الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الثامن : قال البارزي في أول كتابه أنوار التحصيل في أسرار التنزيل : اعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض ، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة قد يعبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر ، ولا بد من استحضار معاني الجمل أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها واستحضار هذا متعذر على البشر في أكثر الأحوال ، وذلك عتيد حاصل في علم الله تعالى ، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه وإن كان مشتملا على الفصيح والأفصح ، والمليح والأملح ، ولذلك أمثلة :

منها قوله تعالى : وجنى الجنتين دان [ الرحمن : 54 ] . لو قال مكانه : ( وثمر الجنتين قريب ) لم يقم مقامه من جهة الجناس بين الجنى والجنتين ، ومن جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها ، ومن جهة مؤاخاة الفواصل .

ومنها قوله تعالى : وما كنت تتلو من قبله من كتاب [ العنكبوت : 48 ] . أحسن من التعبير ب ( تقرأ ) لثقله بالهمزة .

ومنها لا ريب فيه [ البقرة : 2 ] . أحسن من ( لا شك فيه ) ، لثقل الإدغام ، ولهذا كثر ذكر الريب . ومنها ولا تهنوا [ آل عمران : 139 ] . أحسن من ( ولا تضعفوا ) لخفته ، و وهن العظم مني [ مريم : 4 ] . أحسن من ضعف لأن الفتحة أخف من الضمة .

ومنها ( آمن ) [ البقرة : 62 ] . أخف من صدق ، ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق ، و آثرك الله [ يوسف : 91 ] . أخف من فضلك ، و " آتى " [ البقرة : 177 ] . أخف من أعطى ، و ( أنذر ) [ الأحقاف : 21 ] . أخف من خوف ، و خير لكم [ البقرة : 184 ] . أخف من ( أفضل لكم ) ، والمصدر في نحو : هذا خلق الله [ لقمان : 11 ] . يؤمنون بالغيب [ البقرة : 3 ] . أخف من مخلوق والغائب ، و تنكح [ البقرة : 230 ] . أخف من تتزوج ; لأن ( تفعل ) أخف من ( تتفعل ) ، ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر .

ولأجل التخفيف والاختصار استعمل لفظ الرحمة والغضب والرضا والحب والمقت في أوصاف الله تعالى ، مع أنه لا يوصف بها حقيقة ، لأنه لو عبر عن ذلك بألفاظ الحقيقة [ ص: 257 ] لطال الكلام ، كأن يقال : يعامله معاملة المحب والماقت ، فالمجاز في مثل هذا أفضل من الحقيقة لخفته واختصاره وابتنائه على التشبيه البليغ ، فإن قوله فلما آسفونا انتقمنا منهم [ الزخرف : 55 ] . أحسن من فلما عاملونا معاملة الغضب ، أو فلما أتوا إلينا بما يأتيه المغضب انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث