الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول الله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها

4206 3 - حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن أنس - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم - وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا! فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس; خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا! فيقول: لست هناكم - ويذكر ذنبه فيستحي - ائتوا نوحا; فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض! فيأتونه فيقول: لست هناكم - ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي، فيقول: ائتوا خليل الرحمن! فيأتونه فيقول: لست هناكم، ائتوا موسى; عبدا كلمه الله وأعطاه التوراة! فيأتونه فيقول: لست هناكم - ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحي من ربه، فيقول: ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه! فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم; عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! فيأتوني فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: [ ص: 83 ] ارفع رأسك وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع! فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي، مثله، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة، ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود. قال أبو عبد الله: إلا من حبسه القرآن - يعني قول الله تعالى خالدين فيها

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله: "وعلمك أسماء كل شيء" وأخرجه من طريقين: الأول عن مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب البصري عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس، والثاني عن خليفة بن خياط، عن يزيد - من الزيادة - ابن زريع - مصغر زرع - عن سعيد بن أبي عروبة البصري عن قتادة عن أنس.

والحديث أخرجه البخاري أيضا في كتاب التوحيد في قول الله تعالى لما خلقت بيدي عن معاذ بن فضالة عن هشام عن قتادة عن أنس - إلخ بطوله، وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي موسى وبندار، وأخرجه النسائي في التفسير عن أبي الأشعث، وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن نصر بن علي.

قوله: "وقال لي خليفة" في الطريق الثاني هو على سبيل المذاكرة، وقيل هو بمنزلة التحديث على رأي من رآه، وقيل: روى البخاري عن خليفة هذا في عشرة مواضع مقرونا ومنفردا، والغالب أنه إذا أفرده ذكره بصيغة قال لي.

قوله: "وعلمك أسماء كل شيء" أي: كل شيء من سائر الأشياء حتى القصعة والقصيعة - روي ذلك عن ابن عباس، وقيل: علمه أسماء معدودة، وفيه أربعة أقوال:

الأول: أنه علمه أسماء الملائكة.

الثاني: أنه علمه أسماء الأجناس دون أنواعها، كقولك: إنسان وملك.

الثالث: أنه علمه أسماء ما خلق الله في الأرض من الدواب والهوام والطير.

الرابع: أنه علمه أسماء ذريته.

فإن قلت: هل التعليم مقصور على الاسم دون المعنى أو عليهما ؟

قلت: فيه قولان.

قوله: "حتى يريحنا" بضم الياء وبالراء، من الإراحة، وقيل بالزاي; يعني يذهبنا ويبعدنا عن هذا المكان وهو موقف العرصات عند الفزع الأكبر.

قوله: "لست هناكم" يعني لم يخبر أن له ذلك، وهنا للقريب والكاف للخطاب.

قوله: "ويذكر ذنبه" وهو قربان الشجرة والأكل منها.

قوله: "فإنه أول رسول" أي فإن نوحا - عليه السلام - أول رسول من الرسل الذين أرسلهم الله.

فإن قلت: آدم هو أول الرسل!

قلت: معناه أول رسول أرسله الله بعد الطوفان، وقيل: آدم كان نبيا لا رسولا - وهو غير صحيح; لأنه أول رسول أرسله الله بالإنذار لأولاده والإرشاد لهم.

قوله: "ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم" وهو قوله رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا

قوله: "قتل النفس" هو قتله القبطي.

قوله: "وكلمة الله وروحه" قال الله تعالى إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه قيل له: "كلمة الله" لأنه وجد بكلمة كن، و"روح الله" بقوله فنفخنا فيه من روحنا أو لحصول الروح فيمن أحيا من الموتى، وقال الزمخشري: هو كلمة الله؛ لأنه قد وجد بأمر الله وكلمته من غير واسطة أب ونطفة، وروح الله؛ لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة من الأب الحي، وإنما اخترع اختراعا من عند الله تعالى.

قوله: "حتى أستأذن على ربي" وفي رواية "في داره" فمعناه: داره التي خلقها لعباده، كما قيل: "بيت الله" للكعبة والمساجد.

قوله: "تشفع" على صيغة المجهول بتشديد الفاء، أي تقبل شفاعتك.

قوله: "فيحد لي حدا" أي يعين لي قوما.

قوله: "إلا من حبسه القرآن" أي: إلا من حكم عليه القرآن بالحبس والخلود في النار، قال تعالى خالدين فيها أي الكفار والمنافقين، وهو معنى قوله: "ووجب عليه الخلود" أي في النار.

قوله: "وقال أبو عبد الله" هو البخاري نفسه، أشار بهذا إلى أن معنى قوله: "حبسه القرآن" هو قوله تعالى خالدين فيها

فإن قلت: في هذا الحديث أنهم يخرجون من النار بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في رواية "فأمر الملائكة أن يخرجوا قوما من النار".

قلت: لا منافاة فيه; لأنهم قد يؤمرون أن يخرجوهم بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث