الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في مباسطة الضيفان ومعاملة كل طبقة بما يليق بها

[ ص: 206 ] فصل ( في مباسطة الضيفان ومعاملة كل طبقة بما يليق بها ) .

ويستحب لصاحب الطعام أن يباسط الإخوان بالحديث الطيب والحكايات التي تليق بالحال إذا كانوا منقبضين قال المأمون سبعة أشياء لا تمل أكل خبز البر ، وشرب ماء العنب ، وأكل لحم الضأن ، والثوب اللين ، والرائحة الطيبة ، والفراش الوطيء ، والنظر إلى كل شيء حسن ، فقال له الحسن بن سهل : أين محادثة الإخوان يا أمير المؤمنين قال : هن ثمان وهي أولاهن . ويأكل ويشرب مع أبناء الدنيا بالأدب ومع الفقراء بالإيثار ومع الإخوان بالانبساط ومع العلماء بالتعلم والاتباع قال الإمام أحمد : يأكل بالسرور مع الإخوان وبالإيثار مع الفقراء وبالمروءة مع أبناء الدنيا .

قال جعفر بن محمد قال لي أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل رضي الله عنه يوم عيد : خذ عليك رداءك وادخل قال : فدخلت فإذا مائدة وقصعة على خوان عليها عراق وقد زال جانبه ، فقال لي : كل فلما رأى ما نزل بي قال إن الحسن كان يقول : والله لتأكلن .

وكان ابن سيرين يقول : إنما وضع الطعام ليؤكل .

وكان إبراهيم بن أدهم يبيع ثيابه وينفقها على أصحابه وكانت الدنيا أهون عليه من ذاك ، وأومأ إلى جذع مطروح قال : فانبسطت فأكلت لتأكلن هذه .

وقال عبد الله بن داود الحربي اشترى إبراهيم بن أدهم لأصحابه شيئا وقال : يا فتيان كلوا في رهن رواه الخلال في الأخلاق وغدى الإمام أحمد محمد بن جعفر القطيعي وأباه قال محمد فجعلت آكل وفي انقباض لمكان أحمد قال : فقال لي لا تحتشم قال : فجعلت آكل قالها ثلاثا أو مرتين ثم قال لي في الثالثة يا بني كل فإن الطعام أهون مما يحلف عليه . [ ص: 207 ]

قال أبو جعفر النحاس فيما يحتاج إليه الكتاب في باب الاصطلاح المحدث الذي استعماله خطأ وقال واستعملوا . احتشم بمعنى استحيا ولا نعرف احتشم بمعنى استحيا ولا نعرف احتشم إلا بمعنى غضب .

وقال الجوهري في الصحاح عن أبي زيد حشمت الرجل وأحشمته بمعنى وهو أن يجلس إليك فتؤذيه وتغضبه .

وقال ابن الأعرابي حشمته أخجلته وأحشمته أغضبته ، والاسم الحشم وهو الاستحياء والغضب أيضا وقال الأصمعي : الحشمة إنما هو بمعنى الغضب لا بمعنى الاستحياء ، وأحشمته واحتشمت منه بمعنى ورجل حشم أي : محتشم ، وحشم الرجل خدمه ومن يغضب له ، سموا بذلك لأنهم يغضبون له ذكر ذلك الجوهري .

وقال ابن بسرى قد جاء الحشمة بمعنى الحياء قال أبو زيد الإبة الحياء ، يقال : فاتأب أي احتشم وقال ابن عباس لكل داخل دهشة ، ولكل طاعم حشمة ، فابدءوه باليمين وقال للمنقبض عن الطعام ما الذي حشمك ، انتهى كلامه .

وإنما ذكرت هذا لئلا ينسب بعض من يقف على استعمال الإمام أحمد رضي الله عنه ذلك إلى ما لا ينبغي ، والله أعلم ، لكن قد استعمل ذلك في عرف حادث على ما لا يعرف في اللغة والله أعلم .

وذكر في شرح مسلم أنه يستحب لصاحب الطعام وأهل الطعام الأكل بعد طعام الضيفان لحديث أبي طلحة الأنصاري الصحيح ، والأولى النظر في قرائن الحال ، وما تقتضيه المصلحة وفيما تقدم إشعار بذلك ، وحديث أبي طلحة لا يخالفه .

وذكر ابن الجوزي في آداب الأكل أن لا يسكتوا على الطعام ، بل يتكلموا بالمعروف ويتكلمون بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها .

ومن ذلك أن يقصد كل منهم الإيثار لرفيقه ولا يحوج رفيقه أن يقول له بل ينبسط ، ولا يتصنع بالانقباض ، ومن ذلك أن لا يفعل ما يستقذره من غيره ، فلا ينفض يده في القصعة ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه ، وإذا خرج شيء من فيه ليرمي به صرف وجهه عن الطعام وأخذه بيساره ، ولا يغمس اللقمة الدسمة في الخل ، ولا الخل في الدسم فقد يكرهه غيره ، ولا يغمس بقية اللقمة التي أكل منها في المرقة .

ويستحب [ ص: 208 ] تقديم الطعام إلى الإخوان ويقدم ما حضر من غير تكلف ولا يستأذنهم في التقديم بل يقدم من غير استئذان كذا ذكر .

وفي هذا الأدب نظر قال : ومن التكلف أن يقدم جميع ما عنده انتهى كلامه .

قال أحمد في المسند حدثنا عفان ثنا قيس بن الربيع ثنا عثمان بن سالور عن شقيق أو نحوه شك قيس { أن سلمان دخل عليه رجل فدعا له بما كان عنده فقال : لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أو قال لولا أنا نهينا أن يتكلف أحدنا لصاحبه لتكلفنا لك } . هذا الإسناد ليس بحجة ، وقد يحتج به في مثل هذا الحكم .

قال ابن الجوزي ومن آداب الزائر أن لا يقترح طعاما بعينه وإن خير بين طعامين اختار الأيسر إلا أن يعلم أن مضيفه يسر باقتراحه ، ولا يقصر عن تحصيل ذلك قال : وينبغي أن لا يقصد بالإجابة إلى الدعوة نفس الأكل بل ينوي به الاقتداء بالسنة وإكرام أخيه المؤمن وينوي صيانة نفسه عمن يسيء به الظن ، فربما قيل عنه إذا امتنع هذا متكبر ، ولا يكثر النظر إلى المكان الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل منه على الشره .

وهذا منه يدل على أنه لا ينبغي فعل ما يدل على الشره ، ومنه الأكل الكثير الذي يخرج به عن العادة في ذلك الوقت ولهذا كان الشيخ تقي الدين رحمه الله إذا دعي أكل ما يكسر نهمته قبل ذهابه ولعله تبع في ذلك من مضى من السلف .

وقد ذكر ابن عبد البر عن علي أنه كان إذا دعي إلى طعام أكل شيئا قبل أن يأتيه ويقول قبيح بالرجل أن يظهر نهمته في طعام غيره ، وهذا والله أعلم يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال .

قال ابن الجوزي رحمه الله : ومن آداب إحضار الطعام تعجيله وتقديم الفاكهة قبل غيرها لأنه أصلح في باب الطب .

وقد قال تعالى : { وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون } . انتهى كلامه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث