الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فتنة ابن الأشعث

قال أبو مخنف : كان ابتداؤها في هذه السنة . وقال الواقدي : في سنة [ ص: 305 ] ثنتين وثمانين ، وقد ساقها ابن جرير في هذه السنة ، فوافقناه في ذلك .

وكان سبب هذه الفتنة أن ابن الأشعث كان الحجاج يبغضه ، وكان هو يفهم ذلك ، ويضمر له السوء وزوال الملك عنه ، فلما أمره الحجاج على ذلك الجيش المتقدم ذكره ، وأمره بدخول بلاد رتبيل ملك الترك ، فمضى وصنع ما قدمناه من أخذه بعض بلاد الترك ، ثم رأى لأصحابه أن يقيموا حتى يتقووا إلى العام المقبل ، فكتب إلى الحجاج بذلك ، فكتب إليه الحجاج يستهجن رأيه في ذلك ، ويستضعف عقله ، ويقرعه بالجبن والنكول عن الحرب ، ويأمره حتما بدخول بلاد رتبيل ، ثم أردف ذلك بكتاب ثان ثم ثالث ، فلما تواردت كتب الحجاج إليه يحثه على التوغل في بلاد رتبيل ، جمع من معه ، وقام فيهم ، فأعلمهم بما كان رأى من الرأي في ذلك ، وبما كتب إليه الحجاج من الأمر بمعاجلة رتبيل ، فثار [ ص: 307 ] إليه الناس ، وقالوا : لا ، بل نأبى على عدو الله الحجاج ، ولا نسمع له ولا نطيع . قال أبو مخنف : فحدثني مطرف بن عامر بن واثلة الكناني ، أن أباه كان أول من تكلم في ذلك ، وكان شاعرا خطيبا ، وكان مما قال : إن مثل الحجاج في هذا الرأي ومثلنا كما قال الأول لأخيه : احمل عبدك على الفرس ، فإن هلك هلك ، وإن نجا فلك . إنكم إن ظفرتم كان ذلك زيادة في سلطانه ، وإن هلكتم كنتم الأعداء البغضاء . ثم قال : اخلعوا عدو الله الحجاج - ولم يذكر خلع عبد الملك - وبايعوا لأميركم عبد الرحمن بن الأشعث ، فإني أشهدكم أني أول خالع للحجاج . فقال الناس من كل جانب : خلعنا عدو الله . ووثبوا إلى عبد الرحمن بن الأشعث فبايعوه عوضا عن الحجاج ، ولم يذكروا خلع عبد الملك بن مروان .

وبعث ابن الأشعث إلى رتبيل ، فصالحه على أنه إن ظفر بالحجاج فلا خراج على رتبيل أبدا ، ثم سار ابن الأشعث بالجنود الذين معه مقبلا من سجستان إلى الحجاج ; ليقاتله ويأخذ منه العراق ، ثم لما توسطوا الطريق قالوا : إن خلعنا للحجاج خلع لابن مروان . فخلعوهما جميعا ، وجددوا البيعة لابن الأشعث ، فبايعهم على كتاب الله وسنة رسوله ، وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلين . فإذا قالوا : نعم . بايعهم . فلما بلغ الحجاج ما صنعوا من خلعه وخلع [ ص: 308 ] ابن مروان ، كتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك ، ويستعجله في بعثه الجنود إليه ، وجاء الحجاج حتى نزل البصرة ، وبلغ المهلب خبر ابن الأشعث ، وكتب إليه يدعوه إلى ذلك فأبى عليه ، وبعث بكتابه إلى الحجاج ، وكتب المهلب إلى ابن الأشعث يقول له : إنك يا ابن الأشعث قد وضعت رجلك في ركاب طويل ، أبق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، الله الله ، انظر لنفسك فلا تهلكها ، ودماء المسلمين فلا تسفكها ، والجماعة فلا تفرقها ، والبيعة فلا تنكثها ، فإن قلت : أخاف الناس على نفسي ، فالله أحق أن تخافه من الناس ، فلا تعرضها لله في سفك الدماء ، أو استحلال محرم ، والسلام عليك .

وكتب المهلب إلى الحجاج : أما بعد ، فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك مثل السيل المنحدر من عل ، ليس شيء يرده حتى ينتهي إلى قراره ، وإن لأهل العراق شرة في أول مخرجهم وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم ، فليس شيء يردهم حتى يصلوا إلى أهليهم ، ويشموا أولادهم ، ثم واقعهم عندها ، فإن الله ناصرك عليهم إن شاء الله .

[ ص: 309 ] فلما قرأ الحجاج كتابه قال : فعل الله به وفعل ، لا والله ما لي نظر ، ولكن لابن عمه نصح . ولما وقع كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ذلك ، ثم نزل عن سريره ، وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية ، فأقرأه كتاب الحجاج ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن كان هذا الحدث من قبل خراسان فخفه ، وإن كان من قبل سجستان فلا تخفه .

ثم أخذ عبد الملك في تجهيز الجنود من الشام إلى العراق في نصرة الحجاج ، وتجهيز الحجاج للخروج إلى ابن الأشعث ، وعصى رأي المهلب فيما أشار به عليه ، وكان فيه النصح والصدق ، وجعلت كتب الحجاج لا تنقطع عن عبد الملك بخبر ابن الأشعث صباحا ومساء ; أين نزل ؟ ومن أين ارتحل ؟ وأي الناس إليه أسرع ؟ وجعل الناس يلتفون على ابن الأشعث من كل جانب ، حتى قيل : إنه سار معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس ، ومائة وعشرون ألف راجل ، وخرج الحجاج في جنود الشام من البصرة نحو ابن الأشعث ، فنزل تستر ، وقدم بين يديه مطهر بن حي العكي أميرا على المقدمة ، ومعه عبد الله بن زميت أميرا آخر ، فانتهوا إلى دجيل ، فإذا مقدمة ابن الأشعث في ثلاثمائة فارس عليها عبد الله بن أبان الحارثي ، فالتقوا في يوم الأضحى عند نهر دجيل ، فهزمت مقدمة الحجاج ، وقتل أصحاب ابن الأشعث منهم خلقا كثيرا ، نحو ألف وخمسمائة ، [ ص: 310 ] واحتازوا ما في معسكرهم من خيول وقماش وأموال ، وجاء الخبر إلى الحجاج بهزيمة أصحابه ، فأخذه ما دب ودرج ، وقد كان قائما يخطب ، فقال : أيها الناس ، ارجعوا إلى البصرة ، فإنه أرفق بالجند ، فرجع بالناس ، واتبعتهم خيول ابن الأشعث لا يدركون منهم شاذا إلا قتلوه ، ولا فاذا إلا أهلكوه ، ومضى الحجاج هاربا لا يلوي على شيء ، حتى أتى الزاوية ، فعسكر عندها ، وجعل يقول : لله در المهلب ! أي صاحب حرب هو ؟ ! قد أشار علينا بالرأي ، ولكنا لم نقبل .

وأنفق الحجاج على جيشه - وهو بهذا المكان - مائة وخمسين ألف ألف درهم ، وخندق حول جيشه خندقا ، وجاء أهل العراق فدخلوا البصرة ، واجتمعوا بأهاليهم وشموا أولادهم ، ودخل ابن الأشعث البصرة ، فخطب الناس بها ، وبايعهم وبايعوه على خلع عبد الملك ونائبه الحجاج بن يوسف ، وقال لهم ابن الأشعث : ليس الحجاج بشيء ، ولكن اذهبوا بنا إلى عبد الملك لنقاتله . ووافقه على خلعهما جميع من بالبصرة من الفقهاء والقراء والشيوخ والشباب ، ثم أمر ابن الأشعث بخندق حول البصرة فعمل ذلك ، وكان ذلك في أواخر ذي الحجة من هذه السنة .

وحج بالناس فيها سليمان بن عبد الملك فيما ذكره الواقدي وأبو [ ص: 311 ] معشر . والله سبحانه وتعالى أعلم .

وفيها غزا موسى بن نصير أمير بلاد المغرب من جهة عبد الملك بلاد الأندلس ، فافتتح مدنا كثيرة ، وأراضي عامرة ، وأوغل في بلاد المغرب إلى أن وصل إلى الزقاق المنبثق من البحر الأخضر المحيط . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث