الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 324 ] قدوم جرير بن عبد الله البجلي وإسلامه

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو قطن ، حدثني يونس ، عن المغيرة بن شبل قال : وقال جرير : لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ، ثم حللت عيبتي ، ثم لبست حلتي ، ثم دخلت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي : يا عبد الله ، ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، ذكرك بأحسن الذكر . فبينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته ، وقال : " يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن إلا أن على وجهه مسحة ملك " . قال جرير : فحمدت الله ، عز وجل ، على ما أبلاني : وقال أبو قطن : فقلت له : سمعته منه ؟ أو : سمعته من المغيرة بن شبل ؟ قال : نعم . ثم رواه الإمام أحمد ، عن أبي نعيم وإسحاق بن يوسف ، وأخرجه النسائي من حديث الفضل بن موسى ثلاثتهم عن يونس عن أبي إسحاق السبيعي ، [ ص: 325 ] عن المغيرة بن شبل - ويقال : ابن شبيل - عن عوف البجلي الكوفي ، عن جرير بن عبد الله ، وليس له عنه غيره .

وقد رواه النسائي ، عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن حازم ، عن جرير بقصته : " يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك " . الحديث وهذا على شرط " الصحيحين " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، ثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن جرير قال : ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسم في وجهي . وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم عنه . وفي " الصحيحين " زيادة : وشكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني لا أثبت على الخيل ، فضرب بيده في صدري ، وقال : " اللهم ثبته ، واجعله هاديا مهديا " .

ورواه النسائي ، عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل ، عن قيس عنه [ ص: 326 ] وزاد فيه : " يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك " . فذكر نحو ما تقدم .

قال الحافظ البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد السماك ، حدثنا الحسن بن سلام السواق ، حدثنا محمد بن مقاتل الخراساني ، حدثنا حصين بن عمر الأحمسي ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله قال : بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا جرير ، لأي شيء جئت ؟ " قلت : أسلم على يديك يا رسول الله . قال : فألقى علي كساء ، ثم أقبل على أصحابه فقال : " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " . ثم قال : " يا جرير ، أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، وأن تؤمن بالله واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ، وتصلي الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة " . ففعلت ذلك فكان بعد ذلك لا يراني إلا تبسم في وجهي . هذا حديث غريب من هذا الوجه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله قال : بايعت [ ص: 327 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم . وأخرجاه في " الصحيحين " من حديث إسماعيل بن أبي خالد به ، وهو في " الصحيحين " من حديث زياد بن علاقة ، عن جرير به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا زائدة ، ثنا عاصم ، عن شقيق - يعني أبا وائل - ، عن جرير قال : قلت : يا رسول الله ، اشترط علي فأنت أعلم بالشرط . قال : " أبايعك على أن تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتنصح المسلم ، وتبرأ من المشرك " . ورواه النسائي من حديث شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن جرير . وفي طريق أخرى ، عن الأعمش وعن منصور ، عن أبي وائل ، عن أبي نخيلة ، عن جرير به . فالله أعلم .

ورواه أيضا ، عن محمد بن قدامة ، عن جرير ، عن مغيرة ، عن أبي [ ص: 328 ] وائل ، والشعبي ، عن جرير به . ورواه عن جرير عبد الله بن عميرة ، رواه أحمد منفردا به . وابنه عبيد الله بن جرير ، رواه أحمد أيضا منفردا به . وأبو جميلة وصوابه أبو نخيلة ، ورواه أحمد أيضا والنسائي . ورواه أحمد أيضا ، عن غندر ، عن شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن رجل ، عن جرير ، فذكره ، والظاهر أن هذا الرجل هو أبو نخيلة البجلي . والله أعلم .

وقد ذكرنا بعث النبي صلى الله عليه وسلم له حين أسلم إلى ذي الخلصة - بيت كان يعبده خثعم وبجيلة ، وكان يقال له : الكعبة اليمانية . يضاهون به الكعبة التي بمكة ، ويقولون للتي ببكة : الكعبة الشامية . ولبيتهم : الكعبة اليمانية . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا تريحني من ذي الخلصة ؟ " . فحينئذ شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يثبت على الخيل ، فضرب بيده الكريمة في صدره حتى أثرت فيه وقال : " اللهم ثبته ، واجعله هاديا مهديا " . فلم يسقط بعد ذلك عن فرس ، ونفر إلى [ ص: 329 ] ذي الخلصة في خمسين ومائة راكب من قومه من أحمس ، فخرب ذلك البيت ، وحرقه حتى تركه مثل الجمل الأجرب ، وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيرا يقال له : أبو أرطاة . فبشره بذلك ، فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات . والحديث مبسوط في " الصحيحين " وغيرهما ، كما قدمناه بعد الفتح استطرادا بعد ذكر تخريب بيت العزى على يدي خالد بن الوليد ، رضي الله عنه .

والظاهر أن إسلام جرير رضي الله عنه كان متأخرا عن الفتح بمقدار جيد ، فإن الإمام أحمد قال : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن مجاهد ، عن جرير بن عبد الله البجلي ، قال : إنما أسلمت بعد ما أنزلت المائدة ، وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعد ما أسلمت . تفرد به أحمد ، وهو إسناد جيد ، اللهم إلا أن يكون منقطعا بين مجاهد وبينه .

وثبت في " الصحيحين " أن أصحاب عبد الله بن مسعود كان يعجبهم حديث جرير في مسح الخف ; لأن إسلام جرير إنما كان بعد نزول المائدة ، [ ص: 330 ] وسيأتي في حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " استنصت الناس يا جرير " . وإنما أمره بذلك لأنه كان صبيا ، وكان ذا شكل عظيم ، كانت نعله طولها ذراع ، وكان من أحسن الناس وجها ، وكان مع هذا من أغض الناس طرفا ، ولهذا روينا في الحديث الصحيح عنه أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال : " أطرق بصرك " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث