الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في صفة دفنه عليه الصلاة والسلام وأين دفن

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 136 ] فصل في صفة دفنه ، عليه الصلاة والسلام ، وأين دفن ، وذكر الخلاف في دفنه ليلا كان أم نهارا

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، ثنا ابن جريج ، أخبرني أبي - وهو عبد العزيز بن جريج - أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يدروا أين يقبرون النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو بكر : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لم يقبر نبي إلا حيث يموت " فأخروا فراشه ، وحفروا له تحت فراشه صلى الله عليه وسلم . وهذا فيه انقطاع بين عبد العزيز بن جريج وبين الصديق ، فإنه لم يدركه .

لكن رواه الحافظ أبو يعلى من حديث ابن عباس وعائشة ، عن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنهم ، فقال : حدثنا أبو موسى الهروي ، ثنا أبو معاوية ، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : اختلفوا في دفن النبي صلى الله عليه وسلم حين قبض ، فقال أبو بكر : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه " فقال : ادفنوه حيث قبض .

[ ص: 137 ] وهكذا رواه الترمذي ، عن أبي كريب ، عن أبي معاوية ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه ، فقال أبو بكر : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته . قال : " ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه " ادفنوه في موضع فراشه . ثم إن الترمذي ضعف المليكي ، ثم قال : وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه ، رواه ابن عباس ، عن أبي بكر الصديق ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الأموي ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، عن رجل حدثه ، عن عروة ، عن عائشة أن أبا بكر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنه لم يدفن نبي قط إلا حيث قبض " .

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني محمد بن سهل التميمي ، ثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي ، عن حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان بالمدينة حفاران ، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : أين ندفنه ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : في المكان الذي مات فيه . وكان أحدهما يلحد والآخر يشق ، فجاء الذي يلحد فلحد للنبي صلى الله عليه وسلم . وقد رواه مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه منقطعا .

وقال أبو يعلى : حدثنا جعفر بن مهران ثنا عبد الأعلى ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني حسين بن عبد الله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما أرادوا [ ص: 138 ] أن يحفروا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي كان يحفر لأهل المدينة وكان يلحد ، فدعا العباس رجلين ، فقال لأحدهما : اذهب إلى أبي عبيدة . وللآخر : اذهب إلى أبي طلحة . اللهم خر لرسولك . قال : فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة ، فجاء به ، فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء ، وضع على سريره في بيته ، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه ; فقال قائل : ندفنه في مسجده . وقال قائل : ندفنه مع أصحابه . فقال أبو بكر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض " فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه فحفروا له تحته ، ثم أدخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالا ; الرجال حتى إذا فرغ منهم أدخل النساء ، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان ، ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد فدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوسط الليل ليلة الأربعاء .

وهكذا رواه ابن ماجه ، عن نصر بن علي الجهضمي ، عن وهب بن جرير عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق فذكر بإسناده مثله . وزاد في آخره : ونزل في حفرته علي بن أبي طالب ، والفضل وقثم ابنا العباس ، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أوس بن خولي ، وهو أبو ليلى لعلي بن أبي طالب : [ ص: 139 ] أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال له علي : انزل . وكان شقران مولاه أخذ قطيفة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فدفنها في القبر ، وقال : والله لا يلبسها أحد بعدك . فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد رواه الإمام أحمد ، عن حسين بن محمد ، عن جرير بن حازم ، عن ابن إسحاق مختصرا . وكذلك رواه يونس بن بكير وغيره عن ابن إسحاق به .

وروى الواقدي ، عن ابن أبي حبيبة ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن أبي بكر الصديق ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما قبض الله نبيا إلا دفن حيث قبض " .

وروى البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين أو محمد بن جعفر بن الزبير قال : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه ، فقالوا : كيف ندفنه ; مع الناس أو في بيوته ؟ فقال أبو بكر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما قبض الله نبيا إلا دفن حيث قبض " فدفن حيث كان فراشه ، رفع الفراش وحفر تحته .

[ ص: 140 ] وقال الواقدي : حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن عثمان بن محمد الأخنسي ، عن عبد الرحمن بن سعيد ، يعني ابن يربوع ، قال : لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا في موضع قبره ; فقال قائل : في البقيع فقد كان يكثر الاستغفار لهم . وقال قائل : عند منبره . وقال قائل : في مصلاه . فجاء أبو بكر فقال : إن عندي من هذا خبرا وعلما ; سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما قبض نبي إلا دفن حيث توفي " قال الحافظ البيهقي : وهو في حديث يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، وفي حديث ابن جريج ، عن أبيه ، كلاهما عن أبي بكر الصديق ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا .

وقال البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن سلمة بن نبيط بن شريط ، عن أبيه ، عن سالم بن عبيد ، وكان من أصحاب الصفة ، قال : دخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات ثم خرج ، فقيل له : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم . فعلموا أنه كما قال ، وقيل له : أنصلي عليه ؟ وكيف نصلي عليه ؟ قال تجيئون عصبا عصبا فتصلون . فعلموا أنه كما قال ، قالوا : هل يدفن ؟ وأين ؟ قال : حيث قبض الله روحه ، فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب . فعلموا أنه كما قال .

وروى البيهقي من حديث سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب قال : عرضت عائشة على أبيها رؤيا ، وكان [ ص: 141 ] من أعبر الناس ، قالت : رأيت ثلاثة أقمار وقعن في حجري فقال لها : إن صدقت رؤياك دفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة . فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا عائشة هذا خير أقمارك ، ورواه مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عائشة منقطعا .

وفي " الصحيحين " عنها أنها قالت : توفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي ، وبين سحري ونحري ، وجمع الله بين ريقي وريقه في آخر ساعة من الدنيا وأول ساعة من الآخرة .

وفي " صحيح البخاري " من حديث أبي عوانة ، عن هلال الوزان ، عن عروة ، عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه يقول : " لعن الله اليهود والنصارى ; اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا .

وقال ابن ماجه : حدثنا محمود بن غيلان ، ثنا هاشم بن القاسم ، ثنا مبارك بن فضالة ، حدثني حميد الطويل ، عن أنس بن مالك قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح ، فقالوا : نستخير ربنا ، ونبعث إليهما ، فأيهما سبق تركناه . فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد ، [ ص: 142 ] فلحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم . تفرد به ابن ماجه . وقد رواه الإمام أحمد عن أبي النضر هاشم بن القاسم به .

وقال ابن ماجه أيضا : حدثنا عمر بن شبة بن عبيدة بن زيد ، ثنا عبيد بن طفيل ، ثنا عبد الرحمن بن أبي مليكة ، حدثني ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في اللحد والشق ، حتى تكلموا في ذلك ، وارتفعت أصواتهم فقال عمر : لا تصخبوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا ولا ميتا . أو كلمة نحوها ، فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميعا ، فجاء اللاحد ، فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دفن صلى الله عليه وسلم . تفرد به ابن ماجه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، ثنا العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وعن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحد له لحد . تفرد به أحمد من هذين الوجهين .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى عن شعبة ، وابن جعفر ، ثنا شعبة ، حدثني أبو جمرة عن ابن عباس قال : جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء . [ ص: 143 ] وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق ، عن شعبة به . وقد رواه وكيع ، عن شعبة . وقال وكيع : كان هذا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه ابن عساكر .

وقال ابن سعد : أنبأنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، ثنا أشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط تحته سمل قطيفة حمراء كان يلبسها قال : وكانت أرضا ندية .

وقال هشيم عن منصور ، عن الحسن قال : جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء ، كان أصابها يوم خيبر . قال الحسن : جعلها لأن المدينة أرض سبخة . قال : ففرشت تحته .

وقال محمد بن سعد : ثنا حماد بن خالد الخياط ، عن عقبة بن أبي الصهباء ، سمعت الحسن يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " افرشوا لي قطيفتي [ ص: 144 ] في لحدي ; فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء " .

وروى الحافظ البيهقي من حديث مسدد ، ثنا عبد الواحد ، ثنا معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب قال : قال علي : غسلت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهبت أنظر إلى ما يكون من الميت فلم أر شيئا ، وكان طيبا حيا وميتا صلى الله عليه وسلم . قال : وولي دفنه ، عليه الصلاة والسلام ، وإجنانه دون الناس أربعة ; علي ، والعباس ، والفضل ، وصالح مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولحد للنبي صلى الله عليه وسلم لحد ، ونصب عليه اللبن نصبا .

وذكر البيهقي عن بعضهم أنه نصب على لحده عليه الصلاة والسلام تسع لبنات .

وروى الواقدي ، عن ابن أبي سبرة ، عن عباس بن عبد الله بن معبد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس من يوم الاثنين إلى أن زاغت الشمس يوم الثلاثاء ، يصلي الناس عليه وسريره على شفير قبره ، فلما أرادوا أن يقبروه ، عليه الصلاة والسلام نحوا السرير قبل رجليه ، فأدخل من هناك ، ودخل في حفرته العباس وعلي وقثم والفضل وشقران .

وروى البيهقي من حديث إسماعيل السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس [ ص: 145 ] قال : دخل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس وعلي والفضل ، وسوى لحده رجل من الأنصار ، وهو الذي سوى لحود قبور الشهداء يوم بدر . قال ابن عساكر : صوابه يوم أحد . وقد تقدم رواية ابن إسحاق ، عن حسين بن عبد الله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان الذين نزلوا في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : علي والفضل وقثم وشقران . وذكر الخامس ، وهو أوس بن خولي ، وذكر قصة القطيفة التي وضعها في القبر شقران .

وقال الحافظ البيهقي : أخبرنا أبو طاهر الفقيه ، أنا أبو طاهر المحمداباذي ، ثنا أبو قلابة ، ثنا أبو عاصم ، ثنا سفيان بن سعيد - هو الثوري - عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي قال : حدثني أبو مرحب قال : كأني أنظر إليهم في قبر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ; أحدهم عبد الرحمن بن عوف وهكذا رواه أبو داود ، عن محمد بن الصباح ، عن سفيان ، عن إسماعيل بن أبي خالد به . ثم رواه عن أحمد بن يونس ، عن زهير ، عن إسماعيل ، عن الشعبي ، حدثني مرحب أو أبو مرحب ، أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف ، فلما فرغ [ ص: 146 ] علي قال : إنما يلي الرجل أهله . وهذا حديث غريب جدا ، وإسناده جيد قوي ، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه .

وقد قال أبو عمر بن عبد البر في " استيعابه " أبو مرحب اسمه سويد بن قيس . وذكر أبا مرحب آخر ، وقال : لا أعرف خبره . قال ابن الأثير في " الغابة " : فيحتمل أن يكون راوي هذا الحديث أحدهما أو ثالثا غيرهما . ولله الحمد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث