الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق يوم السقيفة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 87 ] ذكر اعتراف سعد بن عبادة بصحة ما قاله الصديق يوم السقيفة

قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، عن داود بن عبد الله الأودي ، عن حميد بن عبد الرحمن قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه ، في طائفة من المدينة . قال : فجاء فكشف عن وجهه فقبله وقال : فدى لك أبي وأمي ، ما أطيبك حيا وميتا ، مات محمد ورب الكعبة . فذكر الحديث . قال : فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتوهم ، فتكلم أبو بكر ، فلم يترك شيئا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا ذكره ، وقال : لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لو سلك الناس واديا ، وسلكت الأنصار واديا ، سلكت وادي الأنصار " ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد : " قريش ولاة هذا الأمر ، فبر الناس تبع لبرهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم " فقال له سعد : صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء .

وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عياش ، ثنا الوليد بن مسلم ، أخبرني يزيد بن سعيد بن ذي عصوان العبسي ، عن عبد الملك بن [ ص: 88 ] عمير اللخمي ، عن رافع الطائي رفيق أبي بكر الصديق في غزوة ذات السلاسل قال : وسألته عما قيل في بيعتهم ، فقال وهو يحدثه عما تقاولت به الأنصار ، وما كلمهم به ، وما كلم به عمر بن الخطاب الأنصار ، وما ذكرهم به من إمامتي إياهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ، فبايعوني لذلك وقبلتها منهم ، وتخوفت أن تكون فتنة بعدها ردة ، وهذا إسناد جيد قوي . ومعنى هذا أنه رضي الله عنه إنما قبل الإمامة ; تخوفا أن تقع فتنة أربى من تركه قبولها رضي الله عنه وأرضاه .

قلت : كان هذا في بقية يوم الاثنين ، فلما كان الغد صبيحة يوم الثلاثاء اجتمع الناس في المسجد فتممت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة ، وكان ذلك قبل تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا .

قال البخاري : ثنا إبراهيم بن موسى ثنا هشام ، عن معمر ، عن الزهري أخبرني أنس بن مالك أنه سمع خطبة عمر الأخيرة حين جلس على المنبر ، وذلك الغد من يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر صامت لا يتكلم . قال : كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدبرنا - يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يك محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به ، به هدى الله محمدا صلى الله عليه وسلم وإن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين ، وإنه أولى الناس بأموركم ، فقوموا فبايعوه . وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك [ ص: 89 ] في سقيفة بني ساعدة ، وكانت بيعة العامة على المنبر . قال الزهري ، عن أنس بن مالك سمعت عمر يقول يومئذ لأبي بكر : اصعد المنبر . فلم يزل به حتى صعد المنبر ، فبايعه الناس عامة .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني الزهري ، حدثني أنس بن مالك قال : لما بويع أبو بكر في السقيفة ، وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر ، وقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أيها الناس إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ، ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكني كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا - يقول : يكون آخرنا - وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له ، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم ; صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه . فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة ، ثم تكلم أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، الصدق أمانة والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه ، إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه ، إن شاء الله ، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله [ ص: 90 ] ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله . وهذا إسناد صحيح فقوله رضي الله عنه : وليتكم ولست بخيركم . من باب الهضم والتواضع ، فإنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم رضي الله عنهم .

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي الحافظ الإسفراييني ، حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ ، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وإبراهيم بن أبي طالب ، قالا : حدثنا بندار بن بشار ، حدثنا أبو هشام المخزومي ، حدثنا وهيب ، حدثنا داود بن أبي هند ، حدثنا أبو نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر . قال : فقام خطيب الأنصار فقال : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين ، وخليفته من المهاجرين ، ونحن كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره . قال : فقام عمر بن الخطاب فقال : صدق قائلكم . أما لو قلتم غير هذا لم نتابعكم . وأخذ بيد أبي بكر وقال : هذا صاحبكم فبايعوه . فبايعه عمر ، وبايعه المهاجرون والأنصار . قال : فصعد أبو بكر المنبر ، فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير . قال : فدعا بالزبير فجاء ، فقال : قلت : ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه ، أردت أن تشق عصا المسلمين ؟ ! فقال : لا تثريب يا خليفة رسول [ ص: 91 ] الله . فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء . فقال : قلت : ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين ؟ ! قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله . فبايعه . هذا أو معناه . قال أبو علي الحافظ : سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : جاءني مسلم بن الحجاج ، فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة ، وقرأته عليه وقال : هذا حديث يسوى بدنة ، فقلت : يسوى بدنة ؟ ! بل يسوى بدرة .

وقد رواه البيهقي ، عن الحاكم وأبي محمد بن أبي حامد المقرئ ، كلاهما عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم ، عن جعفر بن محمد بن شاكر ، عن عفان بن سلم ، عن وهيب به . ولكن ذكر أن الصديق هو القائل لخطيب الأنصار بدل عمر . وفيه : أن زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال : هذا صاحبكم فبايعوه ، ثم انطلقوا . فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا ، فسأل عنه ، فقام ناس من الأنصار فأتوا به . فذكر نحو ما تقدم ، ثم ذكر قصة الزبير بعد علي . فالله أعلم .

وقد رواه الإمام أحمد ، عن الثقة ، عن وهيب ، مختصرا . وقد رواه علي بن عاصم ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري فذكر [ ص: 92 ] نحو ما تقدم وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة ، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ، وفيه فائدة جليلة وهي مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة . وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه ، كما سنذكره وخرج معه إلى ذي القصة ، لما خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة كما سنبينه قريبا ، ولكن لما حصل من فاطمة رضي الله عنها عتب على الصديق بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعلم بما أخبرها به الصديق رضي الله عنه ، أنه قال " لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة " فحجبها وغيرها من أزواجه وعمه عن الميراث بهذا النص الصريح ، كما سنبين ذلك في موضعه ، فسألته أن ينظر علي زوجها في صدقة الأرض التي بخيبر وفدك ، فلم يجبها إلى ذلك ; لأنه رأى أن حقا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق البار الراشد التابع للحق رضي الله عنه فحصل لها - وهي امرأة من البشر ليست بواجبة العصمة - عتب وتغضب ، ولم تكلم الصديق حتى ماتت رضي الله عنها ، واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء ، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر ، رضي الله عنه كما سنذكره من " الصحيحين " وغيرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى ، مع ما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في " مغازيه " ، [ ص: 93 ] عن سعد بن إبراهيم حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ، وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير ثم خطب أبو بكر ، واعتذر إلى الناس وقال : والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة ، ولا سألتها الله في سر ولا علانية . فقبل المهاجرون مقالته ، وقال علي والزبير : ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة ، وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها ، إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخبره ، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حي . إسناد جيد ، ولله الحمد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث