الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث الصدقة بالخاتم وهو راكع

حديث الصدقة بالخاتم وهو راكع : قال الطبراني : ثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلم الرازي ، ثنا محمد بن يحيى بن ضريس العبدي ، ثنا عيسى بن عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب ، حدثني أبي عن أبيه ، عن جده ، عن علي قال : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون [ المائدة : 55 ] . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد والناس يصلون بين راكع وقائم ، وإذا سائل ، فقال : " يا سائل ، هل أعطاك أحد شيئا ؟ " فقال : لا ، إلا هاذاك الراكع - لعلي - أعطاني خاتمه .

وقال الحافظ بن عساكر : أنا خالي أبو المعالي القاضي ، أنا أبو الحسن الخلعي ، أنا أبو العباس أحمد بن محمد الشاهد ، ثنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث الرملي ، ثنا القاضي جملة بن محمد ، ثنا أبو سعيد الأشج ، ثنا أبو نعيم الأحول ، عن موسى بن قيس ، عن سلمة قال : تصدق علي بخاتمه وهو راكع ، فنزلت : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . [ ص: 94 ] وهذا لا يصح بوجه من الوجوه ; لضعف أسانيده ، ولم ينزل في علي شيء من القرآن بخصوصيته ، وكل ما يوردونه في قوله تعالى إنما أنت منذر ولكل قوم هاد [ الرعد : 7 ] . وقوله ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا [ الإنسان : 8 ] . وقوله أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر [ التوبة : 19 ] . وغير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة في أنها نزلت في علي لا يصح شيء منها .

وأما قوله تعالى هذان خصمان اختصموا في ربهم [ الحج : 19 ] . فثبت في " الصحيح " أنها نزلت في علي وحمزة وعبيدة من المؤمنين ، وفي عتبة وشيبة والوليد بن عتبة من الكافرين .

وما روي عن ابن عباس أنه قال : ما نزل في أحد من الناس ما نزل في علي وفي رواية عنه أنه قال : نزل فيه ثلاثمائة آية . فلا يصح ذلك عنه لا هذا ولا هذا . ولا يصح أيضا ما قالوا فيه أنه قال : ما نزلت آية فيها يا أيها الذين آمنوا إلا وعلي بن أبي طالب رأسها . كل ذلك لا يصح ، وإنما هذا من غلو الرافضة . [ ص: 95 ]

حديث آخر : قال أبو سعيد بن الأعرابي : ثنا محمد بن زكريا الغلابي ، ثنا العباس بن بكار أبو الوليد ، ثنا عبد الله بن المثنى الأنصاري ، عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس ، عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد وقد أطاف به أصحابه ، إذ أقبل علي فسلم ، ثم وقف ينظر مكانا يجلس فيه ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وجوه أصحابه أيهم يوسع له ، وكان أبو بكر عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ، فتزحزح أبو بكر عن مجلسه وقال : هاهنا يا أبا الحسن . فجلس بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر ، فرأينا السرور في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أقبل على أبي بكر فقال : " يا أبا بكر ، إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل " . فأما الحديث الوارد عن علي وحذيفة مرفوعا : " علي خير البشر ، من أبى فقد كفر " . فهو موضوع من الطريقين معا . قبح الله من وضعه واختلقه .

حديث آخر : قال أبو عيسى الترمذي : ثنا إسماعيل بن موسى ، ثنا محمد بن عمر بن الرومي ، ثنا شريك ، عن سلمة بن كهيل ، عن سويد بن غفلة ، عن الصنابحي ، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا دار الحكمة وعلي بابها " . ثم قال : هذا الحديث غريب . قال : وروى بعضهم هذا الحديث عن ابن عباس .

[ ص: 96 ] قلت : رواه سويد بن سعيد ، عن شريك ، عن سلمة ، عن الصنابحي ، عن علي مرفوعا : " أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت باب المدينة " .

وأما حديث ابن عباس ، فرواه ابن عدي من طريق أحمد بن سلمة أبي عمرو الجرجاني ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأتها من قبل بابها " . ثم قال ابن عدي : وهذا الحديث يعرف بأبي الصلت الهروي عن أبي معاوية ، سرقه منه أحمد بن سلمة هذا ، ومعه جماعة من الضعفاء . هكذا قال ، رحمه الله ، وقد روى أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز ، عن ابن معين أنه قال : أخبرني ابن أيمن ، أن أبا معاوية حدث بهذا الحديث قديما ، ثم كف عنه . قال : وكان أبو الصلت رجلا موسرا يكرم المشايخ ويحدثونه بهذه الأحاديث . وساقه ابن عساكر بإسناد مظلم عن جعفر الصادق عن أبيه ، عن جده ، عن جابر بن عبد الله ، فذكره مرفوعا ، ومن طريق أخرى عن جابر . قال ابن عدي : وهو موضوع أيضا . وقال أبو الفتح الأزدي : لا يصح في هذا الباب شيء . [ ص: 97 ]

حديث آخر يقرب مما قبله : قال ابن عدي : ثنا أحمد بن حمدون النيسابوري ، ثنا ابن بنت أبي أسامة - هو جعفر بن هذيل - ثنا ضرار بن صرد ، ثنا يحيى بن عيسى الرملي ، عن الأعمش ، عن عباية ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " علي عيبة علمي " .

حديث آخر في معنى ما تقدم : قال ابن عدي : ثنا أبو يعلى ، ثنا كامل بن طلحة ، ثنا ابن لهيعة ، ثنا حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه : " ادعوا لي أخي " . فدعوا له أبا بكر ، فأعرض عنه ، ثم قال : " ادعوا لي أخي " . فدعوا له عمر ، فأعرض عنه ، ثم قال : " ادعوا لي أخي " . فدعوا له عثمان ، فأعرض عنه ، ثم قال : " ادعوا لي أخي " . فدعي له علي بن أبي طالب فستره بثوب وأكب عليه ، فلما خرج من عنده قيل له : ما قال لك ؟ قال : علمني ألف باب ، يفتح كل باب إلى ألف باب . قال ابن عدي : هذا حديث منكر ، ولعل البلاء فيه من ابن لهيعة ، فإنه شديد الإفراط في التشيع وقد تكلم فيه الأئمة ونسبوه إلى الضعف . والله أعلم .

حديث آخر : قال ابن عساكر : أنبأنا أبو علي المقرئ ، أنا أبو نعيم [ ص: 98 ] الحافظ ، أنا أبو أحمد الغطريفي ، ثنا أبو الحسين بن أبي مقاتل ، ثنا محمد بن عبيد بن عتبة ، ثنا محمد بن علي الوهبي الكوفي ، ثنا أحمد بن عمران بن سلمة - وكان ثقة عدلا مرضيا - ثنا سفيان الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فسئل عن علي ، فقال : " قسمت الحكمة عشرة أجزاء ، أعطي علي تسعة والناس جزءا واحدا " وسكت الحافظ ابن عساكر على هذا الحديث ولم ينبه على أمره ، وهو منكر بل موضوع ، مركب على سفيان الثوري بإسناده ، قبح الله واضعه ومن افتراه واختلقه .

حديث آخر : قال أبو يعلى : ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن علي قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأنا حديث السن ، ليس لي علم بالقضاء . قال : فضرب في صدري وقال : " إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك " . قال : فما شككت في قضاء بين اثنين بعد .

وقد ثبت عن عمر أنه كان يقول : علي أقضانا ، وأبي أقرؤنا للقرآن . وكان عمر يقول : أعوذ بالله من معضلة ولا أبو حسن لها .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن أم موسى ، عن أم سلمة قالت : والذي أحلف به إن كان علي بن أبي طالب لأقرب الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ; عدنا رسول الله [ ص: 99 ] صلى الله عليه وسلم غداة بعد غداة يقول : " جاء علي ؟ " مرارا ، وأظنه كان بعثه في حاجة . قالت : فجاء بعد ، فظننت أن له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب ، فكنت من أدناهم إلى الباب ، فأكب عليه علي ، فجعل يساره ويناجيه ، ثم قبض من يومه ذلك ، فكان أقرب الناس به عهدا . وهكذا رواه عبد الله بن أحمد وأبو يعلى ، عن أبي بكر بن أبي شيبة به .

حديث آخر في معناه : قال أبو يعلى : ثنا عبد الرحمن بن صالح ، ثنا أبو بكر بن عياش ، عن صدقة بن سعيد ، عن جميع بن عمير أن أمه وخالته دخلتا على عائشة فقالتا : يا أم المؤمنين ، أخبرينا عن علي . قالت : أي شيء تسألن ؟ عن رجل وضع يده من رسول الله صلى الله عليه وسلم موضعا ، فسالت نفسه في يده فمسح بها وجهه ، واختلفوا في دفنه فقال : إن أحب الأماكن إلى الله مكان قبض فيه نبيه صلى الله عليه وسلم . قالتا : فلم خرجت عليه ؟ قالت : أمر قضي ، لوددت أني أفديه بما على الأرض وهذا منكر جدا ، وفي " الصحيح " ما يرد هذا . والله أعلم .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : ثنا أسود بن عامر ، حدثني عبد الحميد بن أبي جعفر - يعني الفراء - عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن يثيع ، عن علي قال : قيل : يا رسول الله ، من نؤمر بعدك ؟ قال : " إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة ، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم ، وإن تؤمروا عليا ، ولا أراكم فاعلين ، تجدوه [ ص: 100 ] هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم " . وقد روي هذا الحديث من طريق عبد الرزاق ، عن النعمان بن أبي شيبة ، وعن يحيى بن العلاء ، عن الثوري عن أبي إسحاق ، عن زيد بن يثيع ، عن حذيفة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . ورواه أبو الصلت الهروي عبد السلام بن صالح ، عن ابن نمير ، عن الثوري ، عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن يثيع ، عن حذيفة به .

وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري : أنا أبو عبد الله محمد بن علي الآدمي بمكة ، ثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني ، أنا عبد الرزاق بن همام ، عن أبيه ، عن ميناء ، عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن . قال : فتنفس فقلت : ما شأنك يا رسول الله ؟ قال : " نعيت إلي نفسي " . قلت : فاستخلف . قال : " من ؟ " قلت : أبا بكر . قال : فسكت ، ثم مضى ساعة ، ثم تنفس فقلت : ما شأنك يا رسول الله ؟ قال : " نعيت إلي نفسي " . يا ابن مسعود " . قلت : فاستخلف . قال : " من ؟ " قلت : عمر . قال : فسكت ، ثم مضى ساعة ، ثم تنفس فقلت : ما شأنك ؟ قال : " نعيت إلي نفسي " . يا ابن مسعود " . قلت : فاستخلف . قال : " من ؟ " قلت علي بن أبي طالب قال : " أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين " . قال ابن عساكر : همام وميناء مجهولان . [ ص: 101 ]

حديث آخر : قال أبو يعلى ثنا أبو موسى - يعني محمد بن المثنى - ثنا سهل بن حماد أبو عتاب الدلال ، ثنا مختار بن نافع التيمي ، ثنا أبو حيان التيمي ، عن أبيه ، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله أبا بكر ، زوجني ابنته ، وحملني إلى دار الهجرة ، وأعتق بلالا من ماله ، رحم الله عمر ، يقول الحق وإن كان مرا ، تركه الحق وما له من صديق ، رحم الله عثمان ، تستحيه الملائكة ، رحم الله عليا ، اللهم أدر الحق معه حيث دار " . وقد ورد عن أبي سعيد وأم سلمة أن الحق مع علي ، رضي الله عنه ، وفي كل منهما نظر . والله أعلم .

حديث آخر ، قال أبو يعلى : ثنا عثمان ، ثنا جرير عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء ، عن أبيه ، عن أبي سعيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " . فقال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله ؟ قال : " لا " . فقال عمر : أنا هو يا رسول الله ؟ قال : " لا ، ولكنه خاصف النعل " . وكان قد أعطى عليا نعله يخصفه . ورواه البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش به . ورواه الإمام أحمد ، عن وكيع وحسين بن محمد ، عن فطر بن خليفة ، عن إسماعيل بن رجاء به . ورواه البيهقي أيضا ، من [ ص: 102 ] حديث أبي نعيم ، عن فطر بن خليفة ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن أبيه ، عن أبي سعيد به . ورواه فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد . وروي من حديث علي نفسه . وقد قدمنا هذا الحديث في موضعه في قتال علي أهل البغي والخوارج . ولله الحمد . وقدمنا أيضا حديث علي للزبير : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لك إنك تقاتلني وأنت ظالم . فرجع الزبير ، وذلك يوم الجمل ، ثم قتل بعد مرجعه في وادي السباع . وقدمنا صبره وصرامته وشجاعته في يومي الجمل وصفين ، وبسالته وفضله في يوم النهروان ، وما ورد في فضل طائفته الذين قتلوا الخوارج ، من الأحاديث ، وذكرنا الحديث الوارد من غير طريق ، عن علي وأبي سعيد وأبي أيوب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بقتال المارقين والقاسطين والناكثين ، وفسروا الناكثين بأصحاب الجمل ، والقاسطين بأهل الشام ، والمارقين بالخوارج والحديث ضعيف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث