الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا أي: لولا أن عصمناك عما دعوك إليه; لقد كدت تميل إليهم شيئا قليلا.

                                                                                                                                                                                                                                      روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين نزلت هذه الآية: "اللهم لا تكلني إلى نفسي [ ص: 130 ] طرفة عين".

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: ظاهر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وباطنه إخبار عن ثقيف، والمعنى: وإن كادوا ليركنونك; أي: كادوا يخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم، فنسب فعلهم إليه مجازا واتساعا; كقولك للرجل: (كدت تقتل نفسك) ; أي: كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات : قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: المعنى: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات; لعظم ذلك منه لو فعله; أي: أنك نبي تضاعف سيئاتك كما تضاعف حسناتك.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا وعظ من الله تعالى، وتنبيه لعباده، وإعلام لهم بأن هذا حكمه في الأنبياء لو عصوه، فكيف تكون حال العاصين من غيرهم؟وقوله: وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها : قال المعتمر [ ص: 131 ] ابن سليمان عن أبيه: أرادت اليهود أن تحتال على النبي صلى الله عليه وسلم، فتخرجه من المدينة، وقالوا له: الشام أرض الأنبياء.

                                                                                                                                                                                                                                      مجاهد، وقتادة: هم قريش، هموا بإخراجه من مكة.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الحسن: ولو أخرجوه; لهلكوا، كما قال: وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ، فلما أراد الله تعالى بقاء أهل مكة; أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالمهاجرة إلى المدينة، فهاجر بأمره.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس، والضحاك: (القليل) : المدة فيما بين إخراجهم إياه وقتله إياهم، يوم بدر.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله تعالى: سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا أي: أنهم إذا أخرجوا نبيهم، أو قتلوه; نزل بهم العذاب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس يعني: ميلها للزوال، عن ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما، واختاره الطبري.

                                                                                                                                                                                                                                      ابن مسعود، وابن زيد: (دلوكها) : غروبها، واختاره القتبي، وقال: العرب تقول: (دلك النجم) ; إذا غاب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بعض أهل اللغة: من قال: إن (الدلوك) الزوال; فإنما قيل له ذلك; لأن الناظر إلى الشمس يدلك عينيه; لشدة شعاعها، ومن قال: هو الغروب; [ ص: 132 ] فلأنه بدلك عينيه; ليتبينها.

                                                                                                                                                                                                                                      وإذا جعل (الدلوك) الزوال; فالمراد: الظهر والعصر، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت، فصلى بي الظهر".

                                                                                                                                                                                                                                      و غسق الليل يراد به: المغرب والعشاء، و (غسقه) : اجتماعه، وظلمته، قال ابن عباس: غسق الليل : بدء الليل.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية