الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 208 ] ولو وقف في مرض موته قال الطحاوي : هو بمنزلة الوصية بعد الموت . والصحيح أنه لا يلزمه عند أبي حنيفة ، وعندهما يلزمه إلا أنه يعتبر من الثلث والوقف في الصحة من جميع المال ، وإذا كان الملك يزول عندهما يزول بالقول عند أبي يوسف وهو قول الشافعي بمنزلة الإعتاق لأنه إسقاط الملك . وعند محمد لا بد من التسليم إلى المتولي [ ص: 209 ] لأنه حق الله تعالى ، وإنما يثبت فيه في ضمن التسليم إلى العبد لأن التمليك من الله تعالى وهو مالك الأشياء لا يتحقق مقصودا ، وقد يكون تبعا لغيره فيأخذ حكمه فينزل منزلة الزكاة والصدقة . [ ص: 210 ] قال ( وإذا صح الوقف على اختلافهم ) وفي بعض النسخ : وإذا استحق مكان قوله إذا صح ( خرج من ملك الواقف ولم يدخل في ملك الموقوف عليه ) لأنه لو دخل في ملك الموقوف عليه لا يتوقف عليه بل ينفذ بيعه كسائر أملاكه ، ولأنه لو ملكه لما انتقل عنه بشرط المالك الأول كسائر أملاكه . قال رضي الله عنه : قوله خرج عن ملك الواقف يجب أن يكون قولهما على الوجه الذي سبق تقريره .

التالي السابق


( قوله ولو وقف في مرض الموت قال الطحاوي : هو كالوصية بعد الموت ) حتى يلزم بعد الموت ; لأن تصرفات المريض مرض الموت في الحكم كالمضاف إلى ما بعد الموت حتى يعتبر من ثلث ماله . والصحيح أنه لا يلزم عند أبي حنيفة إلا أن يحكم به فله بيعه ويورث عنه إذا مات قبل الحكم إلا أن تجيز الورثة . وعندهما يلزم إلا أنه من الثلث لتعلق حق الورثة بخلافه في الصحة ، وفي فتاوى قاضي خان : مريض وقف وعليه ديون تحيط بماله يباع وينقض الوقف ، كما لو وقف دارا ثم جاء الشفيع كان له أن يأخذها بالشفعة وينقض الوقف انتهى من غير تقييد بكون ذلك قبل الحكم ، وهذا بخلاف ما لو وقف المديون الصحيح وعليه ديون تحيط بماله ، فإن وقفه لازم لا ينقضه أرباب الديون إذا كان قبل الحجر بالاتفاق ; لأنه لم يتعلق حقهم بالعين في حال صحته ، ( قوله وإذا كان الملك يزول عندهما يزول بالقول عند أبي يوسف وهو ) قول الأئمة الثلاثة وقول أكثر أهل العلم [ ص: 209 ] لأنه إسقاط الملك كالعتق .

وعند محمد لا بد لزواله من التسليم إلى المتولي ; لأن للواقف أن يجعله لله فيصير حقا له ، وحقه إنما يثبت مسلما في ضمن التسليم للعبد ، وهذا لأن الوقف تمليك لله تعالى ( والتمليك منه وهو مالك لجميع الأشياء لا يتحقق مقصودا وقد يتحقق تبعا لغيره فيأخذ حكمه فينزل منزلة الزكاة والصدقة ) المنجزة . ولا يخفى أن التمليك لله تعالى لا يتحقق لا مقصودا ولا تبعا ; لأنه تحصيل الحاصل المستمر ، ثم لا موجب لاعتباره حتى يحتاج إلى تكلف توجيهه لأن غاية ما يوجبه الدليل إما خروج الملك عند الوقف لا إلى أحد ، وتوجه الخطاب بصرف غلته إلى من وقف عليه أو توجه الخطاب بذلك مع بقاء الملك ، فإذا فعل خرج من عهدة الواجب كما هو في سائر الواجبات المالية من غير زيادة تكلف اعتبار آخر . نعم يمكن أن يلاحظ التسليم إلى المستحق تسليما إليه تعالى كأنه تعالى جعله نائبه في قبض حقه ، وذلك بقبض المستحق لا المتولي كالزكاة . ويمكن أن لا يلاحظ شيء من ذلك بل المقصود ليس إلا فعل ما وجب بالوقف ، فلذا كان قول أبي يوسف أوجه عند المحققين . وفي المنية : الفتوى على قول أبي يوسف وهذا قول مشايخ بلخ . وأما البخاريون : فأخذوا بقول محمد رحمه الله كما تقدم .

وفي المبسوط : وكان القاضي أبو عاصم يقول قول أبي يوسف من حيث المعنى أقوى ، إلا أنه قال : وقول محمد أقرب إلى موافقة الآثار : يعني ما روي أن عمر جعل وقفه في يد حفصة ، وغير ذلك . ورده في المبسوط بأنه لا يلزم كونه فعله ليتم الوقف بل لشغله وخوف التقصير في أمره ، وكذا جميع من ينصب المتولين لا يخطر له غير تفريغ نفسه من أمره . وأما قول محمد رحمه الله : لو تم قبل التسليم إلى المتولي صارت يد الواقف مستحقة عليه والتبرع لا يصلح سببا للاستحقاق على المتبرع ، فجوابه منع ذلك بأن التبرع بالسبب الموجب لخروج ما في يده يوجب عليه استحقاق يده كعتق العبد الكائن في يد سيده المعتق له ، والناذر بالعين الكائنة في يده هي وقيمتها يوجب عليه إخراج أحدهما من يده ، وهذه أمور شرعية لا عقلية .

ومما بني على هذا الخلاف ما ذكر من أن الواقف إذا شرط الولاية في عزل القوام والاستبدال بهم لنفسه ولأولاده ، وأخرجه من يده وسلمه إلى متول فهذا جائز نص عليه في السير الكبير ; لأن هذا شرط لا يخل بشرائط الوقف ، ولو لم يشرط ذلك لنفسه وأخرجه من يده إلى قيم قال محمد : لا ولاية له والولاية للقيم ، وكذا لو مات وله وصي فلا ولاية لوصيه والولاية للقيم ، ولو أراد الواقف أن يعزل القيم ويرده لنفسه أو يولي غيره ليس له ذلك .

وقال أبو يوسف : الولاية للواقف ، وله أن يعزل القيم في حياته ويولي غيره أو يرد النظر إلى نفسه ، وإذا مات الواقف بطل ولاية القيم ; لأنه بمنزلة الوكيل عنده ، وهذا الخلاف بناء على أن عند محمد لا يصح الوقف إلا بالتسليم إلى القيم فلا يكون للواقف ولاية .

وعند أبي يوسف بدون التسليم إلى القيم يتم الوقف ، فإذا سلم إلى قيم كان وكيله ، وله أن يعزله وينعزل بموته إلا إذا جعله قيما في حياته وبعد موته ، وكذا يبتني عليه ما لو قال هذه الشجرة للمسجد [ ص: 210 ] لا تصير للمسجد حتى يسلمها إلى قيم المسجد ( قوله وإذا صح الوقف خرج عن ملك الواقف ولم يدخل في ملك الموقوف عليه ) وهذا مذهب عامة علماء الأمصار إلا في قول عن الشافعي وأحمد أنه يدخل في ملك الموقوف عليه إذا كان أهلا للملك إلا أنه لا يباع ولا يتملك ، والمختار الأول ; لأنه لو دخل في ملكه لم ينتقل عنه بشرط المالك الذي هو الواقف ; لأنه لا ملك له فيه لكنه ينتقل للإجماع على صحة قوله ثم من بعد فلان على كذا . ثم قال المصنف : وقوله أي القدوري ( خرج عن ملك الواقف يجب أن يكون قولهما ) ; لأن الصحة غير اللزوم وهو لم يقل إذا لزم خرج عن ملك الواقف ليكون على قول الكل بل قال : إذا صح وصحة العقد لا تستلزم اللزوم بل تختلف باختلاف أحكام العقود فقد يكون عقد حكمه اللزوم كالبيع والإجارة ، وقد يكون حكمه غير اللزوم كالعارية والظاهر أنه تجوز بالصحة عن اللزوم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث