الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صفة مخرج الحسين وما جرى له بعد ذلك

[ ص: 494 ]

صفة مخرج الحسين وما جرى له بعد ذلك

لما تواترت الكتب إلى الحسين من جهة أهل العراق وتكررت الرسل بينهم وبينه ، وجاءه كتاب مسلم بن عقيل بالقدوم عليه بأهله ، ثم وقع في غبون ذلك ما وقع من مقتل مسلم بن عقيل والحسين لا يعلم بشيء من ذلك ، بل قد عزم على المسير إليهم والقدوم عليهم ، فاتفق خروجه من مكة يوم التروية قبل مقتل مسلم بن عقيل بيوم واحد - فإن مسلما قتل يوم عرفة - ولما استشعر الناس خروجه أشفقوا عليه من ذلك ، وحذروه منه ، وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق ، وأمروه بالمقام بمكة ، وذكروه ما جرى لأبيه وأخيه معهم .

قال سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : استشارني الحسين بن علي في الخروج فقلت : لولا أن يزرى بي وبك لشبثت يدي في رأسك . فكان الذي رد علي أن قال : لأن أقتل في [ ص: 495 ] مكان كذا وكذا أحب إلي من أن أقتل بمكة . قال : فكان هذا الذي سلا نفسي عنه .

وروى أبو مخنف ، عن الحارث بن كعب الوالبي ، عن عقبة بن سمعان ، أن حسينا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال : يا ابن عم ، إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق ، فبين لي ما أنت صانع . فقال : إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين ، إن شاء الله تعالى . فقال له ابن عباس : أخبرني إن كان قد دعوك بعد ما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم ، فسر إليهم ، وإن كان أميرهم عليهم قاهرا لهم ، وعماله تجبي بلادهم ، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال ، ولا آمن عليك أن يستنفروا إليك الناس ، فيكون الذين دعوك أشد الناس عليك . فقال الحسين : إني أستخير الله وأنظر ما يكون . فخرج ابن عباس من عنده ، ودخل ابن الزبير ، فقال له : ما أدري ما تركنا لهؤلاء القوم ، ونحن أبناء المهاجرين ، وولاة هذا الأمر دونهم ، أخبرني ما تريد أن تصنع . فقال الحسين : والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة ، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشراف أهلها ، وأستخير الله . فقال ابن الزبير : أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها . فلما خرج من عنده قال الحسين : قد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء ، وأن الناس لم يعدلوه بي ، [ ص: 496 ] فود أني خرجت لتخلو له . فلما كان من العشي أو من الغد جاء ابن عباس إلى الحسين فقال له : يا ابن عم ، إني أتصبر ولا أصبر ، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك ، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم ، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ، ثم اقدم عليهم ، وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصونا وشعابا ، ولأبيك به شيعة ، وكن عن الناس في معزل ، واكتب إليهم ، وبث دعاتك فيهم ، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب . فقال الحسين : يا ابن عم ، والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق ، ولكني قد أزمعت المسير . فقال له : فإن كنت ولا بد سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك ، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه . ثم قال ابن عباس : أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه بالحجاز ، والله الذي لا إله إلا هو ، لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني وأقمت ، لفعلت ذلك . قال : ثم خرج من عنده فلقي ابن الزبير فقال : قرت عينك يا ابن الزبير . ثم قال :


يا لك من قنبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي واصفري     ونقري ما شئت أن تنقري

[ ص: 497 ] ثم قال ابن عباس : هذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز .

وقال غير واحد ، عن شبابة بن سوار قال : حدثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال : سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر ، أنه كان بماء له ، فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق ، فلحقه على مسيرة ثلاث ليال ، فقال له : أين تريد ؟ فقال له : العراق . وإذا معه طوامير وكتب . فقال : هذه كتبهم وبيعتهم . فقال : لا تأتهم . فأبى ، فقال ابن عمر : إني محدثك حديثا ; إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة ، ولم يرد الدنيا ، وإنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لا يليها أحد منكم أبدا ، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم . فأبى أن يرجع . قال : فاعتنقه ابن عمر ، وبكى وقال : أستودعك الله من قتيل .

وقال يحيى بن معين : حدثنا أبو عبيدة ، ثنا سليم بن حيان ، عن سعيد بن مينا قال : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : عجل حسين قدره ، عجل حسين قدره ، والله لو أدركته ما كان ليخرج إلا أن يغلبني ; ببني هاشم فتح ، [ ص: 498 ] وببني هاشم ختم ، فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان . قلت : وهذا مع حديث ابن عمر يدل على أن الفاطميين أدعياء ، لم يكونوا من سلالة فاطمة ، كما زعموا ، وإنما كانوا كذبة فيما ادعوه ، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة ، على ما سنذكره في موضعه ، إن شاء الله .

وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا أبو بكر الحميدي ، ثنا سفيان ، ثنا عبد الله بن شريك ، عن بشر بن غالب قال : قال ابن الزبير للحسين : أين تذهب ؟ ! إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك ؟ فقال : لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي . يعني مكة .

وقال الزبير بن بكار : حدثني عمي مصعب بن عبد الله ، أخبرني من سمع هشام بن يوسف يقول ، عن معمر قال : سمعت رجلا يحدث عن الحسين بن علي قال : سمعته يقول لعبد الله بن الزبير : أتتني بيعة أربعين ألفا يحلفون بالطلاق والعتاق من أهل الكوفة أو من أهل العراق . فقال له ابن الزبير : أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك ؟ قال هشام : فسألت معمرا عن [ ص: 499 ] الرجل فقال : هو ثقة . قال الزبير : وقال عمي : وزعم بعض الناس أن ابن عباس هو الذي قال هذا .

وقد ساق محمد بن سعد كاتب الواقدي هذا سياقا حسنا مبسوطا ، فقال : أخبرنا علي بن محمد ، عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر ، عن أبيه ، وعن لوط بن يحيى الغامدي ، عن محمد بن نشر الهمداني وغيره ، وعن محمد بن الحجاج ، عن عبد الملك بن عمير ، وعن هارون بن عيسى ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن مجالد ، عن الشعبي . قال محمد بن سعد : وغير هؤلاء قد حدثني أيضا في هذا الحديث بطائفة ، فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين ، رضي الله عنه وأرضاه ، قالوا : لما بايع الناس معاوية ليزيد كان الحسين ممن لم يبايع له ، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية ، كل ذلك يأبى ، فقدم منهم قوم إلى محمد ابن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم ، فأبى وجاء إلى الحسين فأخبره بما عرضوا عليه وقال : إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا ، ويشيطوا دماءنا . فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم ، مرة [ ص: 500 ] يريد أن يسير إليهم ، ومرة يجمع الإقامة . فجاءه أبو سعيد الخدري فقال : يا أبا عبد الله ، إني لكم ناصح ، وإني عليكم مشفق ، وقد بلغني أنه كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم ، فلا تخرج ، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة : والله لقد مللتهم وأبغضتهم ، وملوني وأبغضوني ، وما بلوت منهم وفاء ، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب ، والله ما لهم ثبات ولا عزم على أمر ، ولا صبر على السيف . قال : وقدم المسيب بن نجبة الفزاري في عدة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن ، فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا : قد علمنا رأيك ورأي أخيك . فقال : إني لأرجو أن يعطي الله أخي على نيته في حبه الكف ، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين . وكتب مروان إلى معاوية : إني لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة ، وأظن يومكم من حسين طويلا . فكتب معاوية إلى الحسين : إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء ، وقد أنبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق ، وأهل العراق من قد جربت ; قد أفسدوا على أبيك وأخيك ، فاتق الله واذكر الميثاق ; فإنك متى تكدني أكدك . فكتب إليه الحسين : أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جدير ، والحسنات لا يهدي لها إلا الله ، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافا ، وما أظن لي عند الله عذرا في ترك جهادك ، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة . فقال معاوية : إن أثرنا بأبي عبد الله إلا أسدا . وكتب [ ص: 501 ] إليه معاوية أيضا في بعض ما بلغه عنه : إني لأظن أن في رأسك نزوة ، فوددت أني أدركها فأغفرها لك . قالوا : فلما حضر معاوية دعا يزيد فأوصاه بما أوصاه به ، وقال له : انظر حسين بن علي ، ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه أحب الناس إلى الناس ، فصل رحمه ، وارفق به ، يصلح لك أمره ، فإن يكن منه شيء فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه . وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين ، وبايع الناس يزيد ، فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري - عامر بن لؤي - إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة ; أن ادع الناس فبايعهم ، وابدأ بوجوه قريش ، وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي ، فإن أمير المؤمنين عهد إلي في أمره الرفق به واستصلاحه . فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير ، فأخبرهما بوفاة معاوية ، ودعاهما إلى البيعة ليزيد ، فقالا : نصبح وننظر ما يصنع الناس . ووثب الحسين ، فخرج وخرج معه ابن الزبير وهو يقول : هو يزيد الذي نعرف ، والله ما حدث له حزم ولا مروءة . وقد كان الوليد أغلظ للحسين ، فشتمه الحسين ، وأخذ بعمامته ، ونزعها من رأسه ، فقال الوليد : إن هجنا بأبي عبد الله إلا أسدا . فقال له مروان أو بعض جلسائه : اقتله . فقال : إن ذلك لدم مضنون به في بني عبد مناف . قالوا : وخرج الحسين وابن الزبير من ليلتهما إلى مكة ، وأصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد ، وطلب الحسين وابن [ ص: 502 ] الزبير ، فلم يوجدا ، فقال المسور بن مخرمة : عجل الحسين ، وابن الزبير يلفته ويزجيه إلى العراق ليخلو بمكة . فقدما مكة ، فنزل الحسين دار العباس ، ولزم ابن الزبير الحجر ، ولبس المعافري ، وجعل يحرض الناس على بني أمية ، وكان يغدو ويروح إلى الحسين ، ويشير عليه أن يقدم العراق ، ويقول : هم شيعتك وشيعة أبيك . فكان عبد الله بن عباس ينهاه عن ذلك ويقول : لا تفعل . وقال له عبد الله بن مطيع : إني فداؤك وأبي وأمي ، فأمتعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق ، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيدا وخولا . قالوا : ولقيهما عبد الله بن عمر وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بالأبواء منصرفين من العمرة ، فقال لهما ابن عمر : أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس ، وتنظرا ، فإن اجتمع الناس عليه لم تشذا ، وإن افترق عليه كان الذي تريدان . وقال ابن عمر للحسين : لا تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة ، وإنك بضعة منه ولا تنالها . يعني الدنيا ، واعتنقه وبكى وودعه ، فكان ابن عمر يقول : غلبنا حسين بن علي بالخروج ، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة ، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهما ما كان ينبغي له ألا يتحرك ما عاش ، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس ، فإن الجماعة خير . وقال له ابن عباس : أين تريد يا ابن فاطمة ؟ فقال : العراق وشيعتي . فقال : إني لكره لوجهك هذا ; تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك [ ص: 503 ] حتى تركهم سخطة وملالة لهم ؟ ! أذكرك الله أن تغرر بنفسك . وقال أبو سعيد الخدري : غلبني الحسين بن علي على الخروج ، وقد قلت له : اتق الله في نفسك والزم بيتك ، ولا تخرج على إمامك . وقال أبو واقد الليثي : بلغني خروج الحسين بن علي ، فأدركته بملل ، فناشدته الله أن لا يخرج ، فإنه يخرج في غير وجه خروج ، إنما خرج يقتل نفسه . فقال : لا أرجع . وقال جابر بن عبد الله : كلمت حسينا فقلت : اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض ، فوالله ما حمدتم ما صنعتم . فعصاني . وقال سعيد بن المسيب لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له . وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : قد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم ، ولكن شجعه على ذلك ابن الزبير . وكتب إليه المسور بن مخرمة إياك أن تغتر بكتب أهل العراق وبقول ابن الزبير : الحق بهم فإنهم ناصروك . إياك أن تبرح الحرم ، فإنهم إن كانت لهم بك حاجة فسيضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة . فجزاه خيرا وقال : أستخير الله في ذلك . وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع ، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة ، وتخبره أنه إنما يساق إلى مصرعه ، وتقول : أشهد لسمعت عائشة تقول إنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يقتل الحسين بأرض بابل " . فلما قرأ كتابها قال : فلا بد لي إذا من مصرعي . ومضى . وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن [ ص: 504 ] هشام فقال : يا ابن عم ، إن الرحم تظأرني عليك ، وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك ؟ قال : يا أبا بكر ، ما أنت ممن يستغش ولا يتهم ، فقل . قال : قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك ، وأنت تريد أن تسير إليهم ، وهم عبيد الدنيا ، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك ، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره ، فأذكرك الله في نفسك . فقال : جزاك الله يا ابن عم خيرا ، ومهما يقض الله من أمر يكن . فقال أبو بكر : إنا لله ، عند الله نحتسب أبا عبد الله . وكتب إليه عبد الله بن جعفر كتابا يحذره أهل الكوفة ويناشده الله أن يشخص إليهم ، فكتب إليه الحسين : إني رأيت رؤيا ، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني بأمر ، وأنا ماض له ، ولست بمخبر بها أحدا حتى ألاقي عملي . وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص نائب الحرمين : إني أسأل الله أن يلهمك رشدك ، وأن يصرفك عما يرديك ، بلغني أنك قد عزمت على الشخوص إلى العراق ، وإني أعيذك بالله من الشقاق ، فإن كنت خائفا فأقبل إلي ، فلك عندي الأمان والبر والصلة . فكتب إليهالحسين : إن كنت أردت بكتابك بري وصلتي فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة ، وإنه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا ، وقال : إنني من المسلمين . وخير الأمان أمان الله ، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا ، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمان الآخرة عنده

وقالوا : وكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عباس يخبره بخروج الحسين [ ص: 505 ] إلى مكة ويحسبه قد جاءه رجال من أهل هذا المشرق فمنوه الخلافة ، وعندك منهم خبرة وتجربة ، فإن كان فعل فقد قطع واشج القرابة ، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه ، فاكففه عن السعي في الفرقة ، وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكة والمدينة من قريش :


يا أيها الراكب الغادي لطيته     على عذافرة في سيرها قحم
أبلغ قريشا على نأي المزار بها     بيني وبين حسين الله والرحم
وموقف بفناء البيت أنشده     عهد الإله وما توفى به الذمم
عنيتم قومكم فخرا بأمكم     أم لعمري حصان برة كرم
هي التي لا يداني فضلها أحد     بنت الرسول وخير الناس قد علموا
وفضلها لكم فضل وغيركم     من قومكم لهم في فضلها قسم
إني لأعلم أو ظنا كعالمه     والظن يصدق أحيانا فينتظم
أن سوف يترككم ما تدعون بها     قتلى تهاداكم العقبان والرخم
يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ سكنت     وأمسكوا بحبال السلم واعتصموا
قد غرت الحرب من قد كان قبلكم     من القرون وقد بادت بها الأمم
[ ص: 506 ] فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخا     فرب ذي بذخ زلت به القدم

قال : فكتب إليه ابن عباس : إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه ، ولست أدع النصيحة له في كل ما يجمع الله به الألفة وتطفى به النائرة . ودخل عبد الله بن عباس على الحسين ، فكلمه ليلا طويلا ، وقال له : أنشدك الله أن تهلك غدا بحال مضيعة ، لا تأت العراق ، وإن كنت لا بد فاعلا فأقم حتى ينقضي الموسم ، وتلقى الناس وتعلم ما يصدرون ، ثم ترى رأيك . وذلك في عشر ذي الحجة . فأبى الحسين إلا أن يمضي إلى العراق ، فقال له ابن عباس : والله إني لأظنك ستقتل غدا بين نسائك وبناتك ، كما قتل عثمان بين نسائه وبناته ، والله إني لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فقال : أبا العباس ، إنك شيخ قد كبرت . فقال ابن عباس : لولا أن يزري ذلك بي أو بك لنشبت يدي في رأسك ، ولو أعلم أنا إذا تناصينا أقمت لفعلت ، ولكن لا إخال ذلك نافعي . فقال له الحسين : لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي . يعني مكة ، قال : فبكى ابن عباس ، وقال : أقررت عين ابن الزبير بذلك ، وذلك الذي سلا نفسي عنه . قال : ثم خرج عبد الله بن عباس عنه وهو مغضب ، وابن الزبير على الباب ، فلما رآه قال : يا ابن الزبير ، قد أتى ما أحببت ، قرت عينك ، هذا أبو عبد الله يخرج [ ص: 507 ] ويتركك والحجاز . ثم قال :


يا لك من قنبرة بمعمر     خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري

قال : وبعث الحسين إلى المدينة فقدم عليه من خف معه من بني عبد المطلب ، وهم تسعة عشر رجلا ونساء وصبيان من إخوانه وبناته ونسائهم ، وتبعهم محمد ابن الحنفية فأدرك حسينا بمكة ، فأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا ، فأبى الحسين أن يقبل ، فحبس محمد ابن الحنفية ولده ، فلم يبعث معه أحدا منهم حتى وجد الحسين في نفسه على محمد ، وقال : ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه ؟ فقال محمد : وما حاجتي أن تصاب ، ويصابون معك ؟ وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم . قالوا : وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم ، فخرج متوجها إلى العراق في أهل بيته وستين شيخا من أهل الكوفة وذلك يوم الاثنين في عشر ذي الحجة سنة ستين . فكتب مروان إلى عبيد الله بن زياد : أما بعد ، فإن الحسين بن علي قد توجه إليك ، وهو الحسين ابن فاطمة ، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين ، فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء ، ولا تنساه العامة ولا تدع ذكره ، والسلام . وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص : أما بعد فقد توجه إليك الحسين ، وفي مثلها تعتق أو تكون عبدا تسترق [ ص: 508 ] كما تسترق العبيد .

وقال الزبير بن بكار : حدثني محمد بن الضحاك ، عن أبيه قال : كتب يزيد إلى ابن زياد ، أنه قد بلغني أن حسينا قد سار إلى الكوفة وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان ، وبلدك من بين البلدان ، وابتليت به أنت من بين العمال ، وعندها تعتق أو تعود عبدا كما تعتبد العبيد . فقتله ابن زياد ، وبعث برأسه إليه .

قلت : والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام ، كما سيأتي . وفي رواية : أن يزيد كتب إلى ابن زياد : قد بلغني أن الحسين قد توجه نحو العراق . فضع المناظر والمسالح ، واحترس واحبس على الظنة وخذ على التهمة ، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك ، واكتب إلي في كل ما يحدث من خبر ، والسلام .

قال الزبير : وحدثني محمد بن الضحاك قال : خرج الحسين من مكة إلى العراق فلما مر بباب المسجد الحرام قال :

[ ص: 509 ]

لا ذعرت السوام في فلق الصب     ح مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى مخافة الموت ضيما     والمنايا ترصدنني أن أحيدا

وقال أبو مخنف : قال أبو جناب يحيى بن أبي حية ، عن عدي بن حرملة الأسدي ، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا : خرجنا حاجين من الكوفة حتى قدمنا مكة فدخلنا يوم التروية ، فإذا نحن بالحسين وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب ، فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين : إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الأمر ، فآزرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك . فقال الحسين : إن أبي حدثني أن لها كبشا يستحل حرمتها ، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش . فقال له ابن الزبير : فأقم إن شئت وولني أنا الأمر فتطاع ولا تعصى . فقال : وما أريد هذا أيضا . قالا : ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا ، فما زالا يتناجيان ، حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجهين إلى منى عند الظهيرة . قالا : فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة ، وقصر من شعره ، وحل من عمرته ، ثم توجه نحو الكوفة ، وتوجهنا نحن مع الناس إلى منى .

وقال أبو مخنف : حدثني الحارث بن كعب الوالبي ، عن عقبة بن سمعان قال : لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص - يعني نائب مكة - عليهم أخوه يحيى بن سعيد ، فقالوا له : انصرف ، أين تذهب ؟ [ ص: 510 ] فأبى عليهم ومضى ، وتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط ، ثم إن حسينا وأصحابه امتنعوا منهم امتناعا قويا ، ومضى الحسين على وجهه ، فناداه : يا حسين ، ألا تتقي الله ! تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الأمة ؟ ! قال : فتأول الحسين قوله تعالى : لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون [ يونس : 41 ] . قال : ثم إن الحسين مر بالتنعيم ، فلقي بها عيرا قد بعث بها بحير بن ريسان الحميري نائب اليمن ، قد أرسلها من اليمن إلى يزيد بن معاوية ، عليها ورس وحلل كثيرة ، فأخذها الحسين وانطلق بها ، واستأجر أصحاب الجمال عليها إلى الكوفة ودفع إليهم أجرتهم .

ثم ساق أبو مخنف بإسناده الأول أن الفرزدق لقي الحسين في الطريق ، فسلم عليه ، وقال له : أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب . فسأله الحسين عن أمر الناس وما وراءه ، فقال له : قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بني أمية ، والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل ما يشاء . فقال له : صدقت ، لله الأمر ، يفعل ما يشاء ، وكل يوم ربنا في شأن ، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه ، وهو المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء ، فلم يعتد من كان الحق نيته ، والتقوى سريرته ، ثم حرك الحسين راحلته ، فقال : السلام عليك . ثم افترقا .

وقال هشام بن الكلبي ، عن عوانة بن الحكم ، عن لبطة بن الفرزدق ، عن [ ص: 511 ] أبيه قال : حججت بأمي ، فبينما أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج ، وذلك سنة ستين ، إذ لقيت الحسين خارجا من مكة معه أسيافه وتراسه ، فقلت له : بأبي وأمي يا ابن رسول الله ، ما أعجلك عن الحج ؟ فقال : لو لم أعجل لأخذت . ثم سألني : ممن أنت ؟ فقلت : امرؤ من العراق . فسألني عن الناس . فذكر نحو ما تقدم .

ثم ذكر الفرزدق اجتماعه بعبد الله بن عمرو ، وقوله له : إن الحسين لا يحيك فيه السلاح . فندم الفرزدق أن لا يكون تابع الحسين ، فلما بلغه قتله ، جعل يتذكر قول عبد الله بن عمرو : لا يحيك فيه السلاح . ولم يفهم عنه ، إنما أراد أن السلاح لا يضره في آخرته . وكذا قال بعض السلف . ذكره ابن عساكر ، وفي هذا نظر . والله أعلم . وقيل غير ذلك ، وقيل : أراد الهزل بالفرزدق . قالوا : ثم سار الحسين لا يلوي على شيء حتى نزل ذات عرق .

قال أبو مخنف : فحدثني الحارث بن كعب الوالبي ، عن علي بن الحسين بن علي قال : لما خرجنا من مكة كتب عبد الله بن جعفر إلى الحسين مع ابنيه عون ومحمد : أما بعد ، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي هذا ، فإني مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ، إن هلكت اليوم طفئ نور الأرض ، فإنك علم المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسير ، فإني في إثر كتابي ، والسلام . ثم نهض عبد الله بن [ ص: 512 ] جعفر إلى عمرو بن سعيد نائب مكة ، فقال : اكتب إلى الحسين كتابا تجعل له فيه الأمان ، وتمنيه فيه البر والصلة ، وتوثق له في كتابك ، وتسأله الرجوع ; عله يطمئن إلى ذلك فيرجع . فقال له عمرو : اكتب عني ما شئت وأتني به حتى أختمه . فكتب عبد الله بن جعفر عن عمرو بن سعيد ما أراد ، ثم جاء بالكتاب إلى عمرو ، فختمه بخاتمه ، وقال له : ابعث معي أخاك . فبعث معه أخاه يحيى ، فانصرفا حتى لحقا الحسين ، فقرآ عليه الكتاب ، فأبى أن يرجع ، وقال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، وقد أمرني بأمر ، وأنا ماض له . فقالا : ما تلك الرؤيا ؟ فقال : ما حدثت بها أحدا ولا أحدثه حتى ألقى ربي ، عز وجل .

قال أبو مخنف : وحدثني محمد بن قيس أن الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن الرمة ، بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة ، وكتب معه إليهم : بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم ، واجتماع ملئكم على نصرنا ، والطلب بحقنا ، فنسأل الله أن يحسن لنا الصنيع ، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية ، فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدوا فإني قادم عليكم في أيامي هذه ، إن شاء الله تعالى ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

قال : وكان كتاب مسلم إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة ، ومضمونه : [ ص: 513 ] أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله ، وإن جميع أهل الكوفة معك ، فأقبل حين تقرأ كتابي هذا ، والسلام عليك . قال : وأقبل قيس بن مسهر الصيداوي إلى الكوفة بكتاب الحسين ، حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن نمير ، فبعث به إلى عبيد الله بن زياد ، فقال له ابن زياد : اصعد إلى أعلى القصر فسب الكذاب ابن الكذاب . فصعد فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ، ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا رسوله إليكم ، وقد فارقته بالحاجز من بطن الرمة ، فأجيبوه . ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه ، واستغفر لعلي والحسين . فأمر به ابن زياد ، فألقي من رأس القصر فتقطع ، ويقال : بل تكسرت عظامه وبقي فيه بقية رمق ، فقام إليه عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه ، وقال : إنما أردت إراحته من الألم . وقيل : إنه رجل يشبه عبد الملك بن عمير وليس به . وفي رواية أن الذي قدم بكتاب الحسين إنما هو عبد الله بن بقطر أخو الحسين من الرضاعة ، فألقي من أعلى القصر . والله أعلم . ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة ، ولا يعلم بشيء مما وقع من الأخبار .

قال أبو مخنف ، عن أبي علي الأنصاري ، عن بكر بن مصعب المزني قال : وكان الحسين لا يمر بماء من مياه العرب إلا اتبعوه .

قال أبو مخنف ، عن أبي جناب ، عن عدي بن حرملة ، عن عبد الله بن [ ص: 514 ] سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا : لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين - فذكرا أنهما اتبعاه - فأدركناه وقد مر برجل من بني أسد ، فهم الحسين أن يكلمه ويسأله فترك ذلك ، فجئنا ذلك الرجل فسألناه عن أخبار الناس ، فقال : والله لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق . قالا : فلحقنا الحسين فأخبرناه ، فجعل يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون . مرارا . فقلنا له : الله الله في نفسك . فقال : لا خير في العيش بعدهما . فقلنا : خار الله لك . وقال له بعض أصحابه : والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع . وقال غيرهما : لما سمع أصحاب الحسين بمقتل مسلم بن عقيل وثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب وقالوا : لا والله لا نرجع حتى ندرك ثأرنا ، أو نذوق ما ذاق أخونا . فسار الحسين حتى إذا كان بزرود بلغه خبر مقتل الذي بعثه بكتابه إلى أهل الكوفة بعد أن خرج من مكة ووصل إلى حاجر ، فقال : قد خذلتنا شيعتنا ، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج عليه ، وليس عليه منا ذمام . قال : فتفرق الناس عنه أيادي سبا يمينا وشمالا ، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة وإنما فعل ذلك ; لأنه ظن أن من اتبعه من الأعراب إنما اتبعوه لأنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهلها ، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون علام يقدمون ، وقد علم أنه إذا بين لهم الأمر لم يصحبه إلا من يريد مواساته في الموت معه . قال : فلما كان من السحر أمر فتيانه أن يستقوا [ ص: 515 ] من الماء فأكثروا منه ، ثم سار حتى مر ببطن العقبة ، فنزل بها .

وقال محمد بن سعد : حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن يزيد الرشك قال : حدثني من شافه الحسين قال : رأيت أبنية مضروبة بفلاة من الأرض ، فقلت : لمن هذه ؟ قالوا : هذه لحسين . قال : فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خديه ولحيته . قال : قلت : بأبي وأمي يابن بنت رسول الله ! ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد ؟ فقال : هذه كتب أهل الكوفة إلي ولا أراهم إلا قاتلي ، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها ، فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الأمة . يعني مقنعتها .

وأخبرنا علي بن محمد ، عن الحسن بن دينار ، عن معاوية بن قرة قال : قال الحسين : والله ليعتدن علي كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت .

وحدثنا علي بن محمد ، عن جعفر بن سليمان الضبعي قال : قال الحسين : والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الأمة . فقتل بنينوى يوم عاشوراء سنة إحدى وستين .

وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا أبو بكر الحميدي ، ثنا [ ص: 516 ] سفيان ، ثنا شهاب بن خراش ، عن رجل من قومه قال : كنت في الجيش الذي بعثهم ابن زياد إلى الحسين ، وكانوا أربعة آلاف يريدون قتال الديلم ، فصرفهم عبيد الله إلى الحسين ، فلقيت حسينا ، فرأيته أسود الرأس واللحية ، فقلت له : السلام عليك أبا عبد الله . فقال : وعليك السلام . وكانت فيه غنة ، فقال : لقد باتت منكم فينا سلة منذ الليلة . يعني : سرق . قال شهاب : فحدثت به زيد بن علي فأعجبه ، وكانت فيه غنة . قال سفيان بن عيينة : وهي في الحسينيين .

قال أبو مخنف ، عن بعض أصحابه ، عن أبي خالد الكاهلي قال : لما صبحت الخيل الحسين بن علي رفع يديه فقال : اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، فكم من هم يضعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، فأنزلته بك وشكوته إليك ، رغبة فيك إليك عمن سواك ، ففرجته وكشفته وكفيتنيه ، فأنت ولي كل نعمة ، وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل غاية .

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثني حجاج بن محمد ، عن أبي معشر ، عن بعض مشيخته قال : قال الحسين حين نزلوا كربلاء : ما اسم هذه الأرض ؟ قالوا : كربلاء . قال : كرب وبلاء . وبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد يقاتلهم ، فقال الحسين : يا عمر ; اختر مني إحدى ثلاث خصال ; إما أن تتركني أرجع كما جئت ; فإن أبيت هذه فسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده [ ص: 517 ] فيحكم في ما رأى ، فإن أبيت هذه فسيرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت . فأرسل إلى ابن زياد بذلك ، فهم أن يسيره إلى يزيد ، فقال شمر بن ذي الجوشن : لا ، إلا أن ينزل على حكمك . فأرسل إليه بذلك ، فقال الحسين : والله لا أفعل . وأبطأ عمر عن قتاله ، فأرسل إليه ابن زياد شمر بن ذي الجوشن فقال له : إن تقدم عمر فقاتل ، وإلا فاقتله وكن أنت مكانه . وكان مع عمر قريب من ثلاثين رجلا من أهل الكوفة ، فقالوا لهم : يعرض عليكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال ، فلا تقبلوا منها شيئا ؟ ! فتحولوا مع الحسين فقاتلوا معه .

وقال أبو زرعة حدثنا سعيد بن سليمان ، ثنا عباد بن العوام ، عن حصين قال : أدركت ذاك - يعني مقتل الحسين - قال : فحدثني سعد بن عبيدة قال : فرأيت الحسين وعليه جبة برود ، ورماه رجل يقال له : عمرو بن خالد الطهوي . بسهم ، فنظرت إلى السهم معلقا بجبته .

وقال ابن جرير حدثنا محمد بن عمار الرازي ، حدثني سعيد بن سليمان ، ثنا عباد بن العوام ، ثنا حصين ، أن الحسين بعث إليه أهل الكوفة : إن معك مائة ألف . فبعث إليهم مسلم بن عقيل . فذكر قصة مقتل مسلم ، كما تقدم .

قال حصين : فحدثني هلال بن يساف ، أن ابن زياد أمر بأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة ، فلا يدعون أحدا يلج ولا أحدا يخرج ، [ ص: 518 ] وأقبل الحسين ولا يشعر بشيء حتى أتى الأعراب فسألهم ، عن الناس ، فقالوا : والله لا ندري ، غير أنك لا تستطيع أن تلج ولا تخرج . قال : فانطلق يسير نحو يزيد بن معاوية ، فتلقته الخيول بكربلاء ، فنزل يناشدهم الله والإسلام . قال : وكان بعث إليه ابن زياد عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين بن نمير ، فناشدهم الحسين الله والإسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين يزيد ، فيضع يده في يده . فقالوا له : لا ; إلا على حكم ابن زياد . وكان في جملة من بعثهم إليه الحر بن يزيد الحنظلي ثم النهشلي على خيل ، فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم : ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم ، والله لو سألكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تردوهم . فأبوا إلا على حكم ابن زياد ، فضرب الحر وجه فرسه ، وانطلق إلى الحسين وأصحابه ، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم ، فلما دنا منهم قلب ترسه ، وسلم عليهم ، ثم كر على أصحاب ابن زياد فقاتلهم ، فقتل منهم رجلين ثم قتل ، رحمه الله .

وذكر أن زهير بن القين البجلي لقي الحسين ، وكان حاجا ، فأقبل معه ، وخرج إليه ابن أبي بحرية المرادي ورجلان آخران ; وهما عمرو بن الحجاج ومعن السلمي ، قال الحصين : وقد رأيتهما . قال : وأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد ، وعليه جبة من برود ، فلما كلمهم انصرف ، فرماه رجل من بني تميم يقال له : عمرو الطهوي . بسهم ، فإني لأنظر إلى السهم بين كتفيه [ ص: 519 ] متعلقا بجبته ، فلما أبوا عليه رجع إلى مصافه ، وإني لأنظر إليهم وهم قريب من مائة رجل ، فيهم لصلب علي خمسة ، ومن بني هاشم ستة عشر ، ورجل من بني سليم حليف لهم ، ورجل من بني كنانة حليف لهم ، وابن عم ابن زياد .

وقال حصين : وحدثني سعد بن عبيدة قال : إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد ، إذ أتاه رجل فساره فقال له : قد بعث إليك ابن زياد جويرية بن بدر التميمي ، وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك . قال : فوثب إلى فرسه فركبها ، ثم دعا بسلاحه فلبسه وإنه لعلى فرسه ، ونهض بالناس إليهم فقاتلوهم ، فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد ، فوضع بين يديه ، فجعل يقول بقضيبه في أنفه ، ويقول : إن أبا عبد الله قد كان شمط . قال : وجيء بنسائه وبناته وأهله . قال : وكان أحسن شيء صنعه أن أمر لهم بمنزل في مكان معتزل ، وأجرى عليهم رزقا ، وأمر لهم بنفقة وكسوة . قال : وانطلق غلامان منهم لعبد الله بن جعفر - أو ابن ابن جعفر - فأتيا رجلا من طيئ فلجآ إليه ، فضرب أعناقهما ، وجاء برأسيهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد . قال : فهم ابن زياد بضرب عنقه ، وأمر بداره فهدمت . قال : وحدثني مولى لمعاوية بن أبي سفيان قال : لما أتي يزيد برأس الحسين ، فوضع بين يديه رأيته يبكي ويقول : لو كان بينه وبينه رحم ما فعل هذا . يعني ابن زياد . قال الحصين : ولما قتل الحسين لبثوا [ ص: 520 ] شهرين أو ثلاثة ، كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع .

وقد حج بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد بن العاص ، وكان عامل المدينة ومكة ليزيد ، وقد عزل يزيد عن إمرة المدينة الوليد بن عتبة ، وولاها عمرو بن سعيد بن العاص في شهر رمضان منها . وكان عبيد الله بن زياد على البصرة والكوفة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث