الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ولو شرط الواقف أن يستبدل به أرضا أخرى إذا شاء ذلك فهو جائز عند أبي يوسف ، وعند محمد الوقف جائز والشرط باطل .

التالي السابق


( قوله ولو شرط أن يستبدل بها أرضا أخرى ) تكون وقفا مكانه ( فهو جائز عند أبي يوسف ) وهلال والخصاف ، وهو استحسان ، وكذا لو قال على أن أبيعها وأشتري بثمنها أخرى مكانا . وقال محمد : يصح الوقف ويبطل الشرط ، وليس له بعد استبداله مرة أن يستبدل ثانيا لانتهاء الشرط بمرة ، إلا أن يذكر عبارة تفيد له ذلك دائما ، وكذا ليس للقيم الاستبدال إلا أن ينص له بذلك ، وعلى وزان هذا لو شرط لنفسه أن ينقص من المعاليم إذا شاء ويزيد ويخرج من شاء ويستبدل به كان له ذلك ، وليس لقيمه إلا أن يجعله له ، وإذا أدخل وأخرج مرة ليس له ثانيا إلا بشرطه ، ولو شرطه للقيم ولم يشرطه لنفسه كان له أن يستبدل لنفسه ; لأن إفادته الولاية لغيره بذلك فرع كونه يملكها ، ولو قيد شرط الاستبدال للقيم بحياة الواقف ليس له أن يستبدل بعد موته .

وفي فتاوى قاضي خان : قول هلال وأبي يوسف هو الصحيح ; لأن هذا شرط لا يبطل الوقف ، لأن الوقف يقبل الانتقال من أرض إلى أرض ، فإن أرض الوقف إذا غصبها غاصب وأجرى عليها الماء حتى صارت بحرا لا تصلح للزراعة يضمن قيمتها ويشتري بها أرضا أخرى فتكون وقفا مكانها ، وكذا أرض الوقف إذا قل نزلها بحيث لا تحتمل الزراعة ولا تفضل غلتها من مؤنتها ويكون صلاح الأرض في الاستبدال بأرض أخرى ، وفي نحو هذا عن الأنصاري صحة الشرط لكن لا يبيعها إلا بإذن الحاكم ، وينبغي للحاكم إذا رفع إليه ولا منفعة في الوقف أن يأذن في بيعها إذا رآه أنظر لأهل الوقف ، وإذا كان حاصله إثبات وقف آخر لم يكن شرطا فاسدا هو اشتراط عدم حكمه وهو التأبيد بل هو تأبيد معنى . ولا يقال : حكم الوقف إذا صح الخروج عن ملكه فلا يمكنه بيعه .

لأنا نقول : حكم ذلك على وجه ينفذ فيه شرطه الذي شرط في أصل الوقف إذا لم يخالف أمرا شرعيا ، وقد بينا أن شرط الاستبدال لا يخالفه فوجب اعتباره ، وكون شمس الأئمة ذكر مسألة ثم قال : ولهذا تبين خطأ من يجوز استبدال الوقف ، وكذا ما نقل عن ظهير الدين رجوعه عنه بعد أن كان يفتي به لا يوجب اتباعه مع قيام وجه غيره ، ولو أريد تجويز الاستبدال بغير شرط الاستبدال فيما إذا كان أحسن للوقف كان حسنا .

والحاصل أن الاستبدال إما عن شرطه الاستبدال وهو مسألة الكتاب أو لا عن شرط ، فإن كان لخروج الوقف عن انتفاع الموقوف عليهم به فينبغي أن لا يختلف فيه كالصورتين المذكورتين لقاضي خان ، وإن كان لا لذلك بل اتفق أنه أمكن أن يؤخذ بثمن الوقف ما هو خير منه مع كونه منتفعا به فينبغي أن لا يجوز ; لأن الواجب إبقاء الوقف على ما كان عليه دون زيادة أخرى ، ولأنه لا موجب لتجويزه لأن الموجب في الأول الشرط وفي الثاني الضرورة ، ولا ضرورة في هذا إذ لا تجب الزيادة فيه بل تبقيته كما كان ، ولعل محمل ما نقل عن السير الكبير من قوله استبدال الوقف باطل إلا في رواية عن أبي يوسف هذا الاستبدال ، والاستبدال بالشرط مذهب أبي يوسف المشهور عنه المعروف لا مجرد رواية ، والاستبدال الثاني ينبغي أن لا يختلف فيه كما قلنا .

وفي فتاوى قاضي خان : أجمعوا أن الواقف إذا شرط الاستبدال لنفسه يصح الشرط والوقف ويملك الاستبدال . أما بلا شرط أشار في السير إلى أنه لا يملكه إلا بإذن القاضي ، ولا يخفى أن محل الإجماع المذكور كون الاستبدال لنفسه إذا شرطه له . وفي القاضي فيما لا شرط فيه لا في أصل الاستبدال ، وإلا فهو قد نقل الخلاف . وعرف من هذا أن محمل ما ذكرناه عن الأنصاري ما إذا لم يشرطه لنفسه ، ثم إذا اشترى البدل للوقف صار وقفا ، ولا يتوقف وقفيته على أن يقفه بلفظ يخصه ، وليس للقيم أن يوصي بالاستبدال لمن يوصى إليه عند موته بالوقف . ومن فروع الاستبدال لو قال على أن أبيعها بقليل أو كثير أو على أن أبيعها وأشتري بثمنها عبدا نص هلال على فساد الوقف كأنه قال على أن أبطلها ، ولو اقتصر على قوله على أن أبيعها وأشتري بثمنها أرضا جاز استحسانا ، وإذا قال على أن أستبدل أرضا أخرى ليس له أن يجعل البدل دارا ، وكذا على العكس ; ولو قال بأرض من البصرة ليس له أن يستبدل من غيرها ; لأن الأماكن قد تختلف في جودة الأرض ، وينبغي إن كانت أحسن أن لا يجوز ; لأنه خلاف إلى خير ; ولو شرط الاستبدال ولم يذكر شيئا استبدل ما شاء من العقار خاصة ، ولو باع الوقف بغبن فاحش لا يجوز البيع ; ولو قبض الثمن ثم مات ولم يبين فهو دين في تركته ، وكذا لو استهلكه ، أما لو ضاع الثمن في يده فلا ضمان عليه ، ولو اشترى بالثمن عرضا مما لا يكون وقفا فهو له والدين عليه ، ولو وهبه من المشتري صحت الهبة ويضمنه في قول أبي حنيفة ومنعه أبو يوسف . أما لو قبض الثمن ثم وهبه فالهبة باطلة اتفاقا ، ولو باعه بعرض ففي قياس قول أبي حنيفة يصح .

وقال أبو يوسف وهلال : لا يملك البيع إلا بالنص أو بأرض تكون وقفا مكانها ; وإذا باع الوقف ثم عاد إليه بما هو فسخ من كل وجه كان له أن يبيعها ثانيا ، وإن عادت بعقد جديد لا يملك بيعها ; لأنها صارت وقفا فكأنه اشترى غيرها إلا أن يكون عمم لنفسه الاستبدال ، ولو ردت بعيب بقضاء أو بغير قضاء بعد القبض أو قبل القبض بقضاء عادت وقفا ; وكذا إذا قال المشتري قبل القبض أو بعده فله أن يصنع بالأخرى ما شاء ، ولو استحقت الأولى في القياس تبقى الثانية وقفا ، وفي الاستحسان لا ; لأن الثانية كانت وقفا بدلا عن الأولى وبالاستحقاق انتقضت تلك المبادلة من كل وجه فلا تبقى الثانية وقفا ، ولو شرط لنفسه أن يستبدل فوكل به جاز ، ولو أوصى به عند موته لم يكن للوصي ذلك ; لأن في الوكالة وهو حي لو تمكن خلله أمكنه الاستبدال بخلاف الوصي ، ولو شرط الاستبدال لنفسه مع آخر على أن يستبدلا معا فتفرد بذلك الرجل لا يجوز ، ولو تفرد به الواقف جاز ; لأنه هو الذي شرطه لذلك ، وما شرط لغيره فهو مشروط له ، كما لو نصب قاضيا بلدين كل قيما كان لكل أن يتصرف وحده ، ولو أن أحد هذين القاضيين أراد أن يعزل الذي أقامه القاضي الآخر قال : إذا رأى المصلحة في ذلك كان له عزله وإلا فلا

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث