا عند قوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ( البقرة : 238 ) . وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال ، كما هو مذهب مكحول والأوزاعي ، وقد بوب البخاري على ذلك ، واستدل بهذا الحديث ، وبقوله صلى الله عليه وسلم يوم أمرهم بالذهاب إلى بني قريظة ، كما سيأتي : " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " . وكان من الناس من صلى العصر في الطريق ، ومنهم من لم يصل إلا في بني قريظة بعد الغروب ، ولم يعنف واحدا من الفريقين ، واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر سنة عشرين في زمن عمر ، حيث صلوا الصبح بعد طلوع الشمس ؛ لعذر القتال واقتراب فتح الحصن .

وقال آخرون من العلماء ، وهم الجمهور ، منهم الشافعي : هذا الصنيع يوم الخندق منسوخ بشرعية صلاة الخوف بعد ذلك ، فإنها لم تكن مشروعة إذ [ ص: 54 ] ذاك ، فلهذا أخروها يومئذ . وهو مشكل ، فإن ابن إسحاق وجماعة ذهبوا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بعسفان ، وقد ذكرها ابن إسحاق ، - وهو إمام في المغازي - قبل الخندق ، وكذلك ذات الرقاع ذكرها قبل الخندق . فالله أعلم .

وأما الذين قالوا : إن تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسيانا . كما حكاه شراح مسلم عن بعض الناس ، فهو مشكل إذ يبعد أن يقع هذا من جمع كبير ، مع شدة حرصهم على المحافظة على الصلاة ، كيف وقد روي أنهم تركوا يومئذ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء .

قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد وحجاج قالا : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه قال : حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا وذلك قوله : ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) ( الأحزاب : 25 ) . قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره فأقام ، فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها ، ثم أقام العصر فصلاها كذلك ، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك ، وذلك قبل أن [ ص: 55 ] ينزل - قال حجاج : في صلاة الخوف - : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ( البقرة : 239 ) .

وقد رواه النسائي ، عن الفلاس ، عن يحيى القطان ، عن ابن أبي ذئب به : قال : شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس . فذكره .

وقال أحمد : حدثنا هشيم ، حدثنا أبو الزبير ، عن نافع بن جبير ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن أربع صلوات ، حتى ذهب من الليل ما شاء الله . قال : فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا مؤمل ، يعني ابن إسماعيل ، حدثنا حماد ، يعني ابن سلمة ، عن عبد الكريم ، يعني ابن أبي المخارق ، عن مجاهد ، عن جابر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر ، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العصر ، ثم أمره فأذن وأقام ، فصلى [ ص: 56 ] المغرب ، ثم أمره فأذن وأقام ، فصلى العشاء ، ثم قال : " ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم " . تفرد به البزار ، وقال لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم ، عن مجاهد ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث