الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


2481 56 - حدثنا إبراهيم بن موسى قال : أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال : أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أن بني صهيب مولى ابن جدعان ادعوا بيتين وحجرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى ذلك صهيبا ، فقال مروان : من يشهد لكما على ذلك ؟ قالوا : ابن عمر . فدعاه فشهد لأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صهيبا بيتين وحجرة ، فقضى مروان بشهادته لهم .

التالي السابق


قال ابن بطال : ذكر هذا الحديث في كتاب الهبة لأن فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهب صهيبا لك . وقال ابن التين : أتى البخاري بهذه القصة هنا لأن العطايا نافذة . وقال بعضهم : ومناسبته لها أن الصحابة بعد ثبوت عطية النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ذلك لصهيب لم يستفصلوا هل رجع أو لا ، فدل على أن لا أثر للرجوع في الهبة ، انتهى . قلت : أما ما ذكره ابن بطال وابن التين فله وجه ما ، وأما القول الثالث فلا وجه له أصلا لأن الموهوب له إذا مات لا رجوع فيه أصلا عند جميع العلماء ، وأما عند الحنفية فلأن الرجوع امتنع بالموت ، وأما عند غيرهم فلا رجوع من الأول أصلا إلا في موضع مخصوص ، واستفصال الصحابة وعدم استفصالهم في الرجوع وعدمه بعد موت الواهب لا دخل له هنا ، فلا فائدة في قوله " فدل على أن لا أثر في الرجوع في الهبة " ; لأن الرجوع لم يبق أصلا ، فالرجوع وعدمه غير مبنيين على الاستفصال وعدمه حتى يكون عدم استفصالهم دالا على عدم الرجوع ، وعدم الرجوع هنا متحقق بدون ذلك . أقول : لذكر هذا الحديث هنا وجه حسن ، وهو أنه أشار به إلى أن حكم الهبة عند وقوع الدعوى بين المتواهبين أو بين ورثتهم كحكم سائر الدعاوى في أبواب الفقه فيما يحتاج إليه من الحاكم وإقامة الشهود واليمين وغير ذلك ، فافهم .

[ ص: 177 ] ذكر رجاله : وهم أربعة ; الأول : إبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء ، أبو إسحاق المروزي ، يعرف بالصغير . الثاني : هشام بن يوسف ، أبو عبد الرحمن الصنعاني اليماني قاضيها . الثالث : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي . الرابع : عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة المكي ، قاضي ابن الزبير .

والحديث تفرد به البخاري .

ذكر معناه : قوله ( أن بني صهيب ) بضم الصاد ، ابن سنان بن خالد الموصلي ثم الرومي ثم المكي ثم المدني ، كان من السابقين الأولين والمعذبين في الله ، أبو يحيى ، وقيل أبو غسان ، سبته الروم من نينوى ، وأمه سلمى من بني مازن بن عمرو بن تميم ، كان أبوه أو عمه عاملا لكسرى على الأبلة ، وكانت منازلهم بأرض الموصل فأغارت الروم على تلك الناحية فسبت صهيبا وهو غلام صغير فنشأ بالروم فصار ألكن ، فابتاعه كلب منهم فقدموا به مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة فأعتقه ، فأقام معه بمكة إلى أن هلك ابن جدعان ، ثم هاجر إلى المدينة في النصف من ربيع الأول ، وأدرك رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بقباء قبل أن يدخل المدينة ، وشهد بدرا ، ومات بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين وهو ابن سبعين سنة ، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه . وأما بنو صهيب فهم : حمزة ، وسعد ، وصالح ، وصيفي ، وعباد ، وعثمان ، وحبيب ، ومحمد - وكلهم رووا عنه .

قوله ( فقال مروان ) هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي ، وكان يومئذ أمير المدينة لمعاوية بن أبي سفيان .

قوله ( بيتين وحجرة ) ، " بيتين " تثنية بيت ، قال صاحب المغرب : البيت اسم لمسقف واحد ، وأصله من بيت الشعر أو الصوف ، سمي به لأنه يبات فيه . وقال ابن الأثير : بيت الرجل داره وقصره . قلت : الدار لا تسمى بيتا لأنها مشتملة على بيوت ، والحجرة - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم - هو الموضع المنفرد في الدار . وذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة أن بيت صهيب كان لأم سلمة فوهبته لصهيب ، فلعلها أعطته بإذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، والظاهر أن الذي وقع عليه الدعوى غير ذلك .

قوله ( من شهد لكما ) ، قال الكرماني : فإن قلت : لفظ " بني صهيب " جمع وهذا مثنى - قلت : أقل الجمع اثنان عند بعضهم . انتهى ، قلت : لا يحتاج إلى هذا التعسف ، بل الجواب أن الذي ادعى كان اثنين منهم فخاطبهما مروان بصيغة الاثنين لأن الحاكم لا يخاطب إلا الذي يدعي . وفي رواية الإسماعيلي " فقال مروان : من يشهد لكم ؟ " ، فهذه الرواية لا إشكال فيها .

قوله ( قالوا : ابن عمر ) ; أي يشهد بذلك عبد الله بن عمر .

قوله ( فدعاه ) ; أي فدعا مروان عبد الله بن عمر فشهد بذلك وقال : لأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واللام فيه مفتوحة لأنها لام القسم ، والتقدير : والله لأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله ( فقضى مروان بشهادته لهم ) ; أي حكم مروان بشهادة ابن عمر لبني صهيب بالبيتين والحجرة .

وقال ابن بطال : كيف قضى مروان بشهادة ابن عمر وحده ؟ ثم قال : فالجواب أن مروان إنما حكم بشهادته مع يمين الطالب على ما جاء في السنة من القضاء باليمين مع الشاهد . قيل : فيه نظر ; لأنه لم يذكر في الحديث . قلت : ليس كذلك ; لأن القاعدة المستمرة تنفي الحكم بشاهد واحد ، فلا بد من شاهدين أو من شاهد ويمين عند من يراه بذلك . فإن قلت : قد استدل بعضهم بقول بعض السلف كشريح القاضي أنه قال : الشاهد الواحد إذا انضمت إليه قرينة تدل على صدقه ، ألا ترى أن أبا داود ترجم في سننه باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم وساق قصة خزيمة بن ثابت وسبب تسميته ذا الشهادتين . قلت : الجمهور على أن ذلك لا يصح وأن قصة خزيمة مخصوصة به . وقال ابن التين : قضاء مروان بشهادة ابن عمر يحتمل وجهين ; أحدهما أنه يجوز له أن يعطي من مال الله من يستحق العطاء فينفذ ما قيل له إن سيدنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أعطاه ، فإن لم يكن كذلك كان قد أمضاه ، وإن كان غير ذلك كان هو المعطي عطاء صحيحا . وقد يكون هذا خاصا في الفيء ; لأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أعطى أبا قتادة بدعواه وشهادة من كان السلب عنده .

الوجه الثاني أنه ربما حكم الإمام بشهادة المبرز في العدالة وحده ، وقد قال بعض فقهاء الكوفة : حكم شريح بشهادتي وحدي في شيء . قال : وأخطأ شريح . قال : والوجه الأول الصحيح .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث