الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


المثال التاسع : مما ادعي فيه المجاز قوله تعالى : ( وهو معكم أين ما كنتم ) وقوله تعالى : ( إن الله مع الذين اتقوا ) وقوله تعالى : ( إنني معكما أسمع وأرى ) وقوله : ( إنا معكم مستمعون ) وقوله : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) وقوله : ( فإني قريب ) وقوله : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) الآية ونحو ذلك ، قالت المجازية : هذا كله مجاز يمتنع حمله على الحقيقة ، إذ حقيقته المخالطة والمجاورة وهي منتفية قطعا ، فإذا معناها معية العلم والقدرة والإحاطة ، ومعية النصر والتأييد والمعونة ، وكذلك القرب .

قال أصحاب الحقيقة : والجواب عن ذلك من وجوه :

أحدها : لا تخلو هذه الألفاظ إما أن يكون ظاهرها أن ذاته تعالى في كل مكان ، أو لا يكون ذلك ظاهرها ، فإن كان ذلك ظاهرها فهو قول طوائف من إخوان هؤلاء ، وهم الجهمية الأولى ، الذين كانوا يقولون : إن الله بذاته في كل مكان ، ويحتجون بهذه الآيات وما أشبهها .

وهؤلاء الجهمية المستأخرون الذين يقولون : ليس فوق السماوات رب ، ولا على العرش إله ، عاجزون عن الرد على سلفهم الأول ، وسلفهم خير منهم فإنهم أثبتوا له وجودا بكل مكان ، وهؤلاء نفوا أن يكون داخل العالم أو خارجه ، والرسل وأتباعهم أثبتوا أنه خارج العالم ، فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ، فنفاة النقيضين لا يمكنهم الرد على من أثبت النقيضين ، فإنهم إن قالوا إثبات النقيضين محال ، قالوا لهم ونفيهما محال ، وإن قالوا كونه داخل العالم ينافي كونه خارجا عنه ، قالوا لهم : وكونه [ ص: 477 ] غير داخل العالم ينافي كونه غير خارج عنه ، فإن قالوا وصفه بدخوله في العالم وخروجه منه يستلزم التجسيم ، قالوا : وصفه بكونه ليس في العالم ولا خارجا عنه يستلزم التعطيل والحكم بعدمه ، والتجسيم خير من التعطيل ، ونفي حقيقة الرب لو كان لازما ، كيف ولزومه من جانبكم أقوى ، فإنكم تصفونه بالصفات التي هي أعراض لا تقوم إلا بالأجسام ، وقد ألزمكم النفاة التجسيم بإثباتها فما كان جوابكم لهم فهو بعينه جوابنا لكم .

وإن قالوا إثبات دخوله في العالم يقتضي مجاورته ومخالطته لما ينزه عنه ، قالوا لهم : ونفي دخوله في العالم وخروجه عنه يقتضي امتناع وجوده وهو أنقص من مجاورته للعالم ، فإن كان نقصا فالحكم عليه بما يمنع وجوده أدخل في النقص ، وإن لم يكن ذلك النفي نقصا ولا مستلزما للنقص لم يكن في الإثبات نقص .

فإن قلتم دخوله وخروجه يقتضي انحصاره في الأمكنة ، قال سلفكم بل يقتضي عدم انحصاره فإنا لم نخصه بمكان دون مكان ، ولو اقتضى حصره لكان ذلك أقرب إلى المعقول من الحكم عليه بما يقتضي امتناع وجوده .

فظهر أنه لا يمكن خلف الجهمية أن يرد على سلفهم البتة إلا أن يتركوا تعطيلهم ويتحيزوا إلى أهل الإثبات ، فإذا قال هؤلاء : حقيقة هذه الألفاظ تقتضي المجاورة والمخالطة ونحن نقول بذلك لم يمكنهم إبطال قولهم ، وهل الإثبات براء من الفريقين ؟ هذا إن كان ظاهر القرآن يدل على المخالطة والمجاورة ، وإن لم يدل على ذلك ولم يكن حقيقة فيه لم يكن خارجا عن حقيقته .

الوجه الثاني : إن الله سبحانه قد بين في القرآن غاية البيان أنه فوق سماواته وأنه مستو على عرشه ، وأنه بائن عن خلقه ، وأن الملائكة تعرج إليه ، وتنزل من عنده ، وأنه رفع المسيح إليه ، وأنه يصعد إليه الكلم الطيب ، إلى سائر ما دلت عليه النصوص من مباينته لخلقه وعلوه على عرشه ، هذه نصوص محكمة فيجب رد المتشابه إليها ، فتمسكهم بالمتشابه ورد المحكم متشابها وجعلتم الكل مجازا .

الوجه الثالث : إن الله تعالى قد بين في غير موضع أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما ، وأن له ملك السماوات والأرض وما بينهما ، وأن الأرض قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه وأن كرسيه وسع السماوات والأرض وأنه يمسك السماوات والأرض ، وهذه نصوص صريحة في أن الرب تعالى ليس هو عين هذه المخلوقات ، [ ص: 478 ] ولا صفة ولا جزء منها ، فإن الخالق غير المخلوق ، وليس بداخل فيها محصور بل هي صريحة في أنه مباين لها وأنه ليس حالا فيها ولا محلا لها ، فهي هادية للقلوب عاصمة لها أن يفهم من قوله ( وهو معكم ) أن الله سبحانه عين المخلوقات أو حال فيها أو محل لها .

الوجه الرابع : إنه ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنه سبحانه مختلط بالمخلوقات ممتزج بها ، ولا تدل لفظة ( مع ) على هذا بوجه من الوجوه فضلا أن يكون هو حقيقة اللفظ وموضوعه ، فإن ( مع ) في كلامهم لصحبته اللائقة وهي تختلف باختلاف متعلقاتها ومصحوبها ، فكون نفس الإنسان معه لون ، وكون علمه وقدرته وقوته معه لون ، وكون زوجته معه لون ، وكون أميره ورئيسه معه لون ، وكون ماله معه لون ، فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها ، فيصح أن يقال : زوجته معه وبينهما شقة بعيدة وكذلك يقال مع فلان دار كذا وضيعته كذا ، فتأمل نصوص المعية في القرآن كقوله تعالى : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ) وقوله : ( ينادونهم ألم نكن معكم ) وقوله : ( لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) وقوله : ( وكونوا مع الصادقين ) ( واركعوا مع الراكعين ) ( فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ) ( والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم ) ( فاكتبنا مع الشاهدين ) ( فلتقم طائفة منهم معك ) ( ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ) وأضعاف ذلك ، هل يقتضي موضع واحد منها مخالطة في الذوات التصاقا وامتزاجا ، فكيف تكون حقيقة المعية في حق الرب تعالى ذلك حتى يدعى أنها مجاز لا حقيقة ، فليس في ذلك ما يدل على أن ذاته تعالى فيهم ولا ملاصقة لهم ، ولا مخالطة ولا مجاورة بوجه من الوجوه ، وغاية ما تدل عليه ( مع ) المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور ، وذا الاقتران في كل موضع بحسبه يلزمه لوازم بحسب متعلقه .

فإن قيل : الله مع خلقه بطريق العموم ، كان من لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره لهم [ ص: 479 ] وقدرته عليهم ، وإذا كان ذلك خاصا كقوله : ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) كان من لوازم ذلك معيته لهم بالنصرة والتأييد والمعونة ، فمعية الله تعالى مع عبده نوعان : عامة وخاصة ، وقد اشتمل القرآن على النوعين ، وليس ذلك بطريق الاشتراك اللفظي بل حقيقتها ما تقدم من الصحبة اللائقة ، وقد أخبر الله تعالى أنه مع خلقه مع كونه مستويا على عرشه وقرن بين الأمرين كما قال تعالى : ( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ) فأخبر أنه خلق السماوات والأرض ، وأنه استوى على عرشه ، وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه كما في حديث الأوعال " والله فوق عرشه يرى ما أنتم عليه " فعلوه لا يناقض معيته ومعيته لا تبطل علوه ، بل كلاهما حق ، فمن المعية الخاصة قوله : ( إن الله مع الصابرين ) ( وإن الله لمع المحسنين ) ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) ( واعلموا أن الله مع المتقين ) ( لا تحزن إن الله معنا ) ومن العامة ( وهو معكم أين ما كنتم ) وقوله : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) الآية .

فنبه سبحانه بالثلاثة على العدد الذي يجمع الشفع والوتر ، ولا يمكن أهله أن ينقسموا في النجوى قسمين ، ونبه بالخمسة على العدد الذي يجمعهما ، ويمكن أهله أن ينقسموا فيها قسمين فيكون مع كل العددين ، فالمشتركون في النجوى إما شفع فقط أو وتر فقط ، أو كلا القسمين ، وأقل أقسام الوتر المتناجين ثلاثة وأقل أنواع الشفع اثنان ، وأقل أقسام النوعين إذا اجتمعا خمسة ، فذكر أدنى مراتب طائفة الوتر وأدنى مراتب النوعين إذا اجتمعا ، ثم ذكر معيته العامة لما هو أدنى من ذلك أو أكثر .

وتأمل كيف جعل نفسه رابع الثلاثة وسادس الخمسة ، إذ هو غيرهم سبحانه بالحقيقة لا يجتمعون معه في جنس ولا فصل ، وقال : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) [ ص: 480 ] فإنهم ساووا بينه وبين الاثنين في الإلهية ، والعرب تقول : رابع أربعة ، وخامس خمسة وثالث ثلاثة ، لما يكون فيه المضاف إليه من جنس المضاف كما قال تعالى : ( ثاني اثنين إذ هما في الغار ) رسول الله وصديقه ، فإن كان من غير جنس قالوا رابع ثلاثة وخامس أربعة وسادس خمسة ، وقال تعالى في المعية الخاصة لموسى وأخيه ( إنني معكما أسمع وأرى ) وقال في العامة ( فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون ) فتأمل كيف أفرد ضمير نفسه حيث أفرد موسى وأخاه عن فرعون ، وكيف جمع الضمير لما أدخل فرعون معهما في الذكر ، فجعل الخاص مع المعية الخاصة والعام مع المعية العامة ، وأما قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) فهذه الآية لها شأن وقد اختلف فيها السلف والخلف على قولين ، فقالت طائفة : نحن أقرب إليه بالعلم والقدرة والإحاطة وعلى هذا فيكون المراد قربه سبحانه بنفسه ، وهو نفوذ قدرته ومشيئته فيه وإحاطة علمه به ، والقول الثاني : أن المراد قرب ملائكته منه ، وأضاف ذلك إلى نفسه بصيغة ضمير الجمع على عادة العظماء في إضافة أفعال عبيدها إليها بأوامرهم ومراسيمهم ، فيقول الملك نحن قتلناهم وهزمناهم ، قال تعالى : ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) وجبرائيل هو الذي يقرؤه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) فأضاف قتل المشركين يوم بدر إليه ، وملائكته هم الذين باشروه إذ هو بأمره ، وهذا القول أصح من الأول لوجوه : أحدها : أنه سبحانه قيد القرب في الآية بالظرف وهو قوله : ( إذ يتلقى المتلقيان ) كالعامل في الظرف ما في قوله : ( ونحن أقرب إليه ) من معنى الفعل ، ولو كان المراد قربه سبحانه بنفسه لم يتقيد ذلك بوقت تلقي الملكين ، ولا كان في ذكر التقييد به فائدة ، فإن علمه سبحانه وقدرته ومشيئته عامة التعلق .

الثاني : أن الآية تكون قد تضمنت علمه وكتابة ملائكته لعمل العبد ، وهذا نظير قوله : ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ) وقريب [ ص: 481 ] منه قوله تعالى في أول السورة ( قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ ) ونحو قوله : ( قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ) .

الثالث : إن قرب الرب تعالى إنما ورد خاصا ولا عاما ، وهو نوعان : قربه من داعيه بالإجابة ومن مطيعه بالإثابة ، ولم يجئ القرب كما جاءت المعية خاصة وعامة ، فليس في القرآن ولا في السنة أن الله قريب من كل أحد وأنه قريب في الكافر والفاجر ، وإنما جاء خاصا كقوله تعالى : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) فهذا قربه من داعيه وسائله به ، وقال تعالى : إن رحمة الله قريب من المحسنين ولم يقل قريبة ، وإنما كان الخبر عنها مذكورا ، إما لأن فعيلا بينه وبين فعول اشتراك من وجوه ، منها الوزن والعدد والزيادة والمبالغة ، وكون كل منهما يكون معدولا عن فاعل استوى مذكره ومؤنثه في عدم إلحاق التاء ، كامرأة نئوم وضحوك فحملوا فعيلا عليه في بعض المواضع لعقد الأخوة التي بينهما ، وإما لأن قريبا معدول عن مفعول في المعنى كأنها قربت منهم وأدنيت ، وهم يراعون اللفظ تارة والمعنى أخرى ، وأما ذهابهم بالرحمة إلى الإحسان واللطف والبر ، وهو كثير في لغتهم حتى يكثر أنهم يستعملون ضد ذلك ، فيقولون جاءت فلانا كتابي تذهبون به إلى الصحيفة ، وإما على حذف مضاف يكون قريب خبرا عنه تقديره مكان رحمة الله أو تناولها ونحو ذلك قريب ، وإما على تقدير موصوف محذوف يكون قريب صفة له تقديره أمر أو شيء قريب كقول الشاعر :

قامت تبكيه على قبره من لي من بعدك يا عامر     تركتني في الدار ذا غربة قد
ذل من ليس له ناصر

أي شخصا ذا غربة ، وعلى هذا حمل سيبويه حائضا وطالقا وطامثا ونحوها ، وإما على اكتساب المضاف إليه ، نحو ذهبت بعض أصابعه ، وتواضعت سور المدينة وبابه ، إما من الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر ، والدلالة بالمذكور على المحذوف ، والأصل إن الله قريب من المحسنين ، ورحمته قريبة منهم ، فيكون قد أخبر [ ص: 482 ] عن قرب ذاته وقرب ثوابه من المحسنين ، واكتفى بالخبر عن أحدهما عن الآخر ، وقريب منه والله ورسوله أحق أن يرضوه ، ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) ومثله على أحد الوجوه ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ) الآية ، أي فذلوا لها خاضعين ( فظلت أعناقهم ) لها خاضعة . وإما لأن القريب يراد به شيئان :

أحدهما : النسب والقربة فهذا يؤنث ، تقول : هذه قريبة لي وقرابة .

والثاني : قرب المكان والمنزلة ، وهذا يجرد عن التاء ، تقول جلست فلانة قريبا مني ، هذا في الظرف ، ثم أجروا الصفة مجراه للأخوة التي بينهما ، حيث لم يرد بكل واحد منهما نسب ولا قرابة وإنما أريد قرب المكانة والمنزلة ، وإما لأن تأنيث الرحمة لما كان غير حقيقي ساغ حذف التاء من صفته وخبره كما ساغ حذفها من الفعل ، نحو طلع الشمس ، إما لأن قريبا مصدر لا وصف ، كالنقيض والعويل والوجيب مجرد عن التاء ، لأنك إذا أخبرت عن المؤنث بالمصدر لم تلحقه التاء ، كما تقول امرأة عدل وصوم ونوم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث