الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل تعجيل الزكاة قبل الحول

جزء التالي صفحة
السابق

وهل لولي رب المال أن يعجل زكاته ؟ فيه وجهان ( م 14 ) ولا يصح التعجيل قبل تمام النصاب ( و ) بلا خلاف نعلمه ، قاله في المغني ومنتهى الغاية ، وزاد : فيسترجع إن أعلم الفقير بالتعجيل وإلا كانت تطوعا ولم يسترد منه ، [ ص: 573 ] وسواء عجل زكاته أو زكاة نصاب ، ويجوز لعامين ، لقصة العباس ، ولأنه عجلها بعد سببها وعنه : لا ; لأن حولها لم ينعقد ، كتعجيلها قبل تمام نصابها . والنصاب سبب لزكاة واحدة لا لزكوات ، للإجحاف برب المال ، فعلى الأولى : لا يجوز له لثلاثة أعوام فأكثر . قال ابن عقيل : لا تختلف الرواية فيه ، اقتصارا على ما ورد . وعنه يجوز ( و هـ ق ) لما سبق وكتقديم الكفارة قبل مدة الحنث ، بأعوام وإذا قلنا تعجل لعامين فعجل عن أربعين شاة شاتين من غيرها جاز ، ومنها : لا يجوز عنهما ، وينقطع الحول ، وكذا لو كان التعجيل لشاة واحدة عن الحول الثاني وحده ; لأن ما عجله منه للحول الثاني زال ملكه عنه فنقص به . ولو قلنا : يرتجع ما عجله ; لأنه تجديد ملك ، فإن ملك شيئا استأنف الحول من الكمال .

وقيل : إن عجل شاتين من الأربعين أجزأ عن الحول الأول إن قلنا يرجع ، وإن عجل واحدة منها وأخرى من غيرها جاز ، جزم به في منتهى الغاية ، [ ص: 574 ] لأن نقص النصاب بتعجيل قدر ما يجب عند الحول لا يمنع .

وقال الشيخ : تجزئ واحدة عن الحول الأول فقط ، وإن ملك نصابا فعجل زكاة نصابين من جنسه أو أكثر من نصاب أجزأ عن النصاب دون الزيادة ، نص عليه ( و ش ) ; لأنه عجل زكاة مال لم يملكه ، فلم يوجد السبب كما في النصاب الأول ، أو من غير جنسه ، وعنه : يجزئ عن الزيادة أيضا ، لوجود سبب الزكاة في الجملة ، ويتوجه منها احتمال تخريج : يضمه إلى الأصل في حول الوجوب ، فكذا في التعجيل ( و هـ ) وصاحبيه ، ولهذا اختار في الانتصار : يجزئ عن المستفاد من النصاب فقط . وقيل به إن لم يبلغ المستفاد نصابا ; لأنه يتبعه في الوجوب والحول ، كموجود ، وإذا بلغه استقل بالوجوب في الجملة لو لم يوجد الأصل ، ولو عجل عن خمس عشرة وعن نتاجها بنت مخاض فنتجت مثلها فالأشهر لا تجزئه ، ويلزمه بنت مخاض ، وهل له أن يرتجع المعجلة ؟ على وجهين ( م 15 ) فإن جاز فأخذها ثم دفعها إلى الفقير جاز ، وإن اعتد بها قبل أخذها فلا ; لأنها على ملك الفقير ، ولو عجل مسنة عن ثلاثين بقرة ونتاجها فالأشهر لا تجزئه عن الجميع ، بل عن ثلاثين ، وليس له ارتجاعها ، ويخرج للعشر ربع مسنة . [ ص: 575 ] وعلى قول ابن حامد يخير بين ذلك وبين ارتجاع المسنة ويخرجها أو غيرها عن الجميع ، ولو عجل عن أربعين شاة شاة ، ثم أبدلها بمثلها ، أو نتجت أربعين سخلة ، ثم ماتت الأمات ، أجزأ المعجل عن البدل والسخال ; لأنها تجزئ مع بقاء الأمات عن الكل ، فعن أحدهما أولى . وذكر أبو الفرج وجها : لا تجزئ ; لأن التعجيل كان لغيرها ، فعلى الأول لو عجل شاة عن مائة شاة أو تبيعا عن ثلاثين بقرة ثم نتجت الأمات مثلها وماتت أجزأ المعجل عن النتاج ; لأنه يتبع في الحول . وقيل : لا ; لأنه لا يجزئ مع بقاء الأمات ، فعلى الأول لو نتجت نصف الشاة مثلها ثم ماتت أمات الأولاد أجزأ المعجل عنها ، وعلى الثاني تجب شاة ، جزم به الشيخ ; لأنه نصاب لم يزكه ، وجزم في منتهى الغاية بنصف شاة ; لأنه قسط السخال من واجب المجموع ، ولم يصح التعجيل عنها .

وقال أبو الفرج : لا يجب شيء ، قال ابن تميم : وهو أشبه بالمذهب ، ولو نتجت نصف البقر مثلها ثم ماتت الأمات أجزأ التعجيل ، جزم به الشيخ ; لأن الزكاة وجبت في العجول تبعا لأماتها ، وجزم في منتهى الغاية : على الثاني نصف تبيع بقدر قيمتها ، قسطها من الواجب ، ولو عجل عن أحد نصابيه وتلف لم يصرفه إلى الآخر ( و ) كما لو عجل شاة عن خمس من الإبل فتلفت وله أربعون شاة لم يجزئه عنها . وفي تخريج القاضي : من له ذهب وفضة وعروض فعجل عن جنس منها ثم تلف صرفه إلى الآخر ، ومن له ألف درهم ، وقلنا يجوز التعجيل لعامين ، وعن الزيادة قبل حصولها ، فعجل خمسين وقال : إن ربحت ألفا قبل الحول فهي [ ص: 576 ] عنها وإلا كانت للحول الثاني ، جاز ، كإخراجه عن مال غائب إن كان سالما وإلا فعن الحاضر ; لأنه لا يشترط تعيين المخرج عنه . ومن عجل عن ألف يظنها له فبانت خمسمائة أجزأ عن عامين .

[ ص: 572 ]

التالي السابق


[ ص: 572 ] مسألة 14 ) قوله : وهل لولي رب المال أن يعجل زكاته ؟ فيه وجهان ، انتهى ، وأطلقهما في الرعايتين ومختصر ابن تميم والحاوي الكبير والفائق ، أحدهما يجوز ، قدمه في تجريد العناية ، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب هنا ، قال ابن تميم : وهو ظاهر كلامه ، والوجه الثاني : لا يجوز ، وهو الصواب ، وصححه ابن نصر الله في حواشيه ، وهو ظاهر كلام جماعة في باب الحجر ، حيث قالوا : يجب عليه أن يعمل ما فيه الأحظ في ماله ( قلت ) : ويحتمل قول ثالث ، وهو ما إذا حصل فائدة أو قحط وحاجة شديدة فإنه يجوز وإلا فلا ، وهو أقوى من الوجه الأول والله أعلم . [ ص: 574 ]

( مسألة 15 ) قوله : ولو عجل عن خمس عشرة وعن نتاجها بنت مخاض فنجت مثلها فالأشهر لا تجزئه ويلزمه بنت مخاض ، وهل له أن يرتجع المعجلة ؟ على وجهين ، انتهى ، وأطلقهما المجد في شرحه ، وابن تميم ، وابن حمدان في الرعاية الكبرى ، إحداهما له أن يرتجعها ( قلت ) : وهو الصواب ، والوجه الثاني ليس له ذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث