الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 75 ] حديث الطير : وهذا الحديث قد صنف الناس فيه ، وله طرق متعددة ، وفي كل منها نظر ، ونحن نشير إلى شيء من ذلك .

قال الترمذي : حدثنا سفيان بن وكيع ، ثنا عبيد الله بن موسى ، عن عيسى بن عمر ، عن السدي ، عن أنس قال : كان عند النبي صلى الله عليه وسلم طير فقال : " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير " . فجاء علي فأكل معه . ثم قال الترمذي : غريب ، لا نعرفه من حديث السدي إلا من هذا الوجه . قال : وقد روي من غير وجه عن أنس . وقد رواه أبو يعلى عن الحسن بن حماد ، عن مسهر بن عبد الملك ، عن عيسى بن عمر به .

وقال أبو يعلى : ثنا قطن بن بشير ، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، ثنا عبد الله بن مثنى ، ثنا عبد الله بن أنس ، عن أنس بن مالك قال : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حجل مشوي بخبزه وصنابه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام " . فقالت عائشة : اللهم اجعله أبي . وقالت حفصة : اللهم اجعله أبي . وقال أنس : وقلت : اللهم اجعله سعد بن عبادة قال : أنس : فسمعت حركة بالباب ، فخرجت ، فإذا علي ، فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم على حاجة . فانصرف ، ثم سمعت حركة بالباب ، فخرجت [ ص: 76 ] فإذا علي بالباب . فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم على حاجة . فانصرف ، ثم سمعت حركة بالباب ، فسلم علي ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته ، فقال : " انظر من هذا ؟ " فخرجت فإذا هو علي ، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : " ائذن له " . فدخل علي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . " اللهم وإلي ، اللهم وإلي " .

ورواه الحاكم في " مستدركه " ، عن أبي علي الحافظ ، عن محمد بن أحمد الصفار وحميد بن يونس الزيات ، كلاهما عن محمد بن أحمد بن عياض ، عن أبي غسان أحمد بن عياض بن أبي طيبة ، عن يحيى بن حسان ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن أنس ، فذكره . وهذا إسناد غريب . ثم قال الحاكم : هذا الحديث على شرط البخاري ومسلم . وهذا فيه نظر ، فإن أبا علاثة محمد بن أحمد بن عياض هذا غير معروف ، لكن روى هذا الحديث عنه جماعة عن أبيه ، وممن رواه عنه أبو القاسم الطبراني ، ثم قال : تفرد به عن أبيه . والله أعلم . قال الحاكم : وقد رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفسا . قال شيخنا الحافظ الكبير أبو عبد الله الذهبي : وصلهم بثقة يصح الإسناد إليه . ثم قال الحاكم : وصحت الرواية عن علي وأبي سعيد وسفينة . قال شيخنا أبو عبد الله : لا والله ما صح شيء من ذلك . ثم رواه الحاكم من طريق [ ص: 77 ] إبراهيم بن ثابت القصار - وهو مجهول - عن ثابت البناني ، عن أنس قال : دخل محمد بن الحجاج ، فجعل يسب عليا ، فقال أنس : اسكت عن سب علي . فذكر الحديث مطولا ، وهو منكر سندا ومتنا ، ثم لم يورد الحاكم في " مستدركه " غير هذين الحديثين . وقد رواه ابن أبي حاتم عن عمار بن خالد الواسطي ، عن إسحاق الأزرق ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن أنس . وهذا أجود من إسناد الحاكم . ورواه عبد الله بن زياد أبو العلاء ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب عن أنس بن مالك قال : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طير مشوي فقال : " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير " . فذكر نحوه . ورواه محمد بن مصفى ، عن حفص بن عمر ، عن موسى بن مسعود ، عن الحسن ، عن أنس فذكره . ورواه علي بن الحسن الشامي ، عن خليد بن دعلج ، عن قتادة ، عن أنس بنحوه . ورواه أحمد بن يزيد الورتنيسي عن زهير ، عن عثمان الطويل ، عن أنس ، فذكره . ورواه عبيد الله بن موسى ، عن سكين بن عبد العزيز ، عن ميمون أبي خلف ، حدثني أنس بن مالك . فذكره . قال الدارقطني : هذا حديث غريب من حديث ميمون [ ص: 78 ] أبي خلف ، تفرد به سكين بن عبد العزيز . ورواه الحجاج بن يوسف بن قتيبة ، عن بشر بن الحسين ، عن الزبير بن عدي ، عن أنس . ورواه أبو يعقوب إسحاق بن الفيض ، ثنا المضاء بن الجارود ، عن عبد العزيز بن زياد ، أن الحجاج بن يوسف دعا أنس بن مالك من البصرة فسأله عن علي بن أبي طالب ، فقال : أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم طائر ، فأمر به فطبخ وصنع فقال : " اللهم ائتني بأحب الخلق إلي يأكل معي " فذكره .

وقال الخطيب البغدادي : أنا الحسن بن أبي بكر ، أنا أبو بكر محمد بن العباس بن نجيح ، ثنا محمد بن القاسم النحوي أبو عبد الله ، ثنا أبو عاصم ، عن أبي الهندي ، عن أنس ، فذكره . ورواه الحكم بن محمد ، عن محمد بن سليم ، عن أنس بن مالك ، فذكره .

وقال أبو يعلى : حدثنا الحسن بن حماد الوراق ، ثنا مسهر بن عبد الملك بن سلع - ثقة - ثنا عيسى بن عمر ، عن إسماعيل السدي ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عنده طائر فقال : " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير " . فجاء أبو بكر فرده ، ثم جاء عمر فرده ، ثم جاء عثمان فرده ، ثم جاء علي فأذن له .

[ ص: 79 ] وقال أبو العباس بن عقدة : ثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، ثنا يوسف بن عدي ، ثنا حماد بن المختار الكوفي ، ثنا عبد الملك بن عمير ، عن أنس بن مالك ، قال : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طائر ، فوضع بين يديه فقال : " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي " . قال : فجاء علي فدق الباب ، فقلت : من ذا ؟ فقال : أنا علي . فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم على حاجة . حتى فعل ذلك ثلاثا ، فجاء الرابعة فضرب الباب برجله فدخل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما حبسك ؟ " فقال : قد جئت ثلاث مرات فيحبسني أنس . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما حملك على ذلك ؟ " قال : قلت : كنت أحب أن يكون رجلا من قومي . وقد رواه الحاكم النيسابوري عن عبدان بن يزيد ، عن يعقوب الدقاق ، عن إبراهيم بن الحسين الكسائي ، عن أبي توبة الربيع بن نافع ، عن حسين بن سليمان بن عبد الملك بن عمير ، عن أنس ، فذكره . ثم قال الحاكم : لم نكتبه إلا بهذا الإسناد . وساقه ابن عساكر من حديث الحارث بن نبهان ، عن إسماعيل - رجل من أهل الكوفة - عن أنس بن مالك ، فذكره . ومن حديث حفص بن عمر المهرقاني ، عن النجم بن بشير ، عن إسماعيل بن سليمان أخي إسحاق بن سليمان الرازي ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن أنس ، فذكره . ومن حديث [ ص: 80 ] سليمان بن قرم ، عن محمد بن علي السلمي ، عن أبي حذيفة العقيلي ، عن أنس ، فذكره .

وقال أبو يعلى ثنا أبو هشام ، ثنا ابن فضيل ، ثنا مسلم الملائي ، عن أنس قال أهدت أم أيمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طيرا مشويا ، فقال : " اللهم ائتني بمن تحبه يأكل معي من هذا الطير " . قال أنس : فجاء علي فاستأذن ، فقلت : هو على حاجته . فرجع ، ثم عاد فاستأذن فقلت : هو على حاجته . فرجع ، ثم عاد فاستأذن ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته ، فقال : " ائذن له " . فدخل وهو موضوع بين يديه ، فأكل منه وحمد الله .

فهذه طرق متعددة عن أنس بن مالك ، كل منها فيه ضعف ومقال . وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في هذا الحديث بعد ما أورد طرقا متعددة نحوا مما ذكرنا : ويروى هذا الحديث من وجوه باطلة أو مظلمة عن حجاج بن يوسف ، وأبي عصام خالد بن عبيد ، ودينار أبي مكيس ، وزياد بن محمد الثقفي ، وزياد العبسي ، وزياد بن المنذر ، وسعد بن ميسرة البكري ، وسليمان التيمي ، وسليمان بن علي الأمير ، وسلمة بن وردان ، وصباح بن محارب ، وطلحة بن مصرف ، وأبي الزناد ، وعبد الأعلى بن عامر ، وعمر بن راشد ، وعمر بن أبي حفص الثقفي الضرير ، وعمر بن سليم البجلي ، وعمر بن يحيى الثقفي ، وعثمان الطويل ، وعلي بن أبي رافع ، وعيسى بن طهمان ، وعطية العوفي ، وعباد بن عبد الصمد ، وعمار الدهني ، وعباس بن علي ، وفضيل بن غزوان ، وقاسم بن حبيب ، وكلثوم بن جبر ، ومحمد بن علي [ ص: 81 ] الباقر ، والزهري ، ومحمد بن عمرو بن علقمة ، ومحمد بن مالك الثقفي ، ومحمد بن جحادة ، وميمون بن مهران ، وموسى الطويل ، وميمون بن جابر السلمي ، ومنصور بن عبد الحميد ، ومعلى بن أنس ، وميمون أبي خلف الحراني ، وقيل : أبو خالد . ومطر أبي خالد ، ومعاوية بن عبد الله بن جعفر ، وموسى بن عبد الله الجهني ، ونافع مولى ابن عمر ، والنضر بن أنس بن مالك ، ويوسف بن إبراهيم ، ويونس بن خباب ، ويزيد بن سفيان ، ويزيد بن أبي حبيب ، وأبي المليح ، وأبي الحكم ، وأبي داود السبيعي ، وأبي حمزة الواسطي ، وأبي حذيفة العقيلي وإبراهيم بن هدبة . ثم قال بعد أن ذكر الجميع : الجميع بضعة وتسعون نفسا ، أقربها غرائب ضعيفة ، وأردؤها طرق مختلفة مفتعلة ، وغالبها طرق واهية .

وقد روي من حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو القاسم البغوي وأبو يعلى الموصلي : حدثنا القواريري ، ثنا يونس بن أرقم ، ثنا مطير بن أبي خالد ، عن ثابت البجلي ، عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أهدت امرأة من الأنصار طائرين بين رغيفين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن في البيت غيري وغير أنس ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بغدائه ، فقلت : يا رسول الله ، قد أهدت لك امرأة من الأنصار هدية . فقدمت الطائرين إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك " . فجاء علي بن أبي طالب فضرب [ ص: 82 ] الباب ضربا خفيا ، فقلت : من هذا ؟ قال : أبو الحسن . ثم ضرب الباب ورفع صوته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من هذا ؟ " قلت علي بن أبي طالب قال : " افتح له " . ففتحت له ، فأكل معه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطيرين حتى فنيا .

وروى عن ابن عباس ، فقال أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد : ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، ثنا حسين بن محمد ، ثنا سليمان بن قرم ، عن محمد بن شعيب ، عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه ، عن جده ابن عباس قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بطائر فقال : " اللهم ائتني برجل يحبه الله ورسوله " . فجاء علي ، فقال : " اللهم وإلي " .

وروي عن علي نفسه ، فقال عباد بن يعقوب : ثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي قال : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طير يقال له : الحبارى فوضعت بين يديه ، وكان أنس بن مالك يحجبه ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده إلى الله ثم قال : " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير " . قال : فجاء علي فاستأذن ، فقال له أنس إن رسول الله - يعني - على حاجته ، فرجع ثم أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء ، فرجع ثم دعا الثالثة ، فجاء علي فأدخله ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم وإلي " . فأكل معه ، فلما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج علي ، قال أنس : اتبعت عليا فقلت : يا أبا الحسن ، استغفر لي فإن لي إليك ذنبا ، وإن عندي [ ص: 83 ] بشارة . فأخبرته بما كان من النبي صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله واستغفر لي ، ورضي عني ; أذهب ذنبي عنده بشارتي إياه . ومن حديث جابر بن عبد الله الأنصاري أورده ابن عساكر من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث ، عن ابن لهيعة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، فذكره بطوله ، وقد روي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري وصححه الحاكم ، ولكن إسناده مظلم وفيه ضعفاء . وروي من حديث حبشي بن جنادة ، ولا يصح أيضا ، ومن حديث يعلى بن مرة ، والإسناد إليه مظلم ، ومن حديث أبي رافع نحوه وليس بصحيح بل طريقه مظلم .

وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة ، منهم ; أبو بكر بن مردويه ، والحافظ أبو طاهر محمد بن أحمد بن حمدان ، فيما رواه شيخنا أبو عبد الله الذهبي ، ورأيت فيه مجلدا في جمع طرقه وألفاظه لأبي جعفر بن جرير الطبري المفسر صاحب " التاريخ " ، ثم وقفت على مجلد كبير في رده وتضعيفه سندا ومتنا للقاضي أبي بكر الباقلاني المتكلم . وبالجملة ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر ، وإن كثرت طرقه ، والله أعلم .

حديث آخر في فضل علي ، رضي الله عنه : قال أبو بكر الشافعي : ثنا بشر بن موسى الأسدي ، ثنا زكريا بن عدي ، ثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر بن عبد الله قال : خرجت مع رسول [ ص: 84 ] الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة من الأنصار في نخل لها يقال له : الأسواف . ففرشت لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت صور لها مرشوش ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الآن يأتيكم رجل من أهل الجنة " . فجاء أبو بكر ، ثم قال : " الآن يأتيكم رجل من أهل الجنة " . فجاء عمر ، ثم قال : " الآن يأتيكم رجل من أهل الجنة " . قال : فلقد رأيته مطأطئا رأسه من تحت الصور ، ثم يقول : " اللهم إن شئت جعلته عليا " . فجاء علي ، ثم إن الأنصارية ذبحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة وصنعتها ، فأكل وأكلنا ، فلما حضرت الظهر قام يصلي وصلينا ، ما توضأ ولا توضأنا ، فلما حضرت العصر صلى ، وما توضأ ولا توضأنا .

حديث آخر : قال أبو يعلى : حدثنا الحسن بن حماد الكوفي ، ثنا ابن أبي غنية ، عن أبيه ، عن الشيباني ، عن جميع بن عمير قال : دخلت مع أمي على عائشة ، فسألتها عن علي فقالت : ما رأيت رجلا كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، ولا امرأة كانت أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من امرأته . وقد رواه غير واحد من الشيعة عن جميع بن عمير به .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : ثنا يحيى بن أبي بكير ، ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الله الجدلي قال : دخلت على أم سلمة فقالت لي : [ ص: 85 ] أيسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم ؟ فقلت : معاذ الله - أو : سبحان الله . أو كلمة نحوها - قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من سب عليا فقد سبني " .

وقد رواه أبو يعلى عن أبي خيثمة عن عبيد الله بن موسى ، عن عيسى بن عبد الرحمن البجلي - من بجلة من سليم - عن السدي ، عن أبي عبد الله الجدلي قال : قالت أم سلمة : أيسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم على المنابر ؟ قال : قلت : وأنى ذلك ؟ قالت : أليس يسب علي ومن أحبه ؟ فأشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحبه . وقد روي من غير هذا الوجه عن أم سلمة .

وقد ورد من حديثها وحديث جابر وأبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي : " كذب من زعم أنه يحبني ويبغضك " . ولكن أسانيدها كلها ضعيفة لا يحتج بها .

حديث آخر : قال عبد الرزاق : أنا الثوري ، عن الأعمش ، عن عدي بن ثابت ، عن زر بن حبيش قال : سمعت عليا يقول : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إلي : " إنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " . ورواه أحمد عن ابن نمير ووكيع ، عن الأعمش . وكذلك رواه أبو معاوية ، ومحمد بن فضيل ، وعبد الله بن داود الخريبي ، وعبيد الله بن [ ص: 86 ] موسى ، ومحاضر بن المورع ، ويحيى بن عيسى الرملي ، عن الأعمش ، به . وأخرجه مسلم في " صحيحه " عن وكيع وأبي معاوية ، عن الأعمش به . ورواه حسان بن حسان ، عن شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن زر ، عن علي ، فذكره ، وقد روي من غير وجه عن علي . وهذا الذي أوردناه هو الصحيح من ذلك . والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا محمد بن فضيل ، عن عبد الله بن عبد الرحمن أبي نصر ، حدثني مساور الحميري ، عن أمه قالت : سمعت أم سلمة تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي : " لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق " وقد روي من غير هذا الوجه عن أم سلمة بلفظ آخر ، ولا يصح .

وروى ابن عقدة ، عن الحسن بن علي بن بزيع ، ثنا عمر بن إبراهيم ، ثنا سوار بن مصعب ، عن الحكم ، عن يحيى الجزار ، عن عبد الله بن مسعود ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من زعم أنه آمن بي وبما جئت به وهو يبغض [ ص: 87 ] عليا ، فهو كاذب ليس بمؤمن " . وهذا بهذا الإسناد مختلق لا يثبت . والله أعلم .

وقال الحسن بن عرفة : حدثني سعيد بن محمد الوراق ، عن علي بن الحزور ، سمعت أبا مريم الثقفي ، سمعت عمار بن ياسر يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي : " طوبى لمن أحبك وصدق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذب فيك " . وقد روي في هذا المعنى أحاديث كثيرة موضوعة لا أصل لها .

وقال غير واحد عن أبي الأزهر أحمد بن الأزهر ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى علي فقال : " أنت سيد في الدنيا ، سيد في الآخرة ، من أحبك فقد أحبني ، وحبيبك حبيب الله ، ومن أبغضك فقد أبغضني ، وبغيضك بغيض الله ، والويل لمن أبغضك من بعدي " . وروى غير واحد أيضا عن الحارث بن حصيرة ، عن أبي صادق ، عن ربيعة بن ناجذ ، عن علي قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إن فيك من عيسى مثلا ، أبغضته يهود حتى بهتوا أمه ، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به " . قال علي : ألا وإنه يهلك في اثنان ; محب مطر يقرظني بما ليس [ ص: 88 ] في ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني ، ألا وإني لست بنبي ولا يوحى إلي ، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما استطعت ، فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم . لفظ عبد الله بن أحمد .

قال يعقوب بن سفيان : ثنا يحيى بن عبد الحميد ، ثنا علي بن مسهر ، عن الأعمش ، عن موسى بن طريف ، عن عباية ، عن علي قال : أنا قسيم النار ، إذا كان يوم القيامة قلت : هذا لك وهذا لي . قال يعقوب : وموسى بن طريف ضعيف يحتاج إلى من يعدله ، وعباية أقل منه ، ليس حديثه بشيء . وذكر أن أبا معاوية لام الأعمش على تحديثه بهذا الحديث ، فقال له الأعمش : إذا نسيت فذكروني . ويقال : إن الأعمش إنما رواه على سبيل الاستهزاء بالروافض والتنقيص لهم في تصديقهم ذلك .

قلت : وما يتوهمه بعض العوام - بل هو مشهور بين كثير منهم - أن عليا هو الساقي على الحوض ، فليس له أصل ، ولم يجئ من طريق مرضي يعتمد عليه ، والذي ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يسقي الناس . وهكذا الحديث الوارد في أنه ليس أحد يأتي يوم القيامة راكبا إلا أربعة ; رسول الله صلى الله عليه وسلم على البراق ، وصالح على ناقته ، وحمزة على العضباء ، وعلي على ناقة من نوق الجنة رافعا صوته بالتهليل . ولا يصح شيء من هذه الوجوه ألبتة ، وهو من وضع [ ص: 89 ] الرافضة .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثني يحيى ، عن شعبة ، ثنا عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن علي قال : مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وجع ، وأنا أقول : اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني ، وإن كان آجلا فارفعني ، وإن كان بلاء فصبرني . قال : " ما قلت ؟ " فأعدت عليه ، فضربني برجله وقال : " ما قلت ؟ " فأعدت عليه ، فقال : " اللهم عافه " أو : " اشفه " . قال : فما اشتكيت ذلك الوجع بعد . حديث آخر : قال محمد بن مسلم بن وارة : ثنا عبيد الله بن موسى ، ثنا أبو عمر الأزدي ، عن أبي راشد الحبراني ، عن أبي الحمراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى يحيى بن زكريا في زهده ، وإلى موسى في بطشه ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب " . وهذا حديث منكر جدا ، ولا يصح إسناده .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث