الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله عز وجل ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون

جزء التالي صفحة
السابق

قوله عز وجل:

ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون

المعنى: ثم جعلناك على شريعة، فلا محالة أنه سيختلف عليك كما تقدم لبني إسرائيل فاتبع شريعتك، والشريعة في كلام العرب: الموضع الذي يرد فيه الناس في الأنهار والمياه، ومنه قول الشاعر:

،

وفي الشرائع من جلان مقتنص ... رث الثياب خفي الشخص منسرب



[ ص: 597 ] فشريعة الدين هي من ذلك، كأنها من حيث يرد الناس أمر الله ورحمته والقرب منه، وقال قتادة : الشرائع: الفرائض والحدود والأمر والنهي، وقوله تعالى: "من الأمر" يحتمل أن يكون واحد الأمور، أي: من دين الله تعالى ونبواته التي بثها في سالف الزمان، ويحتمل أن يكون مصدرا من أمر يأمر، أي: على شريعة من الأوامر والنواهي، فسمى الله تعالى جميع ذلك أمرا، و"الذين لا يعلمون" هم الكفار الذين كانوا يريدون صرف محمد صلى الله عليه وسلم إلى إرادتهم. و "يغنوا" من الغناء، أي: لن يكون لهم عنك دفاع، ثم حقر تعالى شأن الظالمين مشيرا بذلك إلى كفار قريش، ووجه التحقير أنه تبارك وتعالى قال: هؤلاء يتولى بعضهم بعضا، والمتقون يتولاهم الله تعالى، فخرجوا عن ولاية الله تعالى وتبرأت منهم، ووكلهم الله تعالى بعضهم إلى بعض.

وقوله تعالى: هذا بصائر للناس يريد القرآن، والبصائر جمع بصيرة، وهي المعتقد الوثيق في الشيء، كأنه مصدر من إبصار القلب، فالقرآن فيه بينات ينبغي أن تكون بصائر، والبصيرة في كلام العرب: الطريقة من الدم، ومنه قول الشاعر:


راحوا بصائرهم على أكتافهم ...     وبصيرتي يعدو بها عتد وأي



[ ص: 598 ] وفسر الناس هذا البيت بطريقة الدم; إذ كانت عادة طالب الدم عندهم أن يجعل طريقة من دم خلف ظهره ليعلم بذلك أنه لم يدرك ثأره وأنه يطلبه، [ويظهر فيه أنه يريد بصيرة القلب، أي: قد اطرح هؤلاء بصائرهم وراء ظهورهم].

وقوله تعالى: أم حسب الآية قول يقتضي أنه نزل بسبب افتخار كان للكفار على المؤمنين، قالوا: "لئن كانت آخرة كما تزعمون لنفضلن عليكم فيها كما فضلنا في الدنيا". و "أم" هذه ليست بمعادلة، وهي بمعنى "بل" مع ألف الاستفهام، و "اجترحوا" معناه: اكتسبوا، ومنه جوارح الإنسان، وجوارح الصيد، وتقول العرب: "فلان جارحة أهله"، أي: كاسبهم، وقرأ أكثر القراء: "سواء" بالرفع "محياهم ومماتهم" بالرفع، وهذا على أن "سواء" رفع بالابتداء، و "محياهم ومماتهم" خبره، و "كالذين" في موضع المفعول الثاني لـ "نجعل" ، وهذا على أحد معنيين: إما أن يكون الضمير في "محياهم" يختص بالكفار المجترحين، فتكون الجملة خبرا عن أن حالهم في الزمنين حال سوء، والمعنى الثاني: أن يكون الضمير في "محياهم" يعم الفريقين، والمعنى: أن محيا هؤلاء ومماتهم سواء، وهو كريم، ومحيا هؤلاء ومماتهم سواء، وهو غير كريم، ويكون اللفظ قد لف هذا المعنى وذهن السامع يفرقه، إذ قد تقدم إبعاد أن يجعل الله تعالى هؤلاء كهؤلاء. قال مجاهد : المؤمن يموت مؤمنا ويبعث مؤمنا، والكافر يموت كافرا ويبعث كافرا.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

مقتضي هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر لي أن قوله تعالى: سواء محياهم ومماتهم داخل في المحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول أيضا جيد، وقرأ طلحة ، وعيسى ، بخلاف عنه: "سواء" بالنصب، "محياهم ومماتهم" بالرفع، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قوله تعالى: "كالذين" في موضع المفعول [ ص: 599 ] الثاني لـ "نجعل" كما هو في قراءة الرفع، وينصب قوله تعالى: "سواء" على الحال من الضمير في: "نجعلهم"، والوجه الثاني: أن يكون قوله تعالى: "كالذين" في نية التأخير، ويكون قوله تعالى: "سواء" مفعولا ثانيا لـ "نجعل" ، وعلى كلا الوجهين: "محياهم ومماتهم" مرتفع بـ "سواء" على أنه فاعل، وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، والأعمش : "سواء" بالنصب "محياهم ومماتهم" بالنصب، وذلك على الظرف، أو على أن يكون "محياهم" بدلا من الضمير في: "نجعلهم" أي: نجعل محياهم ومماتهم سواء، وهذه الآية متناولة بلفظها حال العصاة من حال أهل التقوى، وهي موقف للعارفين يبكون عنده، وروي عن الربيع بن خيثم أنه كان يرددها ليلة جمعاء، وكذلك عن الفضيل بن عياض ، وكان يقول لنفسه: ليت شعري من أي الفريقين أنت؟ وقال الثعلبي : كانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وأما لفظها فيعطي أنه اجتراح الكفر بدليل معادلته بالإيمان، ويحتمل أن تكون المعادلة بين الاجتراح وعمل الصالحات، ويكون الإيمان في الفريقين، ولهذا بكى الخائفون رضي الله عنهم، وإما مفعولا "حسب" فقوله تعالى: "أن نجعلهم" يسد مسد المفعولين. وقوله تعالى: ساء ما يحكمون "ما" مصدرية، والتقدير: ساء الحكم حكمهم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث