الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل إذا بنى مسجدا لم يزل ملكه عنه

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 238 ] قال ( ومن بنى سقاية للمسلمين أو خانا يسكنه بنو السبيل أو رباطا أو جعل أرضه مقبرة لم يزل ملكه عن ذلك حتى يحكم به الحاكم عند أبي حنيفة ) ; لأنه لم ينقطع عن حق العبد ; ألا ترى أن له أن ينتفع به فيسكن في الخان وينزل في الرباط ويشرب من السقاية ، ويدفن في المقبرة فيشترط حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت كما في الوقف على الفقراء ، بخلاف المسجد ; لأنه لم يبق له حق الانتفاع به فخلص لله تعالى من غير حكم الحاكم ( وعند أبي يوسف يزول ملكه بالقول ) كما هو أصله ، إذ التسليم عنده ليس بشرط والوقف لازم .

وعند محمد إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في المقبرة زال الملك ; لأن التسليم عنده شرط والشرط تسليم نوعه ، وذلك بما ذكرناه . ويكتفى بالواحد لتعذر فعل الجنس كله ، وعلى هذا البئر الموقوفة والحوض ، [ ص: 239 ] ولو سلم إلى المتولي صح التسليم في هذه الوجوه كلها ; لأنه نائب عن الموقوف عليه ، وفعل النائب كفعل المنوب عنه ، وأما في المسجد فقد قيل لا يكون تسليما ; لأنه لا تدبير للمتولي فيه ، وقيل يكون تسليما ; لأنه يحتاج إلى من يكنسه ويغلق بابه ، فإذا سلم إليه صح التسليم ، والمقبرة في هذا بمنزلة المسجد على ما قيل ; لأنه لا متولي له عرفا . وقيل هي بمنزلة السقاية والخان فيصح التسليم إلى المتولي ; لأنه لو نصب المتولي يصح ، وإن كان بخلاف العادة ، ولو جعل دارا له بمكة سكنى لحاج بيت الله والمعتمرين ، أو جعل داره في غير مكة سكنى للمساكين ، أو جعلها في ثغر من الثغور سكنى للغزاة والمرابطين . أو جعل غلة أرضه للغزاة في سبيل الله تعالى ودفع ذلك إلى وال يقوم عليه فهو جائز ، ولا رجوع فيه لما بينا إلا أن في الغلة تحل للفقراء دون الأغنياء ، وفيما سواه من سكنى الخان والاستقاء من البئر والسقاية وغير ذلك يستوي فيه الغني والفقير ، [ ص: 240 ] والفارق هو العرف في الفصلين . فإن أهل العرف يريدون بذلك في الغلة الفقراء ، وفي غيرها التسوية بينهم وبين الأغنياء ، ولأن الحاجة تشمل الغني والفقير في الشرب والنزول . والغني لا يحتاج إلى صرف هذا الغلة لغناه ، والله تعالى أعلم بالصواب .

التالي السابق


( قوله ولو بنى سقاية للمسلمين أو خانا يسكنه بنو السبيل أو رباطا ، أو جعل أرضه مقبرة لم يزل ملكه عن ذلك حتى يحكم به الحاكم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ) ولو سلمه إلى متول ( لأنه لم ينقطع حقه عنه ; ألا ترى أنه ينتفع به ) في الحال ( فله أن يسكن في الخان وينزل في الرباط ، ويشرب من السقاية ويدفن في المقبرة فيشترط حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت ) ليكون وصية فيلزم بعد الموت ، وله أن يرجع عنه قبل موته على ما مر ( كما في الوقف على الفقهاء ) بل أولى ; لأن الثابت في كل منهما لفظ ينبئ عن الخروج عن الملك كما قدمناه في وقفت وتصدقت ، وفي هذه الأمور مع ذلك ثبوت تعلق حقه انتفاعا بعين الوقف كما ذكرنا ، بخلاف الوقف على الفقراء ونحوه ( بخلاف المسجد ) لا يشترط في زواله عن ملكه حكم ولا وصية ; لأنه لم يبق له حق الانتفاع به فخلص لله عز وجل بلا حكم .

وعند أبي يوسف يزول ملكه بمجرد القول كما هو أصله . وقوله قول الأئمة الثلاثة كما مر ( وعند محمد ) لا يزول ( حتى يستقي الناس من السقاية ويسكنوا الخان والرباط ويدفنوا في المقبرة ; لأن التسليم عنده شرط ) وتسليم هذه ( بما ذكرنا ) من سكناهم الخان والرباط إلى آخره ( ويكتفى بالواحد ) في التسليم الموجب لزوال الملك ( لتعذر فعل الجنس ) أي تسلم الكل على تقدير تسليمهم ( وعلى هذا البئر ) إذا احتفره ( والحوض ) يزول الملك إذا استقى منهما واحد أو شربت دابة ، ومن ذلك ما لو أدخل قطعة أرض له في طريق المسلمين ، وجعلها طريقا يشترط فيه مرور واحد بإذنه على قول من يشترط القبض في الأوقاف وكذا القنطرة [ ص: 239 ] يتخذها للمسلمين تلزم بمرور واحد ولا يكون بناؤها ميراثا ( ولو سلم إلى المتولي صح التسليم في هذه الوجوه ) أعني السقاية والخان والرباط والمقبرة والبئر والحوض ( لأنه ) أعني المتولي ( نائب عن الموقوف عليهم ففعله ) أي تسليمه ( كفعلهم ) أي تسلمهم ( وأما في المسجد فقيل لا يكون تسليما ، وقيل يكون ) وقد قدمناه مع وجهه ، ووجه المصنف الصحة ( بأنه ) أي المسجد ( يحتاج إلى من يكنسه ويغلق بابه فإذا سلم إليه صح التسليم ) .

; لأنه متول له عرفا واختلف في المقبرة . قيل كالمسجد على القول بأنه لا يكفي في إزالة الملك عنه التسليم إلى متول ( لأنه لا متولي له ) فلا يزول الملك إلا بالدفن فيها ( وقيل كالسقاية فيصح التسليم إلى المتولي ) ( قوله ولو جعل دارا له بمكة سكنى للحاج والمعتمرين ، أو حمل داره في غير مكة سكنى للمساكين ، أو جعلها في ثغر من الثغور سكنى للغزاة والمرابطين ، أو جعل غلة أرضه للغزاة في سبيل الله ، ودفع ذلك إلى وال يقوم عليه فهو جائز ولا رجوع فيها ) أي في السقاية والمقبرة وفي الدار المسبلة عندهما للخروج عن ملكه بذلك القدر ، وهو قول الأئمة الثلاثة بلا شرط الدفع إلى المتولي كقول أبي يوسف .

وعند أبي حنيفة له أن يرجع ما لم يحكم بذلك حاكم . ثم روى الحسن عنه أنه إذا رجع بعد الدفن لا يرجع إلى المحل الذي دفن فيه ويرجع فيما سواه ، ثم إذا رجع في المقبرة بعد الدفن لا ينبشها ; لأن النبش حرام ، ولكن يسوي الأرض ويزرع ، وهذا على غير رواية الحسن .

والفتوى في ذلك كله على خلاف قول أبي حنيفة رضي الله عنه للتعامل المتوارث ، هذا وتفارق المقبرة غيرها بأنه لو كان في المقبرة أشجار وقت الوقف كان للورثة أن يقطعوها ; لأن موضعها لم يدخل في الوقف ; لأنه مشغول بها ، كما لو جعل داره مقبرة لا يدخل موضع البناء في الوقف ، بخلاف غير المقبرة فإن الأشجار والبناء إذا كان في عقار وقفه دخلت في الوقف تبعا ، ولو نبتت فيها بعد الوقف إن علم غارسها كانت للغارس ، وإن لم يعلم فالرأي فيها للقاضي إن رأى بيعها وصرف ثمنها على عمارة المقبرة فله ذلك ، وتكون في الحكم كأنها وقف .

ولو كانت قبل الوقف لكن الأرض موات ليس لها مالك فاتخذها أهل القرية مقبرة فالأشجار على ما كانت عليه قبل جعلها مقبرة . ولو أن رجلا غرس شجرة في المسجد فهي للمسجد ، أو في أرض موقوفة على رباط مثلا فهي للوقف إن قال للقيم تعاهدها ، ولو لم يقل فهي له يرفعها ; لأنه ليس له هذه الولاية ولا يكون غارسا للوقف . ولو غرس في طريق العامة أو على شط النهر العام أو [ ص: 240 ] شط الحوض القديم فهي للغارس ; لأنه ليس له ولاية جعلها للعامة ، وكذا على شط نهر القرية . ولو قطعها فنبت من عروقهما أشجار فهي للفارس ولو بنى رجل في المقبرة بيتا لحفظ اللبن ونحوه ، إن كان في الأرض سعة جاز وإن لم يرض بذلك أهل القرية ، لكن إذا احتيج إلى ذلك المكان يرفع البناء ليقبر فيه .

ومن حفر لنفسه قبرا فلغيره أن يقبر فيه وإن كان في الأرض سعة ، إلا أن الأولى أن لا يوحشه إن كان فيها سعة ، وهو كمن بسط سجادة في المسجد أو نزل في الرباط فجاء آخر لا ينبغي أن يوحش الأول إن كان في المكان سعة .

وذكر الناطفي أنه يضمن قيمة الحفر ليجمع بين الحقين ، ولا يجوز لأهل القرية الانتفاع بالمقبرة الدائرة ، فإن كان فيها حشيش يحش ويخرج إلى الدواب ولا يرسل الدواب فيها ، ثم في جميع ما ذكرناه من سكنى الخان ودار الغزاة والسقاية والاستقاء من البئر يستوي الغني والفقير ، بخلاف وقف الغلة على الغزاة فإنها تحل للفقراء دون الأغنياء منهم . قال المصنف ( والفارق ) فيه ( العرف فإن ) الواقفين من ( أهل العرف يريدون بذلك في الغلة الفقراء وفي غيرها التسوية بينهم وبين الأغنياء . ولأن الحاجة تشمل الغني والفقير في الشرب والنزول ) ; لأن الغني لا يقدر على استصحاب ما يشربه في كل مكان ، ولا على أن يشتري ذلك في كل منزلة من السفر ، وعلى هذا فيجب في الرباط أن يخص سكناه بالفقراء ; لأن العرف على أن بناء الأربطة للفقراء .



وهذان فصلان في المتولي والموقوف عليه ( الفصل الأول في المتولي )

قالوا : لا يولى من طلب الولاية على الأوقاف كمن طلب القضاء لا يقلد ، وللمتولي أن يشتري بما فضل من غلة الوقف إذا لم يحتج إلى العمارة . مستغلا ، ولا يكون وقفا في الصحيح حتى جاز بيعه . ومن سكن دار الوقف غصبا أو بإذن المتولي بلا أجرة كان على أجرة مثله سواء كان ذلك معدا للاستغلال أو غير معد له ، حتى لو باع المتولي دارا للوقف فسكنها المشتري ثم رفع إلى قاض هذا الأمر فأبطل البيع وظهر الاستحقاق للوقف كان على المشتري أجرة مثله ، وللمتولي أن يستأجر من يخدم المسجد بكنسه ونحو ذلك بأجرة مثله أو زيادة يتغابن فيها ، فإن كان أكثر فالإجارة له وعليه الدفع من مال نفسه ، ويضمن لو دفع من مال الوقف ، وإن علم الأجير أن ما أخذه من مال الوقف لا يحل له وله أن ينفق من ماله على حاجة الوقف . ولو أدخل جذعا من ماله في المسجد كان له الرجوع كالوصي إذا أنفق على الصغير ، وله أن يشتري من غلة المسجد دهنا وحصيرا وآجرا وحصا لفرش المسجد إن كان الواقف وسع فقال يفعل ما يراه مصلحة ، وإن وقف لبناء المسجد ، ولم يزد فليس له أن يشتري ذلك ، فإن لم يعرف له شرط يعمل ما عمل من قبله ، ولا يستدين على الوقف إلا إذا استقبله أمر لا بد منه فيستدين بأمر القاضي ، ويرجع في غلة الوقف .

وذكر الناطفي : وكذا له أن يستدين لزراعة الوقف وبزره بأمر القاضي ، لأن القاضي يملك الاستدانة على الوقف فصح بأمره ، بخلاف المتولي لا يملكه ، والاستدانة أن لا يكون في يده شيء فيستدين ويرجع . أما إذا كان في يده مال الوقف فاشترى ونقد من مال نفسه فإنه يرجع بالإجماع ; لأنه كالوكيل [ ص: 241 ] إذا اشترى ونقد الثمن من مال نفسه له أن يرجع وليس له أن يرهن دار الوقف ، فإن فعل وسكنها المرتهن ضمن أجرة المثل .

ولو أنفق دراهم الوقف في حاجة نفسه ثم أنفق من ماله مثلها في الوقف جاز ويبرأ عن الضمان ، ولو خلط دراهم الوقف بمثلها من ماله كان ضامنا للكل . ولو اجتمع مال الوقف ثم نابت نائبة من الكفرة فاحتيج إلى مال لدفع شرهم قال الشيخ الإمام : ما كان من غلة وقف المسجد الجامع يجوز للحاكم أن يصرفه إلى ذلك على وجه القرض إذا لم تكن حاجة للمسجد إليه .

وله أن يبني على باب المسجد ظلة لدفع أذى المطر عن الباب من مال الوقف إن كان على مصالح المسجد ، وإن كان على عمارته أو ترميمه فلا يصح ، والأصح ما قاله ظهير الدين أن الوقف على عمارة المسجد ومصالح المسجد سواء . وإذا كان على عمارة المسجد لا يشتري منه الزيت والحصير ولا يصرف منه للزينة والشرفات ، ويضمن إن فعل ، ومن وقف وقفا ولم يجعل له متوليا حتى حضرته الوفاة فأوصى إلى رجل قالوا يكون وصيا وقيما ، هذا في قول أبي يوسف ; لأن التسليم ليس بشرط فصح الوقف في حياته بلا تسليم بخلاف ما لو جعل له قيما ثم حضرته الوفاة فأوصى لا يكون هذا الوصي قيما في الوقف .

قيم مسجد مات فاجتمع أهل المسجد على جعل رجل قيما بغير أمر القاضي ، فقام وأنفق من غلات وقف المسجد في عمارته اختلف المشايخ في هذه التولية والأصح لا تصح . بل نصب القيم إلى القاضي لكن لا يضمن ما أنفق في العمارة من غلاته إذا كان أجر الوقف وأخذ الغلة فأنفق ; لأنه إذا لم يصح ولايته فإنه غاصب ، والغاصب إذا أجر المغصوب كان الأجر له ويتصدق به . كذا في فتاوى قاضي خان وأنت تعلم أن المفتى به تضمين غاصب الأوقاف ، بخلاف ما إذا كان وقف على أرباب معلومين فإن لهم أن ينصبوا متوليا من أهل الصلاح . لكن قيل الأولى أن يرفعوا أمرهم إلى القاضي لينصب لهم . وقيل بل الأولى في هذا الزمان أن لا يفعلوا وينصبوا لهم . وليس للمشرف أن يتصرف في مال الوقف بل وظيفته الحفظ لا غير ، وهذا يختلف بحسب العرف في معنى المشرف ، وللمتولي أن يفوض إلى غيره عند موته كالوصي له أن يوصي إلى غيره ، إلا أنه لو كان الواقف جعل لذلك المتولي مالا مسمى لم يكن ذلك لمن أوصى إليه بل يرفع الأمر إلى القاضي إذا تبرع بعمله ليفرض له أجر مثله إلا أن يكون الواقف جعل ذلك لكل متول ، وليس للقاضي أن يجعل للذي أدخله ما كان الواقف جعله للذي كان أدخله ; لأن للواقف في هذا ما ليس للحاكم ، وكذا إذا أخذ المتولي من مال الوقف ومات بلا بيان لا يضمن . فالأمانات تنقلب مضمونة بالموت عن تجهيل إلا في ثلاث : هذه إحداها .

والثانية إذا أودع السلطان الغنيمة عند بعض الغانمين ، ومات ولم يبين عند من أودع . والثالثة القاضي إذا أخذ مال اليتيم وأودع غيره ثم مات ولم يبين عند من أودع لا ضمان عليه ، أما لو كان القاضي أخذ مال اليتيم عنده ولم يبين حتى مات فقد ذكر هشام عن محمد أنه يضمن .

ولو قال قبل موته ضاع مال اليتيم عندي أو أنفقته عليه ، ومات لا يكون ضامنا ، أما لو مات قبل أن يقول ضمن . وكذا لو باع المتولي دار الوقف ، ومات ولم يبين أين الثمن فإنه يكون دينا في تركته ، وللناس أن يأخذوا المتولي بتسوية حائط الوقف إذا مال إلى أملاكهم ، فإن لم تكن له غلة يرفع إلى القاضي ليأمر بالاستدانة لإصلاحها ، وله أن يبني قرية في أرض الوقف للأكرة وحفاظها ، وليجمع فيها الغلة وأن يبني بيوتا يستغلها إذا كانت الأرض متصلة ببيوت المصر ليست للزراعة ، فإن كان زراعتها أصلح من الاستغلال لا يبني . وفي النوازل في إقراض ما فضل من مال الوقف قال : [ ص: 242 ] إن كان أحرز للغلة أرجو أن يكون واسعا ولا يؤجر الوقف إجارة طويلة وأكثر ما يجوز سنين ، وليس له الإقالة إلا إن كانت أصلح للوقف .

ولو زرع الواقف أو المتولي أرض الوقف وقال زرعتها لنفسي وقال المستحقون بل للوقف فالقول قوله ، وعلى الواقف والمتولي في هذا نقصان الأرض ، وليس عليهما أجر مثل الأرض ، ويقول القاضي له ازرعها للوقف ، فإن قال ليس للوقف مال أزرعها به يأمره بالاستدانة لذلك ، فإن قال لا يمكنني يقول لأهل الوقف استدينوا ، فإن قالوا لا يمكننا بل نزرع لأنفسنا لا يمكنهم ; لأن الوقف في يد الواقف فهو أحق به ، ولا يخرجه عنه إلا أن يكون غير مأمون ، ذكر هذه المسألة بفروعها في فتاوى قاضي خان وغيره .

وينعزل الناظر بالجنون المطبق إذا دام سنة نص عليه الخصاف لا إن دام أقل من ذلك . ولو عاد إليه عقله وبرأ من علته عاد إليه النظر . وللناظر أن يوكل من يقوم بما كان إليه من أمر الوقف ، ويجعل له من جعله شيئا ، وله أن يعزله ويستبدل به أو لا يستبدل ، ولو جن انعزل وكيله ويرجع إلى القاضي في النصب .

ولو أخرج حاكم قيما فمات أو عزل فتقدم المخرج إلى القاضي الثاني بأن ذلك القاضي أخرجه بلا جنحة لا يدخله ; لأن أمر الأول محمول على السداد ، ولكن يكلفه أن يقيم عنده بينة أنه أهل وموضع للنظر في هذا الوقف ، فإن فعل أعاده .

وكذا لو أخرجه لفسق وخيانة فبعد مدة أناب إلى الله وأقام بينة أنه صار أهلا لذلك فإنه يعيده ، وليس على الناظر أن يفعل إلا ما يفعله أمثاله من الأمر والنهي بالمصالح ، ويصرف الأجر من مال الوقف للعملة بأيديهم ، ولذا قلنا لو عمي أو طرش أو خرس أو فلج ، إن كان بحيث يمكنه الكلام من الأمر والنهي والأخذ والإعطاء فله الأجر الذي عينه له الواقف ; وللناظر في الوقف على الفقراء أن يعطي قوما مدة وله أن يقطعهم ويعطي غيرهم فكيف لا يدخل كثرة بحيث يحاصصونهم . وفي وقف الخصاف : أن حكم القاضي أن لا يعطي غير هذا الرجل لم يعط غيره ، وما لم يحكم بذلك له أن يعطي غيره ويحرمه ; لأن في كل منهما تنفيذ شرط الواقف ، وقد استبعدت صحة هذا الحكم ، وكيف ساغ بلا شروط حتى ظفرت في المسألة بقويلة أن هذا الحكم لا يصح ولا يلزم .



( الفصل الثاني في الموقوف عليه )

وقف على زيد ثم المساكين فرد زيد فهو للمساكين ، وكذا على زيد وعمرو فرد أحدهما أو ظهر أنه كان ميتا فنصيبه للمساكين ، وكذا إذا ردا جميعا ، ومن قبل بعد الرد لا يعود ، ومن أخذ سنة ليس له أن يرد بعد ذلك ، أما لو قال لا أقبلها سنة ، وأقبل ما سوى ذلك فإنه يجوز وحصته من هذه السنة للباقي من أهل الوقف ، ثم يشاركهم فيما بعدها ، ولو قبل سنين وسماها ليس له أن يردها بل بعدها على ولده ، وقوله على ولد فلان أبدا ما تناسلوا فرده الموجودون صار للفقراء ، فإذا جاء من بعدهم رجع من الفقراء إليهم إلا أن يردوه ، ولو رد واحد منهم فقط فالغلة كلها لمن قبل ، ويجعل من لم يقبل كالميت ، بخلاف ما لو أوصى بثلثه لولد عبد الله ، وكانوا يوم مات أربعة فرد واحد فحصته لورثة الموصي ، وهذه مما افترق فيه الوصية والوقف ، والفرق ذكره هلال وغيره . وعلى فلان وولده فرده فلان لم يعمل رده في رد ما لولده صغارا كانوا أو كبارا .

وقف على ولده ثم للمساكين فلولد صلبه يستوي فيه الذكر والأنثى إلا أن يخص صنفا ما دام واحد منهم فالكل له ، فإن لم يكن له ولد وقت الوقف بل ولد ابن كان له [ ص: 243 ] لا يشاركه من دونه من البطون ، فإن كان ابن بنت لا يدخل في ظاهر الرواية ، وبه أخذ هلال . وعن محمد يدخل وصحح ظاهر الرواية .

ثم إذا ولد للواقف ولد لصلبه رجع من ابن الابن إليه ، ولو ضم إلى الولد ولد الولد فقال على ولدي وولد ولدي ثم للمساكين اشترك فيه الصلبيون وأولاد بنيه وأولاد بناته ، كذا اختاره هلال والخصاف وصححه في فتاوى قاضي خان .

وأنكر الخصاف رواية حرمان أولاد البنات وقال : لم أجد من يقوم برواية ذلك عن أصحابنا ، وإنما روي عن أبي حنيفة فيمن أوصى بثلثه لولد زيد بن عبد الله ، فإن وجد له ولد ذكور وإناث لصلبه يوم يموت الموصي كان بينهم ، فإن لم يكن له ولد لصلبه بل ولد ولد من أولاد الذكور والإناث كان لولد الذكور دون البنات فكأنهم قاسوا على ذلك وهذه هي وزان المسألة الأولى .

وفرق شمس الأئمة بينها وبين هذه بأن ولد الولد اسم لمن ولده ولده وبنته ولده ، بخلاف قوله ولدي فإن ولد البنت لا يدخل في ظاهر الرواية ; لأن اسم ولده يتناول ولده لصلبه ، وإنما وضع في ولد ابنه ; لأنه ينسب إليه عرفا .

قال : وذكر محمد رحمه الله أن ولد الولد يتناول ولد البنت عند أصحابنا ، لكن ذكر المصنف في التجنيس أن الفتوى على ظاهر الرواية ; فقد اختلفوا في الاختيار ، والوجه الذي ذكر شمس الأئمة من صدق ولد الولد على ولد البنت صحيح من حيث اللغة ، لكن وجه ظاهر الرواية التمسك فيه بالعرف فإنه يتبادر من قول القائل ولد ولد فلان كذا ، وكذا ولد ابنه وكلام الواقفين منصرف إلى العرف فإن تخاطبهم به ، بخلاف ما إذا لم يضف إلى الولد كما يقال ولدت فلانة فإنه يقال أولدت ذكرا أو أنثى ؟ فإن هذا الاستفهام ظاهر في عدم فهم الذكر بخصوصه ، وإذا عرف الاختلاف في دخول أولاد البنات في أولاد أولادي فيجب فيما لو قال على الذكور من أولادي وأولاد أولادي إدخال ابن البنت على الخلاف لا يدخل على ظاهر الرواية ; لأنه ليس ابن ولد الولد ، وعلى الرواية الأخرى يدخل ; ثم إذا انقرض ولد الولد لا يعطي لمن بعدهم بل للفقراء ، ولو قال ولدي وولد ولدي وولد ولدي صرفت إلى أولاده أبدا ما تناسلوا ، ولا يصرف للفقراء ما كان من نسله واحد ، ويستوي الأقرب والأبعد إلا أن يرتب الواقف .

ولو قال أولادي بلفظ الجمع يدخل النسل كله كذكر الطبقات الثلاث بلفظ ولدي ، ولو قال ولدي وأولادهم وله أولاد أولاد مات آباؤهم قبل الوقف لا يدخلون مع أولاد الأولاد الموجودين ; لأنه لما قال بعد موت أولئك على أولادي فإنما أراد الموجودين ، وضمير أولادهم يرجع إليهم خاصة ، بخلاف أولادي وأولاد أولادي لا موجب لقصره على الأولاد الموجودين فتدخل أولاد الذين ماتوا من قبل معهم ، ولو قال أولادي وهم فلان وفلان وفلان وبعدهم للفقراء فمات أحد الثلاثة أعطي نصيبه للفقراء لا للباقين من إخوته ، بخلاف ما لو لم يقل فلان وفلان وفلان بل أولادي ثم الفقراء يصرف الكل للواحد إذا مات من سواه .

ولو قال على بني وله ذكران صرف إليهما ، وإن كان واحدا فله النصف والنصف الآخر للفقراء ; لأن أقل الجمع اثنان ، فإنما جعل مستحق كله اثنين . وعليه فرع ابن الفضل قوله على المحتاجين من ولدي وليس في ولده محتاج إلا واحد أن النصف له والنصف الآخر للفقراء ، غير أنه يشكل بأولادي فإنه يصرف للواحد الكل إلا أن يكون عرف في أولادي يخالف كل جمع لمادة غيره كبني والمحتاجين ونحوه مما هو جمع غير لفظ أولادي .

ونقل الخلاف بين أبي يوسف ومحمد فيما لو أعطى القيم نصيب الفقراء لواحد أجازه أبو يوسف ; لأن الفقراء لا يحصون فكان المقصود الجنس . ومعه محمد للجمعية فوجب إعطاء اثنين ، وتدخل البنات [ ص: 244 ] في قوله بني واختاره هلال . وعن أبي حنيفة اختصاص الذكورية . قال بعض المشايخ : في المسألة روايتان انتهى . والوجه الدخول لما عرف في أصول الفقه ، وعليه بنوا قول المستأمن آمنوني على بني تدخل البنات .

قال في الخلاصة : وهذا إنما يستقيم في بني أب يحصون ، أما فيما لا يحصون فيصح أن يقال هذه المرأة من بني فلان انتهى يعني فتدخل المرأة بلا تردد . ولو لم يكن له إلا بنات صرفت الغلة للفقراء ، وعلى بناتي لا تدخل الذكور ، ثم المستحق من الولد كل من أدرك خروج الغلة عالقا في بطن أمه ، حتى لو حدث ولد بعد خروج الغلة بأقل من ستة أشهر استحق ، ومن حدث إلى تمامها فصاعدا لا يستحق لأنا نتيقن بوجود الأول في البطن عند خروج الغلة فاستحق ، فلو مات قبل القسمة كان لورثته . وهذا في ولد الزوجة ، أما لو جاءت أمته بولد لأقل من ستة أشهر فاعترف به لا يستحق ; لأنه متهم في الإقرار على الغير : أعني باقي المستحقين ، بخلاف ولد الزوجة فإنه حين يولد ثابت النسب .

ولو مات الواقف من غير تخلل وقت يمكن فيه الرجوع إلى أهله فجاءت بولد لسنتين من يوم وقف استحق من كل غلة خرجت فيما بين ذلك ، وكذا لو طلقها عقيب الوقف بلا تخلل مدة كذلك ، بخلاف ما إذا كان الموت والطلاق بعد زمان يمكن فيه الرجوع لاحتمال أنه من حمل حدث ، وخروج الغلة التي هي المناط وقت انعقاد الزرع حبا . وقال بعضهم : يوم يصير الزرع متقوما ذكره في فتاوى قاضي خان . وهذا في الحب خاصة . وفي وقف الخصاف يوم طلعت الثمرة ، وينبغي أن يعتبر وقت أمانه العاهة كما في الحب ; لأنه بالانعقاد يأمن العاهة ، وقد اعتبر انعقاده . وأما على طريقة بلادنا من إجارة أرض الوقف لمن يزرعها لنفسه بأجرة تستحق على ثلاثة أقساط كل أربعة أشهر قسط ، فيجب اعتبار إدراك القسط فهو كإدراك الغلة ، فكل من كان مخلوقا قبل تمام الشهر الرابع حتى تم وهو مخلوق استحق هذا القسط ومن لا فلا ، وهذا كله بخلاف ما لو قال على أصاغر ولدي أو العميان منها أو العور فإن الوقف يختص بهم ، ويعتبر الصغر والعور والعمى يوم الوقف لا يوم الغلة ، بخلاف الوقف على ساكني البصرة مثلا وبغداد يعتبر سكنى البصرة يوم الغلة ، والأصل أن ما كان لا يزول فهو كالاسم العلم . وكذلك إذا زال على وجه لا يحتمل العود فيعتبر وجوده يوم الوقف ، بخلاف الفقر وسكنى البصرة يحتمل العود بعد الزوال .

ولو قال من خرج يسقط سهمه فخرج واحد ثم عاد لا يعود سهمه ، كما لو وقف على الأيامى على أن من تزوجت سقط سهمها فتزوجت بواحد ، ثم طلقت لا يعود إلا إن كان نص على ذلك ، وكل من مات من المستحقين إذا لم يبين الواقف حال حصته بعد موته يقسم على الباقين ، فقد تنتقض القسمة في كل سنة ويعطى الغني والفقير من الأولاد إلا أن يعين المحتاجين من ولده فيلزم ; فمن ادعى الحاجة منهم لا يعطى ما لم يثبتها عند القاضي . ولو تعارضت بينتا فقره وغناه حرم تقديما لبينة غناه ; لأنها أكثر إثباتا . ومن ولد لأقل من ستة أشهر من وقت خروج الغلة لا يستحق عند هلال ; لأنه لا يوصف بالحاجة في بطن أمه ، ولذا لم يجعل نفقة الحامل في مال من في بطنها ، واستحق عند الخصاف لأنه كان مخلوقا قبل مجيء الغلة ولا مال له ، ولو لم يكن فيهم محتاج كان للمساكين ; ومن افتقر بعد الغنى رجع إليه الكل .

وفي وقف الخصاف رحمه الله : لو اجتمعت عدة سنين بلا قسمة حتى استغنى قوم وافتقر آخرون ثم قسمت يعطى من كان فقيرا يوم القسمة ، ولا أنظر إلى من كان فقيرا وقت الغلة ثم استغنى فأعطيه ، بخلاف من لم يكن موجودا وقت القسمة لا يعطى من هذه القسمة شيئا بل مما بعدها ، وكذا [ ص: 245 ] لو خص عميان أولاده ونحوه تعينوا ، والمحتاج الذي يصرف إليه من تدفع إليه الزكاة ولا يكون له أرض أو دار يستغلها ، وإن لم تف غلتها بكفايته حتى يبيعها وينفق ثمنهما ، أو يفضل منه أقل من نصاب .

بخلاف الدار التي يسكنها وعبد الخدمة وليس الموقوف عليهم الدار سكناها بل الاستغلال ، كما ليس للموقوف عليهم السكنى الاستغلال . واعلم أنه إذا ذكر أولاده وأقاربه صح للغني والفقير منهم إلا أن يختص الفقراء كما ذكرنا . وأما غيرهم قال شمس الأئمة إذا ذكر مصرفا يستوي فيهم تنصيص على الحاجة فهو صحيح سواء كانوا يحصون أو لا يحصون ; لأن المطلوب وجه الله تعالى ومتى ذكر مصرفا يستوي فيه الأغنياء والفقراء ، فإن كانوا يحصون فذلك صحيح لهم باعتبار أعيانهم ، وإن كانوا لا يحصون فهو باطل ، إلا إن كان في لفظه ما يدل على الحاجة استعمالا بين الناس لا باعتبار حقيقة اللفظ كاليتامى فالوقف عليهم صحيح ، ويصرف للفقراء منهم دون أغنيائهم . فانبنى على هذه ما لو وقف على الرجال أو النساء أو المسلمين أو الصبيان أو على مضر أو ربيعة أو على تميم أو بني هاشم لا يجوز شيء من ذلك لانتظامه الأغنياء والفقراء مع عدم الإحصاء ، ولا مميز في الاستعمال . ونص الخصاف على أن الوقف على الزمنى والعميان والعوران باطل من قبل أن ينتظم الغني والفقير وهم لا يحصون ، وكذا على قراء القرآن وعلى الفقهاء . أو قال على أصحاب الحديث أو الشعراء كل ذلك باطل لما ذكرنا . والذي يقتضيه الضابط الذي ذكره شمس الأئمة أنه يصح على الزمنى والعميان وقراء القرآن والفقهاء وأهل الحديث ، ويصرف للفقراء منهم كاليتامى لإشعار الأسماء بالحاجة استعمالا ; لأن العمى والاشتغال بالعلم يقطع عن الكسب فيغلب فيهم الفقر ، وقد صرح في الوقف على الفقهاء باستحقاق الفقراء منهم وهو فرع الصحة ، والمسألة المذكورة في آخر فصل المسجد من الهداية تفيد ذلك ، وهي ما إذا جعل غلة أرضه وقفا على الغزاة أنه يصح ويصرف إلى فقراء الغزاة مع أن اسم الغزاة ينتظم الغني والفقير وهم لا يحصون غير أنه يشعر بالحاجة ، ونص في وقف هلال على جوازه على الزمنى ، ويدفع لفقرائهم .

وصرح في وقف الخصاف بصحة الوقف على أرامل بني فلان ، وأنه لكل أرملة كانت يوم الوقف أو حدثت سواء كن يحصين أو لا ، وهو للفقراء منهن إذا كانت بالغة ، فمن أعطي منهن أجزأ . والأرملة المستحقة : كل بالغة كان لها زوج وطلقها أو مات . وخالفوا في الأيامى ، فإذا وقف على أيامى بني فلان وبعدهن للمساكين أو أيامى قرابتي إن كن يحصين ، فالوقف جائز وغلته للغنية والفقيرة ، وإن كن لا يحصين لم يجز الوقف فيكون للمساكين والأيم المستحقة : كل أنثى جومعت ولو بفجور ولا زوج لها بالغة أو لا . ولو قال على كل ثيب من بني فلان أو من قرابتي فإن كن يحصين جاز لهن ولكل من يحدث منهن ، وإن كن لا يحصين ; في وقت قسمة من القسم فهو باطل والغلة للمساكين . والثيب : كل من جومعت ولو بفجور ولها زوج أو لا وإن لم تبلغ ، ولأبكار قرابتي أو بني فلان . فإن كن يحصين فهو لهن ولمن يحدث أبدا ، وإن كن لا يحصين فالوقف عليهن باطل وهو للمساكين .

والبكر : من لم تجامع وإن كانت العذرة زائلة . وفي كل ما لا يحصى ممن ذكرنا أنه لا يصح معه الوقف لو قيد فقال للفقراء منهن جاز ، ومن أعطى أجزأ كالوقف على الأقارب . وقف على أهل بيته ثم المساكين دخل الغني والفقير ممن يناسبه إلى الأب الذي أدرك الإسلام أسلم ذلك الأب أو لا ممن كان موجودا حال الوقف أو حدث بعد ذلك من الرجال والنساء والصبيان لأقل من ستة أشهر من مجيء الغلة ، ولو كانوا مرقوقين لقوم أو كفار أو ذميين ، ولا يدخل في ذلك الأب ويدخل [ ص: 246 ] أبو الواقف وأجداده وولده لصلبه وأولاد الذكور منهم وإن سفلوا ، ولا تدخل أبناء البنات من ولده إلا إذا كان آباؤهم ممن يناسبه إلى ذلك الجد الذي أدرك الإسلام ، ولا يدخل الواقف ولا أولاد عماته ولا أولاد أخواته إذا كان آباؤهم من قوم آخرين .

وقوله على آلي وجنسي كأهل بيتي ولا يخص الفقراء منهم إلا إن خصهم ، وقوله على الفقراء منهم وعلى من افتقر منهم سواء ، حيث يكون لمن يكون فقيرا وقت الغلة وإن كان غنيا وقت الوقف ، ولا يتقيد بمن كان غنيا فافتقر على الصحيح . ولو وقف على قرابته فهو لمن يناسبه إلى أقصى أب في الإسلام من قبل أبيه ، أو إلى أقصى أب له في الإسلام من قبل أمه ، لكن لا يدخل أبو الواقف ولا أولاده لصلبه .

وفي دخول الجد روايتان . وظاهر الرواية لا يدخل ، ويدخل أولاد البنات وأولاد العمات والخالات والأجداد الأعلون والجدات ورحمي وأرحامي وكل ذي نسب مني كالقرابة . وعلى عيالي يدخل كل من كان في عياله من الزوج والولد والجدات ، ومن كان يعوله من ذوي الرحم وغير ذوي الرحم . وإذا عرف هذا ، فلو قال على أهل بيتي فإذا انقرضوا فعلى قرابتي فهو صحيح وتصرف بعدهم لمن يناسبه من قبل أبيه ، ولو عكس فقال على قرابتي فإذا انقرضوا فعلى أهل بيتي لم يصح ، ومثله لو قال على إخوتي فإذا انقرضوا فعلى إخوتي لأبي ، وله إخوة متفرقون إذ بعد انقراض الكل لا يبقى له أخ فيكون بعد انقراضهم للمساكين وعلى جيرانه يجوز ، ثم هم عند أبي حنيفة رضي الله عنه الملاصقون فهو لجميع من في كل دار لاصقته من الأحرار ، ولو كانوا أهل ذمة والعبيد بالسوية قربت الأبواب أو بعدت . وعند أبي يوسف هم الذين تجمعهم محلة واحدة أو مسجد واحد ، فإن جمعتهم محلة واحدة وتفرقوا في مسجدين فهي محلة واحدة إن كان المسجدان صغيرين متقاربين ، فإن تباعدا وكان مسجدا عظيما جامعا فكل أهل مسجد جيران دون الآخرين .

وقال محمد : هم الملازقون السكان سواء كانوا مالكين للدار أو لا ، وسيأتي بقية هذا إن شاء الله تعالى ، ولا يدخل الأرقاء ومن انتقل من الجوار على الخلاف في الجار بطل حقه من الوقف .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث