الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيان الهبة وأحكامها وما يتعلق بها

جزء التالي صفحة
السابق

وبطلت إن تأخر لدين محيط ، [ ص: 183 ] أو وهب لثان وجاز أو أعتق الواهب أو استولد ولا قيمة أو استصحب هدية ، أو أرسلها ثم مات ، [ ص: 184 ] أو المعينة له ، إن لم يشهد [ ص: 185 ] كأن دفعت لمن يتصدق عنك بمال ولم تشهد

التالي السابق


( وبطلت ) الهبة ( إن ) بكسر فسكون ( تأخر ) بفتحات مثقلا حوزها ( ل ) حصول ( دين محيط ) بمال الواهب . الحط يعني أن الهبة تبطل إذا تأخر الحوز حتى أحاط الدين بمال الواهب ، ظاهره ولو كان الدين حادثا بعد الهبة وهو أحد القولين ، وعليه اقتصر ابن الحاجب . فيها لابن القاسم رحمه الله تعالى كل صدقة أو حبس أو نحلة أو عمرى أو عطية أو هبة لغير ثواب في الصحة يموت معطيها أو يفلس أو يمرض قبل حوز ذلك فهي باطلة [ ص: 183 ] إلا أن يصح المريض فتحاز عنه بعد ذلك ، ويقضى للمعطى بقبضها إن منعه معطيها . ابن يونس مطرف وابن الماجشون إذا أدان المعطي ما أحاط بماله وبالصدقة فالدين أولى والعطية باطلة والصدقة بيوم قبضها لا بيوم يتصدق بها خلافا لأصبغ .

( أو ) إن تأخر حوزها حتى ( وهب ) الواهب الشيء الذي وهبه ( ل ) شخص ( ثان ) غير الموهوب له الأول ( وحاز ) الهبة الموهوب له الثاني فقد بطلت هبتها للأول عند أشهب ومحمد وأحد قولي ابن القاسم وظاهره علم الأول بالهبة له وفرط في حوزها أو لا مضى من الزمان ما يمكن فيه الحوز أم لا وهو كذلك .

( أو أعتق ) الواهب الرقيق الموهوب قبل حوزه الموهوب له ، سواء علم الموهوب له أم لا كان العتق ناجزا أو لأجل أو كتابة أو تدبير ( أو استولد ) الواهب الأمة قبل حوزها الموهوب له . فيها ومن وهب عبدا أو تصدق به على رجل أو أخدمه إياه حياته ثم أعتقه المعطي قبل حوز المعطى جاز العتق وبطل ما سواه علم المعطى بالهبة أو بالصدقة أو لم يعلم . قال في كتاب محمد وكذلك لو كانت أمته فأحبلها قبل الحيازة ، وكذلك في العتبية قيل له فهل تؤخذ منه قيمة الأمة ، قال لعل ذلك أن يكون ، وفي رواية أصبغ بمنزلة العتق . وفي المدونة ولو لم يعتقه ووهبه لآخر أو تصدق به عليه الأول أحق به وإن حازه الآخر ما لم يمت الواهب . أشهب بل الثاني أحق به إذا حازه ولو لم يمت الواهب وبه أخذ محمد عن ابن القاسم أنه إن تصدق به أو وهبه لآخر والأول عالم فلا شيء له إذا حازه الآخر وإن لم يعلم فهو أولى ما لم يمت الواهب .

( ولا قيمة ) الموهوب له على الواهب في المسائل الثلاثة . وقال الشارح في العتق والاستيلاد ( أو استصحب ) الواهب ( هدية ) لشخص في بلد آخر كمكة المشرفة فمات الواهب قبل دفعها للموهوب له فتبطل الهدية وترجع لورثته لموته قبل حوزها عنه ( أو أرسلها ) أي المهدي الهدية مع رسول للمهدى له ( فمات ) المهدي قبل أن يدفعها الرسول [ ص: 184 ] للمهدى له فتبطل لذلك ( أو ) مات الموهوب له ( المعينة ) بضم الميم وفتح العين والتحتية مثقلة الهدية ( له ) قبل أن يحوزها فتبطل ، سواء استصحبها المهدي أو أرسلها له مع رسول ( إن لم يشهد ) بضم فسكون فكسر المهدي على أنه أهدى ما استصحبه أو أرسلها إلى المهدى إليه المعين ، وترجع للمهدي إن كان حيا ولورثته إن كان ميتا لعدم الحوز قبل الموت إن مات المهدي وعدم القبول قبله إن مات المهدى له ، ومفهوم الشرط أنه إن كان أشهد على ذلك فلا تبطل بموت المهدي ولا بموت المهدى له ، وتدفع للمهدى له أو لورثته . فيها للإمام مالك " رضي الله عنه " من بعث بهدية أو صلة لرجل غائب ثم مات المعطي أو المعطى له قبل وصولها ، فإن كان المعطي أشهد على ذلك حين بعث بها فهي للمعطى له أو لورثته وإن لم يشهد عليها حين بعثها فأيهما مات قبل أن تصل فهي ترجع إلى الباعث أو إلى ورثته . وفي كتاب ابن المواز من مات منهما أولا رجع ذلك إلى ورثة الميت . ابن يونس وهذا أبين ; لأن الصدقة إنما تبطل بموت المتصدق لا بموت المتصدق عليه ، وقد قال مالك " رضي الله عنه " في المدونة في باب آخر أن كل من وهب هبة لرجل فمات الموهوب له قبل أن يقبض هبته فورثته مكانه يقبضون هبته وليس للواهب منع ذلك . محمد قال الإمام مالك " رضي الله عنه " ولو أشهد الباعث أنها هدية لفلان ثم طلب استرجاعها من الرسول قبل أن يخرج بها فليس ذلك له ، وقد يقال معنى ما في الكتاب هنا أن الباعث قال إنما تصدقت بها صلة للمبعوث إليه بعياله إن وجد حيا فيصدق ، إذ لا يلزمه إلا ما أقر به من معروفه ، إذ لم يشهد على أصله ، فيلزمه بظاهر فعله وقوله قاله عياض في تنبيهاته .

( تنبيه )

البناني الصواب أو مات هو أو المعينة هي له بالإبراز فيهما لعطف الظاهر على الضمير في الأول ولأن صلة أل في الثاني رفعت ضميرها وفي الألفية :

وإن يكن ما رفعت صلة أل ضمير غيرها أبين وانفصل

[ ص: 185 ] وشبه في البطلان بموت المعطي بالكسر قبل قبض المعطى له فقال ( كأن ) بفتح الهمز وسكون النون حرف مصدري مقرون بكاف التشبيه صلته ( دفعت ) بفتح التاء ( لمن ) أي شخص مالا ( يتصدق ) المدفوع له ( عنك ب ) ذلك الـ ( مال ) على الفقراء مثلا وأنت صحيح ( ولم تشهد ) بضم فسكون فكسر على ذلك ، فإن مت أيها الدافع قبل قبض الفقراء المال بطلت الصدقة ورجعت لورثتك ، وإن مت بعد قبضهم جميعها مضت وتمت ، وإن مت بعد قبضهم بعضها وقبل قبض باقيها فما قبضوه مضى وما بقي بطلت الصدقة به ، ورجع لورثتك ، ومفهوم ولم تشهد أنك إن أشهدت على ذلك فلا تبطل الصدقة بموتك قبل قبضها وهو كذلك . فيها للإمام مالك " رضي الله عنه " فيمن دفع في صحته مالا لشخص يفرقه على الفقراء أو في سبيل الله ثم مات المعطي قبل إنفاذه فإن كان أشهد حين دفعه لمن يفرقه نفذ ما فات منه وما بقي وهو من رأس المال . ابن القاسم وإن لم يشهد حين دفعه نفذ ما فات ورد ما بقي إلى ورثة المعطي ، وإن تصدق على رجل بمال وجعله على يد غيره فلم يقبض الرجل صدقته حتى مات المتصدق صحت الصدقة إلا إن كان المتصدق قال للرجل لا تدفعها له إلا بإذني ، وأما المريض فكل ما فعله فهو في ثلثه أشهد أو لم يشهد ، ففي المدونة وكل صدقة أو حبس أو هبة أو عطية بتلها مريض لرجل بعينه أو للمساكين فلم تخرج من يده حتى مات فذلك نافذ من ثلثه كوصاياه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث