الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ومن صلى فذا أو غير قائم لعذر فهل يكمل ثوابه ؟ سبقت في صلاة التطوع [ ص: 48 ] وأول صلاة الجماعة ، ومن ترك العبادة عجزا فهل يكمل ثوابه ؟ يتوجه تخريجه على ذلك ، وقد قال صاحب المحرر في أخبار فضل الجماعة على الفذ : لا يصح حملها على المنفرد لعذر ; لأن الأخبار قد دلت على أن ما يفعله لولا العذر [ يكتب له ثوابه ] . ثم ذكر خبر أبي موسى : إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيما صحيحا وحديث أبي هريرة : من توضأ ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا رواه أحمد وأبو داود والنسائي ، والمراد والله أعلم : مثل أجر واحد ممن صلاها ; لأن غايته كأحدهم ، وكذا اختار ابن الجوزي في كشف المشكل في حديث من سأل الله الشهادة أن له أجر الشهيد .

وروى مسلم من حديث أنس : من سأل الله الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه ومن حديث سهل بن حنيف : من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه وله أيضا من حديث أبي هريرة من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل إثم من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئا ومن حديث أبي مسعود الأنصاري : من دل على خير فله مثل أجر فاعله وعن زيد بن خالد مرفوعا . من فطر صائما كان له مثل أجره ، غير أنه لا ينقص [ ص: 49 ] من أجر الصائم شيئا رواه النسائي وابن ماجه ، والترمذي وصححه ، وعن أبي كبشة الأنماري مرفوعا مثل هذه الأمة مثل أربعة : رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل في ماله بعلمه ، ورجل آتاه الله علما فقال : لو كان لي مثل مال فلان لعملت فيه مثل عمله ، فهما في الأجر سواء ، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما ، فهو يتخبط فيه لا يدري ما له مما عليه ; ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فقال : لو كان لي مثل مال فلان لعملت فيه مثل عمل فلان ، فهما في الإثم سواء إسناده جيد ، رواه ابن ماجه والبيهقي ، واختاره ابن جرير الطبري في قوله تعالى : والتين والزيتون إلى قوله فلهم أجر غير ممنون ورواه عن ابن عباس ، وكذا ذكره ابن الجوزي عنه .

وعن إبراهيم النخعي ، وابن قتيبة " أن المؤمن تكتب له طاعاته التي كان يعملها " . ولم يذكر في ذلك خلافا ، إنما ذكر الخلاف في المراد بالآية ، وكذا ذكره غير واحد ، واختاره القرطبي في شرح مسلم ، وقال : لا ينبغي أن يختلف في ذلك ، وقال في تفسير قوله تعالى لا يستوي القاعدون في المعذور قيل : يحتمل أن يكون أجره مساويا ، وقيل : يعطى أجره بلا تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف ، للمباشرة ، قال : والأول أصح ، واحتج بقوله اكتبوا له ما كان يعمل في الصحة وبحديث أبي كبشة ، وبقوله عليه السلام : إن بالمدينة . [ ص: 50 ] لرجالا ما سرتم مسيرا ، ولا قطعتم واديا ، إلا كانوا معكم ، حبسهم المرض وفي رواية إلا شركوكم في الأجر رواه مسلم من حديث جابر ، وروى البخاري من حديث أنس إلا كانوا معكم ، قالوا : يا رسول الله ، وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة ، حبسهم العذر ولم يجب القرطبي عن ظاهر الآية المذكورة ، وقول ابن عباس فيها : إنه فضلهم على القاعدين من أولي الضرر بدرجة ، وعلى غيرهم بدرجات ، وقال بعض متأخري أصحابنا : هذا أولى من التأكيد والتكرار ، وهو أيضا قول سعيد بن جبير ، ومقاتل ، والسدي ، وابن جريج ، وغيرهم ، وقال قوم : التفضيل في الموضعين على القاعدين من غير ضرر ، مبالغة ، وبيانا ، وتأكيدا ، وهو قول أبي سليمان الدمشقي وغيره من الشافعية ، كصاحب المحصول في تفسيره في الآية ، واختاره المهدوي المالكي ، وذكر في شرح مسلم في المتخلف عن الجهاد لعذر : له شيء من الأجر لا كله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث