الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل اشترى شيئا مما ينقل ويحول

جزء التالي صفحة
السابق

قال ( والتصرف في الثمن قبل القبض جائز ) لقيام المطلق وهو الملك وليس فيه [ ص: 519 ] غرر الانفساخ بالهلاك لعدم تعينها بالتعيين ، بخلاف المبيع ، قال ( ويجوز للمشتري أن يزيد للبائع في الثمن ويجوز للبائع أن يزيد للمشتري في المبيع ، ويجوز أن يحط من الثمن ويتعلق الاستحقاق بجميع ذلك ) فالزيادة والحط يلتحقان بأصل العقد عندنا ، وعند زفر والشافعي رحمه الله لا يصحان على اعتبار الالتحاق ، بل على اعتبار ابتداء الصلة ، لهما أنه لا يمكن تصحيح الزيادة ثمنا ; لأنه يصير ملكه عوض ملكه فلا يلتحق بأصل العقد ، وكذا الحط ; لأن كل الثمن صار مقابلا بكل المبيع فلا يمكن إخراجه فصار برا مبتدأ ، ولنا أنهما بالحط والزيادة يغيران العقد من [ ص: 520 ] وصف مشروع إلى وصف مشروع وهو كونه رابحا أو خاسرا أو عدلا ، ولهما ولاية الرفع فأولى أن يكون لهما ولاية التغير ، وصار كما إذا أسقطا الخيار أو شرطاه بعد العقد ، ثم إذا صح يلتحق بأصل العقد ; لأن وصف الشيء يقوم به لا بنفسه ، بخلاف حط الكل ; لأنه تبديل لأصله لا تغيير لوصفه فلا يلتحق به ، وعلى اعتبار الالتحاق [ ص: 521 ] لا تكون الزيادة عوضا عن ملكه ، ويظهر حكم الالتحاق في التولية والمرابحة حتى يجوز على الكل في الزيادة ويباشر على الباقي في الحط وفي الشفعة حتى يأخذ بما بقي في الحط ، وإنما كان للشفيع أن يأخذ بدون الزيادة لما في الزيادة [ ص: 522 ] من إبطال حقه الثابت فلا يملكانه ، ثم الزيادة لا تصح بعد هلاك المبيع على ظاهر الرواية ; لأن المبيع لم يبق على حالة يصح الاعتياض عنه والشيء يثبت ثم يستند ، بخلاف الحط لأنه بحال يمكن إخراج البدل عما يقابله فيلتحق بأصل العقد استنادا .

التالي السابق


( قوله والتصرف في الثمن قبل القبض جائز ) بالبيع والهبة والإجارة والوصية سواء كان مما يتعين أو لا يتعين عندنا سوى بدل الصرف والسلم ; لأن الملك مطلق ، وكان القياس ذلك أيضا في المبيع إلا أنه [ ص: 519 ] منع بالنص لغرر الانفساخ ، وليس في الثمن ذلك ; لأنه إذا هلك الثمن المعين لا ينفسخ البيع وتلزمه قيمته وسائر الديون كالثمن لعدم الغرر بعدم الانفساخ بالهلاك كالمهر والأجرة وضمان المتلفات وغيرها .

واستثناء السلم ; لأن للمقبوض حكم عين المبيع ، والاستبدال بالمبيع قبل القبض لا يجوز ، وكذا في الصرف وأيده السمع وهو ما في السنن الأربعة عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال { كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يدخل حجرته فأخذت بثوبه فسألته فقال : إذا أخذت واحدا منها بالآخر فلا يفارقك وبينك وبينه بيع ، فإن هذا بيع الثمن الذي في الذمة قبل قبضه بالنقد المخالف له } ، وقد صححه الحاكم والدارقطني ، وقول الترمذي لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث سماك لا يضره وإن كان شعبة ، قال حدثني قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر لم يرفعه ، وحدثني داود بن أبي هند عن سعيد بن جبير عن ابن عمر لم يرفعه ، وحدثني فلان أراه أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر لم يرفعه ، ورفعه سماك وأنا أهابه ; لأن المختار في تعارض الرفع والوقف تقديم الرفع ; لأنه زيادة والزيادة من الثقة مقبولة ; ولأن الظاهر من حال ابن عمر وشدة اتباعه للأثر أنه لم يكن يقتضي أحد النقدين عن الآخر مستمرا من غير أن يكون عرفه عنه صلى الله عليه وسلم ، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يفارقه وبينهما بيع معناه دين من ذلك البيع ; لأنه صرف فمنع النسيئة فيه ، وأما الميراث فالصرف فيه جائز قبل القبض ; لأن الوارث يخلف المورث في الملك وكان للميت ذلك التصرف ، فكذا للوارث وكذا الموصى له ; لأن الوصية أخت الميراث .

( قوله ويجوز للمشتري أن يزيد للبائع في الثمن ، ويجوز للبائع أن يزيد للمشتري في المبيع ويجوز أن يحط من الثمن ) وسنذكر شرط كل منهما ( ويتعلق الاستحقاق بجميع ذلك ) من المزيد عليه والزيادة حتى كان للبائع حبس المبيع إلى أن يستوفي الزيادة إذا كان الثمن حالا ، وليس للمشتري أن يمنع الزيادة ولا مطالبة البائع بتسليم المبيع قبل إعطائها ، ولو سلمها ثم استحق المبيع رجع بها مع أصل الثمن ، وفي صورة الحط للمشتري مطالبة البائع بتسليم المبيع إذا سلم الباقي بعد الحط ( وعند زفر والشافعي رحمهما الله لا يصحان ) أي الزيادة والحط ( على اعتبار الالتحاق ) بأصل العقد ( بل الزيادة بر مبتدأ [ ص: 520 ] من البائع والمشتري ) والحط إبراء من بعض الثمن متى رده يرتد ، وجه قولهما أن المبيع دخل في ملك المشتري بالقدر الأول ، فلو التحق العقد صار ملكه وهو ما زاده بدلا عن ملكه وهو المبيع .

وكذا الثمن دخل في ملك البائع فلو جازت الزيادة في المبيع كان المزيد عوضا عن ملكه : أعني الثمن ، قلنا : إنما يكون ما ذكرتم لو التحقا بالعقد مع عدم تغييره ، لكنا إنما قلنا إنهما بالزيادة والحط غيرا العقد عن وجهه الأول وهو كونه بذلك المقدار إلى كونه [ ص: 521 ] بهذا المقدار ، ورأينا الشرع أثبت لهما ولاية تحويل العقد من صفة إلى صفة ومن وجوده بعد تحققه في الوجود إلى إعدامه بلا سبب سوى اختيارهما .

أما الأول فتحويله من عدم اللزوم إلى اللزوم بإسقاط الخيار وعكسه بإلحاق الخيار ، وكذا من كونه حالا إلى مؤجل بإلحاق الأجل كما سنذكر في تأجيل الثمن الحال عندنا ، وأما الثاني فبالإقالة وهي تعيده إلى قديم الملك فأولى أن يثبت لهما تغييره من وصف كونه رابحا إلى خاسرا أو خاسرا إلى رابح ، وإلى كونه عدلا ، وثبت صحة الحط شرعا في المهر بقوله تعالى { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } فبين أنهما إذا تراضيا بعد تقدير المهر على حط بعضه أو زيادته جاز ، وإذا ثبت تصحيح ذلك لزم الالتحاق بأصل العقد ضرورة إذ تغييره يوجب كونه عقدا بهذا القدر فبالضرورة يلتحق ذلك به إذ وصف الشيء يقوم به ، بخلاف ما لو حط الكل ; لأنه تبديل لأصله إذ يصير البدل الآخر هبة فيخرج عن كونه عقد معاوضة إلى عقد التبرع فلا يلحق به .

وإذا ثبت الالتحاق انتفى قولهم : الزيادة عوض عن ملكه إلى آخر ما ذكرا ( ويظهر حكم الالتحاق في التولية والمرابحة فتجوز ) المرابحة ( على الكل ) من الأصل والزائد ، ويجب أن يرابح على المبيع الأول وما زاده البائع مبيعا لا الأول فقط ، وكذا التولية ( ويباشر ) العقد في المرابحة والتولية ( على الباقي ) بعد الحط ( و ) كذا ( في الشفعة حتى يأخذها ) الشفيع ( بالباقي ) فقط ، فإن قيل : لو التحقا لزم أن يأخذها الشفيع في صورة الزيادة بالمجموع من الأصل والزائد وهو منتف بل لا يأخذ إلا بدون الزيادة ، أو يقال فلم فرقتم بين الحط والزيادة بالنسبة إلى الشفيع ؟ أجاب بقوله ( وإنما كان للشفيع أن يأخذها ) في صورة الزيادة ( بدون الزيادة لما في الزيادة [ ص: 522 ] من إبطال حقه الثابت ) قبلها ، فإن بمجرد العقد الأول تعلق حقه بأخذها بما وقع عليه التراضي الأول وعقد به ، والزيادة بعد ذلك في الثمن تصرف حادث منهما يبطل حقه فلا ينفذ تصرفهما ذلك عليه ، ثم شرع يذكر شرط الزيادة والحط .

فقال : ( ثم الزيادة ) إلى آخره : يعني أن شرطها قيام المبيع في ظاهر الرواية ; فلو هلك حقيقة بأن مات العبد أو الدابة أو حكما بأن أعتقه أو دبره أو كاتبه أو استولدها أو باع أو وهب وسلم أو آجر أو رهن ثم باعه من المستأجر والمرتهن أو طبخ اللحم أو طحن الحنطة ، أو نسج الغزل أو تخمر العصير أو أسلم مشتري الخمر ذميا لا تصح الزيادة لفوات محل العقد ، إذ العقد لم يرد على المطحون والمنسوج ولهذا يصير الغاصب أحق بها إذا فعل في المغصوب ذلك ، وكذا الزيادة في المهر شرطها بقاء الزوجية ، فلو زاد بعد موتها لا تصح ، بخلاف ما لو ذبح الشاة المبيعة ثم زاد حيث تثبت الزيادة ، وكذا إذا آجر أو رهن أو خاط الثوب أو اتخذ الحديد سيفا أو قطع يد المبيع فأخذ المشتري أرشه حيث تثبت الزيادة في كل هذه ، وإنما لم تثبت فيما ذكرنا من صور الهلاك ( لأنه لم يبق على حال يصح الاعتياض عنه ) والالتحاق وإن كان يقع مستندا فالمستند لا بد أن يثبت أولا في الحال ثم يستند ، وثبوته متعذر لانتفاء المحل فتعذر استناده فلا يثبت كالبيع الموقوف لا ينبرم بالإجازة إذا كان المبيع هالكا وقتها ( قوله : على ظاهر الرواية ) احتراز عما روى الحسن في غير رواية الأصول عن أبي حنيفة أن الزيادة تصح بعد هلاك المبيع كما يصح الحط بعد هلاكه .

وفي المبسوط : وكذا إذا كانت الزيادة من الأجنبي وضمنها ; لأنه التزمها عوضا ، وهذا الالتزام صحيح منه وإن لم يملك شيئا بمقابلته كما لو خالع امرأته مع أجنبي أو صالح مع الأجنبي من الدين على مال وضمنه صح وإن لم يملك الأجنبي شيئا بمقابلته هذا في زيادة الثمن ، فأما الزيادة في المبيع ففي جمع التفاريق تجوز الزيادة في المبيع بعد هلاك المبيع ، وهكذا ذكر في المنتقى وتكون لها حصة من الثمن ، حتى لو هلكت قبل القبض سقطت حصتها من الثمن ( بخلاف الحط ) فإنه يصح بعد هلاك المبيع ; لأن المبيع بعد الهلاك بحيث يمكن حط ( البدل ) أي الثمن ( عما يقابله ) وحاصله إخراج القدر المحطوط عن أن يكون ثمنا ، فإنما يشترط فيه قيام الثمن دون المبيع ، والثمن باق فيثبت الحط ملتحقا بأصل العقد ألا ترى أنه يصح الحط بسبب العيب بعد الهلاك ؟ فإنه يرجع بالنقصان وبه يكون الثمن ما سوى ما رجع به ، فإسقاط عوض المعدوم يصح والاعتياض عنه لا يصح .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث