الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( الرابع )

الخبر إن طابق ما في الخارج فهو صدق ، وإن لم يطابق الواقع في الخارج فهو كذب ، ولا فرق في ذلك بين اعتقاد المطابقة مع الصدق ، أو عدمها مع الكذب ، وبين أن لا يعتقد شيئا ، أو يعتقد عدم المطابقة مع وجودها ، أو يعتقد وجودها مع عدمها . فإذا علم هذا علم أنه لا واسطة بين الصدق والكذب ، وهذا مذهب أهل الحق خلافا للجاحظ في زعمه أن المطابقة مع اعتقاد المطابقة صدق ، وغير المطابقة مع اعتقاد عدم المطابقة كذب ، وغيرهما واسطة لا صدق ولا كذب ، فيدخل في الواسطة أربعة أقسام ، فتصير الأقسام عنده ستة . ويكون الصدق والكذب في مستقبل كما يكونان في زمن ماض . وموردهما النسبة التي تضمنها الخبر بإيقاع المخبر .

ومن الخبر ما هو معلوم صدقه ، وهو أنواع : ( أحدها ) ما يكون علم صدقه ضروريا بنفس الخبر من غير نظر ، كالخبر الذي بلغت رواته حد التواتر لفظيا كان أو معنويا على الأصح .

( الثاني ) : ما يكون ضروريا بغير نفس الخبر ، بل لكونه موافقا للضروري ، وهو ما يكون متعلقه معلوما لكل أحد من غير كسب وتكرر نحو : الواحد نصف الاثنين .

( الثالث ) : ما يكون ضروريا ، كخبر الله - تعالى - وخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - وخبر كل الأمة ; لأن الإجماع حجة ، فكل واحد من هذه الثلاثة علم بالنظر والاستدلال .

( النوع الرابع ) : ما يكون غير ضروري وغير نظري ، ولكنه موافق للنظر ، وهو الخبر الذي علم متعلقه بالنظر ، كقولنا : العالم حادث .

ومن الخبر ما هو معلوم كذبه ، وهو أيضا أنواع :

( أحدها ) : ما علم خلافه بالضرورة ، كقول القائل : النار باردة .

( الثاني ) : ما علم خلافه بالاستدلال ، كقول الفيلسوف : العالم قديم .

( الثالث ) : أن يوهم أمرا باطلا من غير أن [ ص: 14 ] يقبل التأويل لمعارضته للدليل العقلي ، كما لو اختلق بعض الزنادقة حديثا كذبا على الله - تعالى - وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - يتحقق أنه كذب .

( الرابع ) : أن يدعي شخص الرسالة عن الله - عز وجل - بغير معجزة .

ومن الخبر أيضا ما هو محتمل للصدق والكذب : ( فالأول ) ما تقدمت أنواعه الضرورية من المتواتر ، وموافق الضروري ، ونظري ، كخبر الله - تعالى - ورسوله ، والإجماع ، وخبر من وافق أحدها ، أو ثبت به صدقه .

( الثاني ) من الخبر المعلوم كذبه : ما تقدمت أنواعه مما خالف ما علم صدقه .

( الثالث ) من الخبر ، وهو المحتمل الصدق والكذب ، فثلاثة أنواع :

( أحدها ) : كخبر العدل يترجح صدقه على كذبه ، ويتفاوت فيه الظن .

( الثاني ) : ما ظن كذبه ، كخبر الكذاب ، يترجح كذبه على صدقه ، وهو متفاوت أيضا .

و ( الثالث ) : ما شك فيه ، كخبر مجهول الحال ، ويستوي فيه الاحتمالان لعدم المرجح . ولا يلزم من عدم علم صدق الخبر كذبه .

ومدلول الخبر من حيث هو الحكم بالنسبة لا بثبوتها ، فإذا قيل : زيد قائم ، فمدلوله الحكم بثبوت قيامه ، لا نفي ثبوت قيامه ، إذ لو كان الحكم بالنسبة ثبوت قيام زيد ، للزم منه أن لا يكون شيء من الخبر كذبا ، بل يكون كله صدقا . وخالف القرافي ، فقال : العرب لم تضع الخبر إلا للصدق ; لاتفاق اللغويين والنحويين على أن معنى قام زيد حصول القيام منه في الزمن الماضي ، واحتماله الكذب ليس من الوضع ، بل من جهة المتكلم . انتهى .

قال الكوراني : التحقيق في هذا المقام هو أن الخبر - مثل : زيد قائم - إذا صدر عن المتكلم بالقصد يدل على الإيقاع ، وهو الحكم الذي صدر عن المتكلم ، ويدل أيضا على الوقوع ، فكل منهما يسمى حكما ، فاحتمال الصدق والكذب وصدق الخبر وكذبه في نفس الأمر ، إنما هو باعتبار الإيقاع ; لأنه المتصف بذلك لا الوقوع ، وأما باعتبار إفادة المخاطب فالحكم هو الوقوع ، لأنك إذا قلت : زيد قائم ، فإنما تفيد المخاطب وقوع القيام ، لا أنك أوقعت القيام على زيد ، فإنه لا يعد فائدة ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث