الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صدقة السر

التالي السابق


مطابقة هذه الآية الكريمة للترجمة ظاهرة ، وأولها : إن تبدوا الصدقات فنعما هي أي : إن أظهرتم الصدقة فنعم شيء هي . وقيل : فنعمت الخصلة هي ، نزلت لما سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقة السر أفضل أم الجهر ؟ قال الطبري : وروي عن ابن عباس أن قوله تعالى : إن تبدوا الصدقات فنعما هي إلى قوله تعالى : ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة ، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات أقربت الصدقات إليها ، وعن قتادة : إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها كل مقبول إذا كانت النية صادقة وصدقة السر أفضل ، وذكر لنا : أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار . وقاله أيضا الربيع ، وعن ابن عباس : جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها ، يقال : بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها تفضل من سرها ، يقال : بخمسة وعشرين ضعفا ، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها ، وقال سفيان : هو سوى الزكاة ، وقال آخرون : إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله : إن تبدوا الصدقات يعني : على أهل الكتابين من اليهود والنصارى ، فنعما [ ص: 285 ] هي ، وإن تخفوها وتؤتوها فقراءهم ، فهو خير لكم ، قالوا : فأما من أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة وتطوع ، فإخفاؤه أفضل ، ذكر ذلك يزيد بن أبي حبيب ، ونقل الطبري وغيره الإجماع على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء ، وصدقة التطوع على العكس من ذلك ، ونقل أبو إسحاق الزجاج : أن إخفاء الزكاة في زمن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - كان أفضل ، فأما بعده فإن الظن يساء بمن أخفاها ، فلهذا كان إظهار الزكاة المفروضة أفضل ، وقال أبو عطية : ويشبه في زماننا أن يكون الإخفاء بصدقة الفرض أفضل ، فقد كثر المانع لها ، وصار إخراجها عرضة للرياء ، قوله : " إن تبدوا " قال الزجاج : يعني : تظهروا ، يقال : بدا يبدو : إذا ظهر ، وأبديته إبداء : إذا أظهرته ، وبدا لي بداء : إذا تغير رأيه عما كان عليه ، قوله : " فنعما هي " فيه قراءات ، موضعها في محلها ، قوله : " وإن تخفوها " من الإخفاء ، يقال : أخفيت الشيء إخفاء : إذا سترته ، وخفي الشيء خفاء : إذا استتر ، وخفيته أخفيه خفيا : إذا أظهرته ، وأهل المدينة يسمون النباش المختفي .

وفي تفسير ابن كثير قوله : " وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء " فيه دليل على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها ; لأنه أبعد عن الرياء ، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به ، فيكون أفضل من هذه الحيثية ، والإسرار أفضل لهذه الآية ، ولما ثبت في الصحيح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " سبعة يظلهم الله " الحديث ، وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا العوام بن حوشب ، عن سليمان بن أبي سليمان ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : " لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها ، فاستقرت فتعجب الملائكة من خلق الجبال ، فقالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الجبال ، فقال : نعم ، الحديد ، قالت : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال : نعم النار ، قالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قال : نعم الماء ، قالت : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قال : نعم الريح ، قالت : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قال : نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله " ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال : حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤذن محارب ، أخبرنا موسى بن عمير ، عن عامر الشعبي في قوله تعالى : إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم قال أنزلت في أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر ؟ قال : خلفت لهم نصف مالي ، وأما أبو بكر ، فجاء بماله كله ، فكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : ما خلفت وراءك يا أبا بكر ؟ فقال : عدة الله وعدة رسوله ، فبكى عمر ، وقال : بأبي أنت يا أبا بكر ، والله ما أسبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقا ، وتمام الآية المذكورة ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير أي : نكفر عنكم بدل الصدقات من سيئاتكم ، أي : من ذنوبكم ، قرأ ابن عامر وعاصم من رواية حفص : " يكفر " بالياء وضم الراء ، وقرأ حمزة ونافع والكسائي " ونكفر " بالنون ، وجزم الراء ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر " ونكفر " بالنون وضم الراء والله بما تعملون خبير أي : لا يخفى عليه شيء من ذلك وسيجزيكم عليه ، والله أعلم بحقيقة الحال .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث