الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في ذكر سراريه عليه الصلاة والسلام

فصل في ذكر سراريه عليه الصلاة والسلام

كانت له عليه الصلاة والسلام سريتان إحداهما ، مارية بنت شمعون القبطية ، أهداها له صاحب إسكندرية ، واسمه جريج بن مينا ، وأهدى معها أختها سيرين - وذكر أبو نعيم أنه أهداها في أربع جوار . والله أعلم - [ ص: 228 ] وغلاما خصيا اسمه مأبور ، وبغلة يقال لها : الدلدل . فقبل هديته واختار لنفسه مارية ، وكانت من قرية ببلاد مصر يقال لها : حفن . من كورة أنصنا ، وقد وضع عن أهل هذه البلدة معاوية بن أبي سفيان في أيام إمارته الخراج ; إكراما لها من أجل أنها حملت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بولد ذكر ، وهو إبراهيم عليه السلام . قالوا : وكانت مارية جميلة بيضاء أعجب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحبها وحظيت عنده ، ولا سيما بعد ما وضعت إبراهيم ولده . وأما أختها سيرين فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان ، وأما الغلام الخصي ، وهو مأبور ، فقد كان يدخل على مارية وسيرين بلا إذن كما جرت به عادته بمصر ، فتكلم بعض الناس فيها بسبب ذلك ، ولم يشعروا أنه خصي حتى انكشف الحال ، على ما سنبينه قريبا ، إن شاء الله تعالى . وأما البغلة فكان عليه الصلاة والسلام يركبها ، والظاهر ، والله أعلم ، أنها التي كان راكبها يوم حنين . وقد تأخرت هذه البغلة ، وطالت مدتها حتى كانت عند علي بن أبي طالب في أيام إمارته ، ومات ، فصارت إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وكبرت حتى كان يجش لها الشعير لتأكله .

قال أبو بكر بن خزيمة : حدثنا محمد بن زياد بن عبيد الله ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن بشير بن المهاجر ، عن عبد الله بن بريدة بن الحصيب ، عن أبيه قال : أهدى أمير القبط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريتين أختين ، وبغلة فكان يركب [ ص: 229 ] البغلة بالمدينة ، واتخذ إحدى الجاريتين ، فولدت له إبراهيم ابنه ، ووهب الأخرى .

وقال الواقدي : حدثنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب بمارية القبطية ، وكانت بيضاء جعدة جميلة فأنزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأختها على أم سليم بنت ملحان فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الإسلام فأسلمتا هناك ، فوطئ مارية بالملك ، وحولها إلى مال له بالعالية كان من أموال بني النضير ، فكانت فيه في الصيف ، وفي خرافة النخل ، فكان يأتيها هناك ، وكانت حسنة الدين ، ووهب أختها سيرين لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن ، وولدت مارية لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما سماه إبراهيم ، وعق عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة يوم سابعه ، وحلق رأسه ، وتصدق بزنة شعره فضة على المساكين ، وأمر بشعره فدفن في الأرض ، وسماه إبراهيم ، وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت إلى زوجها أبي رافع فأخبرته بأنها قد ولدت غلاما ، فجاء أبو رافع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشره ، فوهب له عبدا ، وغار نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واشتد عليهن حين رزق منها الولد .

وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني ، عن أبي عبيد القاسم بن إسماعيل ، [ ص: 230 ] عن زياد بن أيوب ، عن سعيد بن زكريا المدائني ، عن ابن أبي سارة ، عن ابن أبي الحسين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما ولدت مارية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعتقها ولدها " ثم قال الدارقطني : تفرد به زياد بن أيوب وهو ثقة . وقد رواه ابن ماجه من حديث حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة ، عن ابن عباس بمثله . ورويناه من وجه آخر . وقد أفردنا لهذه المسألة ، وهي بيع أمهات الأولاد ، مصنفا مفردا على حدته ، وحكينا فيه أقوال العلماء بما حاصله يرجع إلى ثمانية أقوال ، وذكرنا مستند كل قول ، ولله الحمد والمنة .

وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جده علي بن أبي طالب قال : أكثروا على مارية أم إبراهيم في قبطي ابن عم لها يزورها ويختلف إليها فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذ هذا السيف فانطلق فإن وجدته عندها فاقتله " قال : قلت : يا رسول الله أكون في أمرك إذا أرسلتني كالشكة المحماة لا يثنيني شيء حتى أمضي لما أمرتني به ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب " فأقبلت متوشحا السيف ، فوجدته [ ص: 231 ] عندها ، فاخترطت السيف فلما رآني عرف أني أريده ، فأتى نخلة فرقي فيها ، ثم رمى بنفسه على قفاه ، ثم شال رجليه ، فإذا به أجب أمسح ما له مما للرجال قليل ولا كثير ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال " الحمد لله الذي صرف عنا أهل البيت " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، ثنا سفيان ، حدثني محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، عن علي قال : قلت : يا رسول الله إذا بعثتني أكون كالسكة المحماة ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ قال " الشاهد يرى ما لا يرى الغائب " هكذا رواه مختصرا . وهو أصل الحديث الذي أوردناه ، وإسناده رجال ثقات .

وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، وعقيل ، عن الزهري ، عن أنس قال : لما ولدت مارية إبراهيم ، كاد أن يقع في النبي صلى الله عليه وسلم منه شيء حتى نزل جبريل عليه السلام ، فقال : السلام عليك يا أبا إبراهيم .

وقال أبو نعيم : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم ، حدثنا محمد بن يحيى الباهلي ، حدثنا يعقوب بن محمد ، عن رجل سماه ، [ ص: 232 ] عن الليث بن سعد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : أهدى ملك من بطارقة الروم يقال له : المقوقس جارية قبطية من بنات الملوك يقال لها مارية إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وأهدى معها ابن عم لها شابا ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ذات يوم مدخل خلوة فأصابها فحملت بإبراهيم . قالت عائشة : فلما استبان حملها جزعت من ذلك ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لها لبن ، فاشترى لها ضأنة لبونا تغذي منها الصبي ، فصلح عليه جسمه وحسن لونه ، وصفا لونه ، فجاء به ذات يوم يحمله على عنقه فقال : " يا عائشة كيف ترين الشبه ؟ " فقلت وأنا غيرى : ما أرى شبها . فقال : " ولا اللحم " فقلت : لعمري ، من تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه .

قال الواقدي : ماتت مارية في المحرم سنة ست عشرة ، فصلى عليها [ ص: 233 ] عمر ، ودفنها في البقيع . وكذا قال المفضل بن غسان الغلابي . وقال خليفة وأبو عبيد ويعقوب بن سفيان : ماتت سنة ست عشرة رحمها الله .

ومنهن ريحانة بنت زيد ، من بني النضير ، ويقال : من بني قريظة . قال الواقدي : كانت ريحانة بنت زيد من بني النضير ، وكانت مزوجة في بني قريظة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذها لنفسه صفيا ، وكانت جميلة فعرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسلم ، فأبت إلا اليهودية ، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووجد في نفسه ، فأرسل إلى ابن سعية ، فذكر له ذلك ، فقال ابن سعية : فداك أبي وأمي ، هي تسلم . فخرج حتى جاءها فجعل يقول لها : لا تتبعي قومك ، فقد رأيت ما أدخل عليهم حيي بن أخطب ، فأسلمي يصطفيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه . فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ سمع وقع نعلين فقال : " إن هاتين لنعلا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة " فجاءه فقال : يا رسول الله ، قد أسلمت [ ص: 234 ] ريحانة . فسر بذلك .

وقال محمد ابن إسحاق لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة ، فكانت عنده حتى توفي عنها وهي في ملكه ، وكان عرض عليها الإسلام ويتزوجها ، فأبت إلا اليهودية . ثم ذكر من إسلامها ما تقدم .

قال الواقدي : فحدثني عبد الملك بن سليمان ، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أيوب بن بشير المعاوي قال : فأرسل بها رسول الله إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر ، فكانت عندها حتى حاضت حيضة ، ثم طهرت من حيضها ، فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءها في منزل أم المنذر ، فقال لها : " إن أحببت أن أعتقك ، وأتزوجك فعلت ، وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطؤك بالملك فعلت " فقالت : يا رسول الله إنه أخف عليك وعلي أن أكون في ملكك . فكانت في ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطؤها حتى ماتت .

قال الواقدي : وحدثني ابن أبي ذئب قال : سألت الزهري عن ريحانة فقال : كانت أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها ، فكانت تحتجب في أهلها ، وتقول : لا يراني أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي : وهذا أثبت الحديثين عندنا ، وكان زوجها قبله عليه الصلاة والسلام الحكم .

[ ص: 235 ] وقال الواقدي : ثنا عاصم بن عبد الله بن الحكم ، عن عمر بن الحكم قال : أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة ، وكانت عند زوج لها ، وكان محبا لها مكرما فقالت : لا أستخلف بعده أحدا أبدا . وكانت ذات جمال فلما سبيتبنو قريظة عرض السبي على رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : فكنت فيمن عرض عليه ، فأمر بي فعزلت ، وكان يكون له صفي في كل غنيمة ، فلما عزلت خار الله لي ، فأرسل بي إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياما حتى قتل الأسرى وفرق السبي ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحييت منه حياء ، فدعاني فأجلسني بين يديه ، فقال : " إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه " فقلت إني أختار الله ورسوله . فلما أسلمت أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتزوجني ، وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ونشا ، كما كان يصدق نساءه ، وأعرس بي في بيت أم المنذر ، وكان يقسم لي كما يقسم لنسائه ، وضرب علي الحجاب . قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معجبا بها ، وكانت لا تسأله شيئا إلا أعطاها فقيل لها : لو كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة لأعتقهم . وكانت تقول : لم يخل بي حتى فرق السبي . ولقد كان يخلو بها ويستكثر منها ، فلم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع ، فدفنها بالبقيع ، وكان تزويجه إياها في المحرم سنة ست من الهجرة .

وقال ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري قال : واستسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة من بني قريظة ، ثم أعتقها فلحقت بأهلها .

[ ص: 236 ] وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : كانت ريحانة بنت زيد بن شمعون من بني النضير ، وقال بعضهم : من بني قريظة ، وكانت تكون في نخل من نخل الصدقة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيل عندها أحيانا ، وكان سباها في شوال سنة أربع .

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : ثنا أحمد ابن المقدام ، ثنا زهير ، عن سعيد ، عن قتادة قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليدتان مارية القبطية ، وربيحة أو ريحانة بنت شمعون بن زيد بن خنافة من بني عمرو بن قريظة ، كانت عند ابن عم لها يقال له : عبد الحكم فيما بلغني ، وماتت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ولائد ; مارية القبطية ، وريحانة القرظية ، وكانت له جارية أخرى جميلة فكادها نساؤه وخفن أن تغلبهن عليه ، وكانت له جارية نفيسة وهبتها له زينب بنت جحش ، وكان هجرها في شأن صفية بنت حيي ذا الحجة والمحرم وصفرا ، فلما كان شهر ربيع الأول الذي قبض فيه عليه الصلاة والسلام ، رضي عن زينب ودخل عليها ، فقالت : ما أدري ما أجزيك ؟ فوهبتها له صلى الله عليه وسلم .

وقد روى سيف بن عمر ، عن سعيد بن عبد الله ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يقسم لمارية وريحانة مرة ، ويتركهما مرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث