الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 131 ]

خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهما

قد ذكرنا أن عليا ، رضي الله عنه لما ضربه ابن ملجم قالوا له : استخلف يا أمير المؤمنين . فقال : لا ، ولكن أدعكم كما ترككم رسول الله صلى الله عنه وسلم - يعني بغير استخلاف - فإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خيركم ، كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما توفي وصلى عليه ابنه الحسن ، لأنه أكبر بنيه ، رضي الله عنهم ، ودفن كما ذكرنا بدار الإمارة بالكوفة ، على الصحيح من أقوال الناس ، فلما فرغ من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن علي ، رضي الله عنه ، قيس بن سعد بن عبادة ، فقال له : ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه . فسكت الحسن ، فبايعه ثم بايعه الناس بعده ، وكان ذلك يوم مات علي ، وكان موته يوم ضرب ، على قول ، وهو يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين ، وقيل : إنما مات بعد الطعنة بيومين . وقيل : مات في العشر الأخير من رمضان ، ومن يومئذ ولي الحسن ابنه .

وكان قيس بن سعد على إمرة أذربيجان تحت يده أربعون ألف مقاتل قد بايعوا عليا على الموت ، فلما مات علي ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير لقتال أهل الشام فعزل قيسا عن إمرة أذربيجان ، وولى عبيد الله بن عباس عليها ، ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدا ، ولكن غلبوه على رأيه ، [ ص: 132 ] فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يسمع بمثله ، فأمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثني عشر ألفا بين يديه ، وسار هو بالجيوش في إثره قاصدا بلاد الشام ليقاتل معاوية وأهل الشام فلما اجتاز بالمدائن نزلها وقدم المقدمة بين يديه ، فبينما هو في المدائن معسكر بظاهرها ، إذ صرخ في الناس صارخ : ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل . فثار الناس فانتهب بعضهم بعضا ، حتى انتهبوا سرادق الحسن . حتى نازعوه بساطا كان جالسا عليه ، وطعنه بعضهم حين ركب طعنة أشوته ، فكرههم الحسن كراهية شديدة ، ثم ركب فدخل القصر الأبيض من المدائن فنزله وهو جريح ، وكان عامله على المدائن سعد بن مسعود الثقفي ، أخو أبي عبيد صاحب يوم الجسر ، فلما استقر الحسن بالقصر قال المختار بن أبى عبيد ، قبحه الله ، لعمه سعد بن مسعود : هل لك في الشرف والغنى ؟ قال : وما ذا ؟ قال : تأخذ الحسن بن علي فتقيده وتبعث به إلى معاوية . فقال له عمه : قبحك الله وقبح ما جئت به ! أأغدر بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ !

ولما رأى الحسن بن علي تفرق جيشه عليه مقتهم ، وكتب عند ذلك إلى معاوية - وكان قد ركب في أهل الشام فنزل مسكن - يراوضه على الصلح بينهما فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة ، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما أراد من الأموال ، فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف درهم ، وأن يكون خراج دارابجرد له ، وأن لا يسب [ ص: 133 ] علي وهو يسمع ، فإذا فعل ذلك نزل عن الإمرة لمعاوية ، ويحقن الدماء بين المسلمين . فاصطلحوا على ذلك واجتمعت الكلمة على معاوية ، على ما سيأتي بيانه وتفصيله ، وقد لام الحسين أخاه الحسن على هذا الرأي ، فلم يقبل منه ، والصواب مع الحسن ، رضي الله عنه ، كما سنذكر دليله قريبا .

ثم بعث الحسن بن علي إلى أمير المقدمة قيس بن سعد أن يسمع ويطيع لمعاوية ، فأبى قيس من قبول ذلك ، وخرج عن طاعتهما جميعا ، واعتزل بمن أطاعه ، ثم راجع الأمر فبايع معاوية بعد أيام قريبة ، كما سنذكره . ثم المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين ، ولهذا يقال له : عام الجماعة . لاجتماع الكلمة فيه على معاوية ، والمشهور عند ابن جرير وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين كما سنذكره ، إن شاء الله . وحج بالناس في هذه السنة - أعني سنة أربعين - المغيرة بن شعبة .

وزعم ابن جرير فيما رواه عن إسماعيل بن راشد ، أن المغيرة بن شعبة افتعل كتابا على لسان معاوية أنه قد ولاه إمرة الحج عامئذ ، وبادر إلى ذلك عتبة بن أبي سفيان ، وكان معه كتاب من أخيه معاوية بإمرة الحج ، فتعجل المغيرة فوقف بالناس يوم الثامن ليسبق عتبة إلى الإمرة . وهذا الذي نقله ابن جرير لا يقبل ، ولا يظن بالمغيرة ، رضي الله عنه ، ذلك ، وإنما نبهنا على ذلك ليعلم أنه باطل . والله أعلم . فإن الصحابة أجل قدرا من هذا ، ولكن هذه نزعة شيعية .

[ ص: 134 ] قال ابن جرير : وفي هذه السنة بويع لمعاوية بإيلياء . يعني لما مات علي قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين ; لأنه لم يبق له عندهم منازع ، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي رضي الله عنه ، ليمانعوا به أهل الشام ، فلم يتم لهم ما أرادوه وما حاولوه ، وإنما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم السيئ وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم ، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من مبايعتهم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسيد المسلمين ، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوى آرائهم . والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طرق عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا " . وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي ، رضي الله عنه ، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وهذا من أكبر دلائل النبوة ، وقد مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صنيعه هذا ، وهو تركه الدنيا الفانية ، ورغبته في الآخرة الباقية ، وحقنه دماء هذه الأمة ، فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية ، حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد ، وهذا المدح قد ذكرناه فيما تقدم وسنورده في حديث أبي بكرة الثقفي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر يوما ، وجلس الحسن بن علي إلى جانبه ، فجعل ينظر إلى الناس مرة وإليه أخرى ، ثم قال : " أيها الناس ، إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " رواه البخاري .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث