الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الإقرار بترك اليمين

رجل مات وترك ابنا ، وفي يده عبد فادعى رجل أنه استودع العبد أباه فإن الابن يستحلف له على علمه لأنه قام مقام المورث فجحوده الوديعة كجحود المورث ، ولو أقر به أمر بالتسليم إليه ، فإذا أنكر يستحلف عليه غير أن هذا استحلاف على فعل الغير فيكون على العلم ، فإن أبى أن يحلف دفع العبد إليه ; لأنه بالنكول صار باذلا أو مقرا ، فإن ادعى آخر مثل ذلك لم يستحلف له الابن ; لأنه لو أقر للثاني لم يلزمه شيء فكيف يستحلف عند جحوده ، وإنما لا يصير ضامنا شيئا ; لأن الوديعة لم يباشرها هو حتى يكون ملتزما حفظها بعقده ، ثم بالنكول لا يكون تاركا للحفظ بل هو رجل امتنع من اليمين وأمره القاضي بتسليم ما في يده عند ذلك فلا يصير ضامنا شيئا بخلاف ما إذا كان يدعي عليه أنه أودعه إياه فإن هناك لو أقر به لزمه الضمان بسبب ترك الحفظ الذي التزمه بالعقد حين أقر . وعند أبي حنيفة أنه يحلف للأول ، وهذا يكون على قول محمد رحمه الله [ ص: 52 ] أيضا فإنه يصير ضامنا للثاني ، فأما عند أبي يوسف رحمه الله فلا يصير ضامنا للثاني ، وإن كان يدعي عليه الإيداع إذا كان الدفع حصل بقضاء القاضي ولا يمين عليه . وكذلك ما ادعى على الأب من غصب أو عارية فلا ضمان للثاني على الابن لما بينا ، وتأويل هذا إذا لم يكن في يد الابن شيء من التركة سوى ما قضى به للأول ، فإن كان في يده شيء استحلف للثاني ، وإذا أبى اليمين صار مقرا بالدين على أبيه للثاني في الغصب بلا شبهة ، وفي الوديعة والعارية بموته مجهلا وصار متملكا غاصبا فيؤمر بقضاء الدين من التركة .

( قال ) والرجل والمرأة والعبد والتاجر والمكاتب والصبي المأذون في ذلك سواء ، وفي هذا بيان أن الصبي المأذون يستحلف في الدعوى ; لأن هذه اليمين حق المدعي ، وفي حقوق العباد الصبي المأذون كالبالغ ، وهذا لا يستحلف لرجاء النكول الذي هو قائم مقام الإقرار فكل من كان إقراره صحيحا يستحلف إذا جاء نكوله ، وعند أبي حنيفة النكول بمنزلة البدل والبذل المقيد صحيح من المملوك والصبي ، فإن أبى أن يحلف ، ثم قال قبل قضاء القاضي أنا أحلف يقبل ذلك منه لأن النكول في نفسه محتمل ، فقد يكون للتورع عن اليمين الكاذبة ، وقد يكون للترفع عن اليمين الصادقة فلا يوجب به ما لم يقض شيئا القاضي ويصح الرجوع عنه قبل القضاء كالشهادة ، فأما بعد القضاء عليه إذا قال : أحلف لا يقبل ذلك منه ; لأن الحق قد لزمه بالقضاء وتعين حقه بالإقرار في نكوله بالقضاء فلا رجوع بعد ذلك منه ، وإذا استمهل القاضي ثلاثة أيام أو أقل فلا بأس أن يمهله ، وإن طلب النظرة ، وهو محتاج إلى التأمل في حسابه ومعاملته مع المدعي فينبغي أن يمهله ، وإن فعل وأمضى عليه الحكم جاز ; لأن سبب القضاء ، وهو امتناعه عن اليمين قد تقرر وقضاء القاضي بعد تقرر السبب الموجب نافذ ، والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث