الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2396 17 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : حدثني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت : إن عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن يقبض إليه ابن وليدة زمعة ، قال عتبة : إنه ابني ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الفتح أخذ سعد ابن وليدة زمعة فأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل معه بعبد بن زمعة ، فقال سعد : يا رسول الله ، هذا ابن أخي عهد إلي أنه ابنه ، فقال عبد بن زمعة : يا رسول الله ، هذا أخي ابن وليدة زمعة ولد على فراشه ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن وليدة زمعة ، فإذا هو أشبه الناس به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو لك يا عبد بن زمعة ، من أجل أنه ولد على فراش أبيه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احتجبي منه يا سودة بنت زمعة ، مما رأى من شبهه بعتبة ، وكانت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في قوله : " هذا أخي ولد على فراش أبي " وحكمه صلى الله تعالى عليه وسلم بأنه أخوه ، فإن فيه ثبوت أمية الولد ، ( فإن قلت ) : ليس فيه تعرض لحريتها ولا لرقيتها ، ( قلت ) : الترجمة في باب أم الولد مطلقا من غير تعرض للحكم كما ذكرنا ، فتحصل المطابقة من هذه الحيثية ، وقيل : فيه إشارة إلى حرية أم الولد لأنه جعلها فراشا فسوى بينها وبين الزوجة في ذلك ، وقال الكرماني : زاد في بعض النسخ بعد تمام الحديث " قال أبو عبد الله : " سمى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمة زمعة أمة ووليدة " ، فدل على أنها لم تكن عتيقة بهذا الحديث ، ( قلت ) : هذا يدل على أن ميله إلى عدم عتق أم الولد بموت السيد ، ثم قال الكرماني : وقد يقال : غرض البخاري فيه بيان أن بعض الحنفية لا يقولون بأن الولد للفراش في الأمة إذ لا يلحقون الولد بالسيد إلا بإقراره ، بل يخصصونه بفراش الحرة ، فإذا أرادوا تأويل ما في هذا الحديث في بعض الروايات من أن الولد للفراش يقولون : إن أم الولد المتنازع فيها كانت حرة لا أمة ، ثم إن هذا الحديث مضى في أوائل كتاب البيوع في باب تفسير الشبهات ، ومضى الكلام فيه هناك ، ولكن نذكر هنا بعض شيء لزيادة الفائدة .

                                                                                                                                                                                  وقال ابن بطال : القضية مشكلة من جهة أن عبدا ادعى على أمة ولدا بقوله : " أخي " ، ولم يأت ببينة تشهد على إقرار أبيه ، فكيف قبل دعواه ؟ فذهب مالك ، والشافعي إلى أن الأمة إذا وطئها مولاها فقد لزمه كل ولد تجيء به بعد ذلك ادعاه أم لا ، وقال الكوفيون : لا يلزم مولاها إلا أن يقر به ، وقال : إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " هو لك " ، ولم يقل : هو أخوك ، فيجوز أن يريد به هو مملوك لك بحق ما لك عليه من اليد ، ولهذا أمر سودة بالاحتجاب منه ، فلو جعله صلى الله تعالى عليه وسلم ابن زمعة لما حجب منه أخته ، وقالت طائفة : معناه هو أخوك كما ادعيت قضاء منه في ذلك بعلمه لأن زمعة كان صهره ، فألحق ولده به لما علمه من فراسته لا أنه قضى بذلك لاستلحاق عبد له ، وقال الطحاوي : هو لك ، أي بيدك عليه لا أنك تملكه ، ولكن يمنع منه كل من سواك كما قال في اللقطة : هي لك تدفع غيرك عنها حتى يجيء صاحبها ، ولما كان لعبد شريك وهو أخته سودة ، ولم يعلم منها تصديق في ذلك ألزم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عبدا ما أقر به على نفسه ، ولم يجعل ذلك حجة على أخته فأمرها بالاحتجاب ، وقال الشافعي : رؤية ابن زمعة لسودة مباحة لكنه كرهه للشبهة ، وأمرها بالتنزه عنه اختيارا ، وقال الطبري : هو لك ملك ، يعني عبدا ، لأنه ابن وليدة أبيك ، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد ، ولم ينقل في الحديث اعتراف سيدها بوطئها ، ولا شهد بذلك عليه ، فلم يبق إلا القضاء بأنه عبد تبع لأمه لا أنه قضى له ببينة ، وأجاب ابن القصار بجوابين ، أحدهما : أنه كان يدعي عبد بن زمعة أنه حر ، وأنه أخوه ولد على فراش أبيه [ ص: 94 ] فكيف يقضي له بالملك ولو كان مملوكا لعتق بهذا القول ، والآخر أنه لو قضى له بالملك لم يقل : الولد للفراش لأن المملوك لا يلحق بالفراش ، ولكان يقول : هو ملك لك ، وقال المزني : يحتمل أن يكون أجاب فيه على المسألة فأعلمهم بالحكم أن هذا يكون إذا ادعى صاحب فراش وصاحب زنا لا أنه قبل قول سعد على أخيه عتبة ، ولا على زمعة قول ابنه عبد بن زمعة أنه أخوه لأن كل واحد منهما أخبر عن غيره ، وقد قام الإجماع على أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره فحكم بذلك ليعرفهم الحكم في مثله إذا نزل ، قوله : " أخذ سعد ابن وليدة زمعة " أي أخذ سعد بن أبي وقاص ، وهو مرفوع منون ، وقوله : " ابن وليدة " منصوب على أنه مفعول ، وينبغي أن يكتب ابن بالألف ، قوله : " هو لك يا عبد بن زمعة " برفع عبد ويجوز نصبه ، وكذا ابن ، وكذا قوله : " يا سودة بنت زمعة " ، ( قلت ) : أما وجه الرفع والنصب فهو أن توابع المبني المفردة من التأكيد والصفة وعطف البيان ترفع على لفظه وتنصب على محله : بيانه أن لفظ عبد في " يا عبد " منادى مبني على الضم ، فإذا أكد أو اتصف أو عطف عليه يجوز فيه الوجهان كما عرف في موضعه ، قوله : " احتجبي منه يا سودة " أشكل معناه قديما على العلماء ، فذهب أكثر القائلين بأن الحرام لا يحرم الحلال ، وأن الزنا لا تأثير له في التحريم ، وهو قول عبد الملك بن الماجشون إلا أن قوله : كان ذلك منه على وجه الاحتياط ، والتنزه ، وأن للرجل أن يمنع امرأته من رؤية أخيها هذا قول الشافعي .

                                                                                                                                                                                  وقالت طائفة : كان ذلك منه لقطع الذريعة بعد حكمه بالظاهر فكأنه حكم بحكمين حكم ظاهر ، وهو الولد للفراش ، وحكم باطن وهو الاحتجاب من أجل الشبه ، كأنه قال : ليس بأخ لك يا سودة إلا في حكم الله تعالى ، فأمرها بالاحتجاب منه ، ( قلت ) : ومن هذا أخذ أبو حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي ، وأحمد أن وطء الزنا محرم ، وموجب للحكم ، وأنه يجري مجرى الوطء الحلال في التحريم منه ، وحملوا أمره صلى الله تعالى عليه وسلم لسودة بالاحتجاب على الوجوب ، وهو أحد قولي مالك ، وفي قوله الآخر : الأمر ههنا للاستحباب وهو قول الشافعي وأبي ثور ، وذلك لأنهم يقولون : إن وطء الزنا لا يحرم شيئا ولا يوجب حكما ، والحديث حجة عليهم ، وذكر في حكم أم الولد سبعة أقوال : الأول : يجوز عتقها على مال صرح به ابن القصار في فتاويه ، الثاني : يجوز بيعها مطلقا ، وقد ذكرنا الخلاف فيه ، الثالث : يجوز لسيدها بيعها في حياته ، فإذا مات عتقت ، وحكي ذلك عن الشافعي ، الرابع : أنها تباع في الدين ، وفيه حديث سلامة بن معقل في سنن أبي داود ، الخامس أنها تباع ولكن إن كان ولدها موجودا عند موت أبيه سيدها حسب من نصيبه إن كان ثم مشارك له في التركة ، وهو مذهب ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم ، السادس : أنه يجوز بيعها بشرط العتق ولا يجوز بغيره ، السابع : أنها إن عقت وأبقت لم يجز بيعها وإن فجرت أو كفرت جاز بيعها حكي عن عمر رضي الله تعالى عنه ، وحكى المزني عن الشافعي التوقف .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية