الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          قال شيخنا ، وإعطاء السؤال فرض كفاية إن صدقوا ، ولهذا جاء في الحديث { لو صدق لما أفلح من رده } وقد استدل الإمام أحمد بهذا ، وأجاب بأن السائل إذا قال : أنا جائع ، وظهر صدقه ، وجب إطعامه ، وهذا من تأويل قوله تعالى { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } وإن ظهر كذبهم لم يجب إعطاؤهم ، ولو سألوا مطلقا لغير معين لم يجب إعطاؤهم ولو أقسموا ; لأن إبرار القسم إنما هو إذا أقسم على معين ، وما ذكره شيخنا من الخبر هو من حديث أبي أمامة : { لولا أن المساكين يكذبون ما أفلح من ردهم } ولم أجده في المسند والسنن الأربعة ، وإسناده ضعيف ، قال أحمد في رواية مهنا : ليس بصحيح . وإطعام الجائع ونحوه واجب ( ع ) مع أنه ليس في المال حق سوى الزكاة . وعن ابن عباس مرفوعا { إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم } وعن أبي هريرة مرفوعا { إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك } رواه ابن ماجه والترمذي وقال : حسن غريب . وعن ابن عمر في قوله { والذين يكنزون الذهب والفضة } إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال . [ ص: 593 ] رواه البخاري تعليقا ، ولمالك هذا المعنى ، وكذا عن ابن عباس رواه سعيد ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة { ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته } وذكر عقابه . وفيهما أيضا من حديثه { من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته } وذكر عقابه وأنه يقول له { أنا مالك أنا كنزك } قال القرطبي : اتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها ، قال ( م ) يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم ، وهذا ( ع ) أيضا ، قاله القرطبي ، واختار الآجري أن في المال حقا سوى الزكاة ، وهو قول جماعة من العلماء ، قال : نحو مواساة قرابة وصلة إخوان وإعطاء سائل وإعارة محتاج دلوها ، وركوب ظهرها ، وإطراق فحلها وسقي منقطع حضر حلابها حتى يروى .

                                                                                                          وسبق حديث جابر آخر زكاة السائمة ، فالعمل به مقتصرا عليه أولى . وقد قيل في موضع : إنه يتعين فيه المواساة ، وهذا يبطل فائدة التخصيص ، وقد قيل : إنه يحتمل أنه قبل وجوب الزكاة ، وهذا ضعيف إن كانت الزكاة مكية ، وإن كانت مدنية ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة { ومن حقها حلبها يوم ورودها } والزكاة وجبت قبل إسلام أبي هريرة بسنتين ، بلا شك ، وهذا أخص من حديثه إن صح { إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك } والله أعلم . وسبق كلام القاضي في زكاة الحلي ، وذكر القاضي عياض المالكي أن الجمهور قالوا : إن الحق أن الآية المراد بها الزكاة ، وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة ، وما جاء غير ذلك حمل على [ ص: 594 ] الندب ، ومكارم الأخلاق ، وقيل : هي منسوخة ، قال : وذهب جماعة منهم الشعبي والحسن وطاوس وعطاء ومسروق وغيرهم إلى أنها محكمة ، وأن في المال حقا سوى الزكاة ، من فك الأسير وإطعام المضطر والمواساة في العسر وصلة القرابة ، كذا قال ، واقتصر عليه في شرح مسلم ، وهذا عجيب ، وهو غريب .

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          الخدمات العلمية