الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير الآيات من 1 إلى 40

الإعراب:

من قرأ: (ألا يتخذوا) ; بياء، فلتقدم ذكر الغيبة; والمعنى: هديناهم; لئلا يتخذوا، ومن قرأ بالتاء; جاز أن يكون على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب، وجاز أن يكون على إضمار القول، و (أن) زائدة; التقدير: قلنا لهم: لا تتخذوا، ولا يصح إضمار القول إن لم تقدر (أن) زائدة; لأن القول إنما يقع [ ص: 96 ] بعده جملة تحكى، أو مفرد في معنى الجماعة يعمل فيه القول; كقولك: (الله ربنا) ; فيقول الآخر: (حقا) .

ذرية من حملنا مع نوح : نصبها على النداء، وهذا على قراءة من قرأ: {تتخذوا} ; بالتاء، ولا يسهل ذلك في الياء; لأن الياء للغيبة والتاء للخطاب.

ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا لـ {تتخذوا} ، ويكون قوله: {وكيلا} يراد به الجمع، يسوغ ذلك في القراءتين جميعا; [أعني: الياء والتاء في {تتخذوا} .

ويجوز أيضا في القراءتين جميعا] أن يكون {ذرية} بدلا من قوله: {وكيلا} ; لأنه بمعنى الجمع; فكأنه قال: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح.

ويجوز نصبها بإضمار (أعني) ، ويجوز رفعها على البدل من المضمر في {يتخذوا} في قراءة من قرأ بالياء، ولا يحسن ذلك لمن قرأ بالتاء; لأن المخاطب لا يبدل منه الغائب.

ويجوز جرها على البدل من بني إسرائيل في الوجهين; فأما (أن) من [ ص: 97 ] قوله: ألا تتخذوا ; فهي على قراءة من قرأ بالياء في موضع نصب بحذف الجار; التقدير: هديناهم; لئلا يتخذوا، ويصلح على قراءة التاء أن تكون زائدة، والقول مضمر; كما تقدم، ويصلح أن تكون مفسرة بمعنى: (أي) ، ولا موضع لها من الإعراب، وتكون (لا) للنهي، فيكون خروجا من الخبر إلى النهي.

ومن قرأ: {لتفسدن} ، و {لتفسدن} ; فهما متقاربان; لأنهم إذا أفسدوا; فسدوا، وقد تقدم ذكر تفسيره.

ومن قرأ: {فحاسوا} ; بالحاء غير معجمة; فمعناه قريب من معنى قراءة الجيم; يقال: (حست القوم) ; إذا ترددت في ديارهم، و (جستهم) ; إذا وطئتهم، وخالطتهم، وحكي: أن أبا زيد سمع أبا السمال يقرأ بالحاء; فقال له: إنما هي {فجاسوا} ، فقال له: (جاسوا) و (حاسوا) سواء.

ومن قرأ: {خلل الديار} ; فهو واحد; وهو الفرجة بين الشيئين، وانتصابه على الظرف، وكذلك انتصاب {خلال} .

[ ص: 98 ] وقوله: ليسوءوا وجوهكم : الضمير على قراءة من قرأ: {ليسوءوا} للعباد المتقدم ذكرهم، ومن قرأ: {لنسوء} ; فلأن قبله {بعثنا} و {رددنا} ، ومن قرأ: {ليسوء} ; بالياء; جاز أن يكون الفاعل اسم الله عز وجل; لتقدم {بعثنا} ، و {رددنا} ، وجاز أن يكون الفاعل البعث، ودل عليه {بعثنا} المتقدم.

ومن قرأ: {لنسوءا} ; فعلى إرادة الفاء; كأنه قال: {فلنسوءن وجوهكم} ; على الأمر، واللام في قوله: وليدخلوا المسجد و {ليتبروا} للأمر أيضا، يقوي ذلك: أنه لم يأت لـ(إذا) جواب فيما بعد; فدل ذلك على أن التقدير: فلنسوءن وجوهكم.

وقوله: ما علوا في تأويل المصدر; أي: وقت علوهم; فهو مثل قولك: (جئتك خفوق النجم، ومقدم الحاج) .

[ ص: 99 ] ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير : قوله: {ويدع} محذوف اللام في خط المصحف; لسقوطها من اللفظ; لالتقاء الساكنين، ولا ينبغي الوقف عليه كذلك; والتقدير: ويدع الإنسان بالشر دعاء مثل دعائه بالخير.

وجعلنا الليل والنهار آيتين أي: ذوي آيتين; فحذف المضاف.

ومن قرأ: {ويخرج له يوم القيامة كتابا} ، [أو {ويخرج} ; فالتقدير في القراءتين: ويخرج له، أو يخرج له عمله يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا]، فـ {كتابا} : منصوب على الحال; على تقدير حذف المضاف; أي: ذا كتاب، ومعنى (ذا كتاب) : أنه مثبت في الكتاب الذي قال فيه: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها [الكهف: 49].

وقوله: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ولم يقل: (على نفسك) ، والعرب لا تقول: (أنت عليك وكيل) ; لأنه استغنى ههنا عن ذكر النفس; لتقدمها; فاكتفي بتقدم ذكرها من إعادة لفظها، وأتى بالمضمر في موضعها.

[ ص: 100 ] وقوله: {بنفسك} : في موضع رفع، ويجوز في الكلام: (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبة) ; أي: كفت نفسك حسيبة.

وتقدم القول في {أمرنا} .

وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه : الأجود أن تكون (أن) مفسرة; لأن وقضى ربك كلام تام، وقوله: ألا تعبدوا إلا إياه نهي، وقوله: وبالوالدين إحسانا : أمر بعد نهي.

ويجوز أن تكون (أن) الناصبة للفعل; أي: قضى بألا تعبدوا; على أن يكون الفعل بعد الواو القائمة مقام (أن) محذوفا; لأن الواو عاطفة على (أن) ، وحذف الفعل في صلة (أن) قليل، فكذلك ينبغي أن يكون ما يقوم مقامها.

وقوله تعالى: إما يبلغن عندك الكبر : من قرأ: {يبلغن} ; فهو فعل متقدم، و {أحدهما} : مرتفع به، و أو كلاهما : معطوف عليه، والذكر الذي عاد من [ {أحدهما} يغني عن إثبات الضمير في {يبلغن} .

ومن قرأ: {يبلغان} ; فعلى أن الضمير في] {أحدهما} ذكر على وجه [ ص: 101 ] التوكيد، و {أحدهما} : بدل من الضمير الذي في {يبلغان} ، وقيل: هو على لغة من قال: (أكلوني البراغيث) ; فعلى هذا يرتفع {أحدهما} بالفعل، و {كلاهما} معطوف عليه.

وقوله: فلا تقل لهما أف : الفتح والضم والكسر من غير تنوين لالتقاء الساكنين، والكسر الأصل، والفتح لخفته، والضمة إتباع لضمة الهمزة.

و {أف} : اسم غير متمكن بمنزلة الأصوات; فإذا لم ينون; فهو معرفة، وإذا نون; فهو نكرة، ومعنى المعرفة: لا تقل لهما القبيح من القول، ومعنى النكرة: لا تقل لهما قبيحا من القول.

وقيل: إن من فتح ونون; أعمل فيه الفعل; كما يقال: (ما قلت أفا [ ص: 102 ] ولا تفا) ، ومن كسر ونون; شبهه بالأصوات.

وقيل: إن المنون وغير المنون سواء، وإنما التنوين فرق بين المعرفة والنكرة فيما جاء على حرفين; نحو: (صه) ، و (مه) ، إلا أن هذا شبه بما جاء على حرفين من هذه الأصوات، فنون; لأنه يعطي ذلك المعنى من التعريف والتنكير.

واستبعد الأخفش التنوين مع الضم، وقال: لأنه ليس معه لام; كأنه يقدره إذا نونه مرفوعا بالابتداء; مثل: (ويل له) ، وقال في نصبه مع التنوين: إنه مثل: (تعسا له) .

وروي تخفيف {أف} ، وفتح فائها، وقياسها: أنها خففت من {أف} المشددة; استثقالا للتضعيف، وأبقيت الفتحة دلالة على أنها كانت [ ص: 103 ] مشددة، ويجوز إسكانها; لأنها لم يلتق فيها ساكنان.

وضم الذال وكسرها من {الذل} : لغتان، وأكثر الاستعمال: الضم في الإنسان، والكسر فيما سواه من الحيوان.

وقوله: وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا : يجوز أن يكون التقدير: ارحمهما رحمة مثل رحمة تربيتهما إياي صغيرا، ويجوز أن يكون على تقدير: ارحمهما على ما ربياني صغيرا.

وقوله: فإنه كان للأوابين غفورا أي: للأوابين منكم; فحذف، أو يكون المعنى: فإنه كان لكم غفورا; لأن الأوابين هم الصالحون في المعنى.

وتقدم القول في الوجوه المقروء بها في قوله: {خطئا} .

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق : يجوز أن يكون ولا تقتلوا نهيا، ويجوز أن يكون منصوبا على الحمل على ألا تعبدوا .

وتقدم القول في: فلا يسرف في القتل ، ومن قرأ: فلا يسرف ; فلفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، ويجوز أن يكون على تأويل: ينبغي ألا يسرف في القتل; كما قال: [من الطويل] [ ص: 104 ]

على الحكم المأتي يوما إذا قضى قضيته ألا يجور ويقصد

المعنى: وينبغي أن يقصد.

وضم القاف وكسرها من (القسطاس) : لغتان.

و {الفواد} ; بفتح الفاء: يجوز أن تكون لغة، وهي شاذة، أنكرها أبو حاتم وغيره.

وقوله: كل أولئك كان عنه مسئولا : [أي: كل أفعال أولئك كان عنه مسؤولا; لأنه] لا يسأل عن الجوارح، وإنما يسأل عن أفعالها، وأفرد الذكر; لأنه يعود على {كل} المفرد الذكر وإن كان المعنى على أفعال الجوارح.

وقوله: ولا تمش في الأرض مرحا : مصدر; كأنه قال: لا تمرح مرحا، وإذا كسرت الراء; فهو اسم الفاعل منصوب على الحال.

[ ص: 105 ] وقوله: ولن تبلغ الجبال طولا : يجوز أن ينتصب قوله: {طولا} انتصاب المصدر، ويجوز أن يكون حالا للمخاطب; كقولك: (ذهبت طولا وعرضا) .

ومن قرأ: كل ذلك كان سيئه ; فلتقدم ذكر الحسن والقبيح، ويقويه قوله: {مكروها} ، وكان يكون على {سيئة} : (مكروهة) .

ومن قرأ: {سيئة} ; فكأن الكلام قد انقطع عند قوله: وأحسن تأويلا ، والذي بعده ليس فيه حسن، ويكون قوله: {مكروها} على هذا بدلا من {سيئة} ; فلا يلزم أن يكون فيه ضمير من {سيئة} ; فحسن تذكيره، ولو كان صفة لـ {سيئة} ; للزم أن يكون فيه ضمير، ويؤنث قوله: {مكروها} .

[ويجوز أن يكون قوله: {مكروها} حالا من الضمير الذي في عند ربك ; لأنه صفة للنكرة.

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث