الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان سبب قتل يحيى عليه السلام

[ ص: 411 ] بيان سبب قتل يحيى ، عليه السلام

وذكروا في قتله أسبابا كثيرة ; من أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه ، أو من لا يحل له تزويجها ، فنهاه يحيى ، عليه السلام ، عن ذلك ، فبقي في نفسها منه ، فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها ، استوهبت منه دم يحيى فوهبه لها فبعثت إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طست إلى عندها ، فيقال : إنها هلكت من فورها وساعتها . وقيل : بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته ، فأبى عليها ، فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك ، فتمنع عليها الملك ، ثم أجابها إلى ذلك ، فبعثت من قتله وأحضر إليها رأسه ودمه في طست .

وقد ورد معناه في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه " المبتدأ " حيث قال : أنبأنا يعقوب الكوفي ، عن عمرو بن ميمون ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به رأى زكريا في السماء ، فسلم عليه وقال له : يا أبا يحيى ، خبرني عن قتلك ; كيف كان ؟ ولم قتلك بنو [ ص: 412 ] إسرائيل ؟ قال : يا محمد ، أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه ، وكان أجملهم ، وأصبحهم وجها ، وكان كما قال الله تعالى : سيدا وحصورا وكان لا يحتاج إلى النساء ، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل ، وكانت بغية ، فأرسلت إليه ، وعصمه الله ، وامتنع يحيى وأبى عليها ، وأجمعت على قتل يحيى ، ولهم عيد يجتمعون في كل عام ، وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب . قال : فخرج الملك إلى العيد فقامت امرأته فشيعته ، وكان بها معجبا ، ولم تكن تفعله فيما مضى ، فلما أن شيعته قال الملك : سليني ، فما سألتني شيئا إلا أعطيتك . قالت : أريد دم يحيى بن زكريا . قال لها : سليني غيره . قالت : هو ذاك . قال : هو لك . قال : فبعثت جلاوزتها إلى يحيى ، وهو في محرابه يصلي ، وأنا إلى جانبه أصلي . قال : فذبح في طست وحمل رأسه ودمه إليها . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فما بلغ من صبرك ؟ قال : ما انفتلت من صلاتي . قال : فلما حمل رأسه إليها ، فوضع بين يديها ، فلما أمسوا خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه ، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل : قد غضب إله زكريا لزكريا ، فتعالوا حتى نغضب لملكنا ، فنقتل زكريا . قال : فخرجوا في طلبي ليقتلوني ، وجاءني النذير فهربت منهم ، وإبليس أمامهم يدلهم علي ، فلما تخوفت أن لا أعجزهم ، عرضت لي شجرة فنادتني وقالت : إلي إلي . وانصدعت لي فدخلت فيها . قال : وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي ، والتأمت الشجرة ، وبقي طرف ردائي [ ص: 413 ] خارجا من الشجرة ، وجاءت بنو إسرائيل فقال إبليس : أما رأيتموه دخل هذه الشجرة ؟ هذا طرف ردائه ، دخلها بسحره . فقالوا : نحرق هذه الشجرة . فقال إبليس : شقوه بالمنشار شقا . قال : فشققت مع الشجرة بالمنشار . قال له النبي صلى الله عليه وسلم : هل وجدت له مسا أو وجعا ؟ قال : لا ، إنما وجدت ذلك الشجرة جعل الله روحي فيها . هذا سياق غريب ، وحديث عجيب ، ورفعه منكر ، وفيه ما ينكر على كل حال ولم نر في شيء من أحاديث الإسراء ذكرا لزكريا ، عليه السلام ، إلا في هذا الحديث ، وإنما المحفوظ في بعض ألفاظ " الصحيح " في حديث الإسراء : فمررت بابني الخالة : يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة على قول الجمهور كما هو ظاهر الحديث ; فإن أم يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم بنت عمران . وقيل : بل أشياع ، وهي امرأة زكريا أم يحيى هي أخت حنة امرأة عمران أم مريم ، فيكون يحيى ابن خالة مريم . فالله أعلم .

ثم اختلف في مقتل يحيى بن زكريا ، هل كان في المسجد الأقصى أم بغيره ؟ على قولين ; فقال الثوري ، عن الأعمش ، عن شمر بن عطية ، قال : قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبيا ، منهم يحيى بن زكريا ، عليه السلام . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : قدم [ ص: 414 ] بخت نصر دمشق فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي ، فسأل عنه فأخبروه ، فقتل على دمه سبعين ألفا ، فسكن . وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب ، وهو يقتضي أنه قتل بدمشق ، وأن قصة بخت نصر كانت بعد المسيح ، كما قاله عطاء والحسن البصري . فالله أعلم .

وروى الحافظ ابن عساكر ، من طريق الوليد بن مسلم ، عن زيد بن واقد ، قال : رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق ، أخرج من تحت ركن من أركان القبلة ، الذي يلي المحراب ، مما يلي الشرق ، فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير . وفي رواية : كأنما قتل الساعة . وذكر في بناء مسجد دمشق ، أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكة . فالله أعلم .

وقد روى الحافظ ابن عساكر في " المستقصى في فضائل الأقصى " من طريق العباس بن صبح ، عن مروان ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن قسيم مولى معاوية ، قال : كان ملك هذه المدينة - يعني دمشق - هداد [ ص: 415 ] ابن هداد ، وكان قد زوج ابنه بابنة أخيه أريل ، ملكة صيدا . قلت : وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك بدمشق ، وهو الصاغة العتيقة . قال : وكان قد حلف بطلاقها ثلاثا ، ثم إنه أراد مراجعتها ، فاستفتى يحيى بن زكريا ، فقال : لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك . فحقدت عليه وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا ، وذلك بإشارة أمها ، فأبى عليها ، ثم أجابها إلى ذلك وبعث إليه وهو قائم يصلي بمسجد جيرون من أتاه برأسه في صينية ، فجعل الرأس يقول : لا تحل له ، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره . فأخذت المرأة الطبق ، فحملته على رأسها وأتت به أمها ، وهو يقول كذلك ، فلما تمثلت بين يدي أمها خسف بها إلى قدميها ثم إلى حقويها ، وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن ويلطمن وجوههن ، ثم خسف بها إلى منكبيها ، فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها لتتسلى برأسها ، ففعل ، فلفظت الأرض جثتها عند ذلك ، ووقعوا في الذل والفناء ، ولم يزل دم يحيى يفور حتى قدم بخت نصر ، فقتل عليه خمسة وسبعين ألفا . قال سعيد بن عبد العزيز : وهي دم كل نبي . ولم يزل يفور ، حتى وقف عنده أرميا ، عليه السلام ، فقال : أيها الدم أفنيت بني إسرائيل ، فاسكن بإذن الله . فسكن ، فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق إلى بيت المقدس ، فتبعهم إليها ، فقتل خلقا كثيرا لا يحصون كثرة ، وسبا منهم ، ثم رجع عنهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث