الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

1226 47 - حدثنا عبدان ، قال : حدثنا عبد الله قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة . قال : توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنه بمكة وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وإني لجالس بينهما أو قال : جلست إلى أحدهما ، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعمرو بن عثمان : ألا تنهى عن البكاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك ، ثم حدث قال : صدرت مع عمر رضي الله عنه من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال : اذهب فانظر من هؤلاء الركب قال : فنظرت فإذا صهيب فأخبرته فقال : ادعه لي فرجعت إلى صهيب فقلت : ارتحل فالحق أمير المؤمنين ، فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول : وا أخاه وا صاحباه فقال عمر رضي الله عنه : يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت : رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه وقالت : حسبكم القرآن ولا تزر وازرة وزر أخرى قال ابن عباس رضي الله عنهما عند ذلك : والله هو أضحك وأبكى . قال ابن أبي مليكة : والله ما قال ابن عمر رضي الله عنهما شيئا .

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله : " إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله " وعبدان هو عبد الله بن عثمان ، وقد مر عن قريب وعبد الله هو ابن المبارك ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وعبد الله بن عبيد الله بالتكبير في الابن والتصغير في الأب ، وأبو مليكة اسمه زهير وقد مر غير مرة .

والحديث أخرجه مسلم في الجنائز أيضا عن محمد بن رافع وعبد بن حميد ، وعن داود بن رشيد ، وعن عبد الرحمن بن بشر . وأخرجه النسائي فيه عن سليمان بن منصور .

( ذكر معناه ) قوله : " توفيت بنت لعثمان " هي أم أبان ، وقد صرح بها مسلم قال : حدثنا داود بن رشيد قال : حدثنا إسماعيل ابن علية قال : حدثنا أيوب " عن عبد الله بن أبي مليكة قال : كنت جالسا في جنب ابن عمر ونحن ننظر جنازة أم أبان بنت عثمان وعنده عمرو بن عثمان ، فجاء ابن عباس يقوده قائد فأراه أخبره بمكان ابن عمر ، فجاء حتى جلس إلى جنبي فكنت بينهما ، فإذا صوت من الدار فقال ابن عمر كأنه يعرض على عمرو أن يقوم فينهاهم : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الميت ليعذب ببكاء أهله قال : فأرسلها عبد الله مرسلة فقال ابن عباس : كنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو برجل نازل في ظل شجرة فقال لي : اذهب فاعلم لي من ذلك الرجل فذهبت فإذا هو صهيب ، فرجعت إليه فقلت : إنك أمرتني بأن أعلم لك من ذلك وإنه صهيب قال : مره فليلحق بنا قال : فقلت : إن معه أهله ؟ قال : وإن كان معه أهله وربما قال أيوب : مره فليلحق بنا ، فلما قدمنا لم يلبث أمير المؤمنين أن أصيب ، فجاء صهيب يقول : وا أخاه وا صاحباه فقال عمر رضي الله تعالى عنه : ألم تعلم أولم تسمع أيوب أو قال : أولم تعلم أولم تسمع أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله قال : فأما عبد الله فأرسلها مرسلة ، وأما عمر فقال ببعض ، فقمت فدخلت على عائشة فحدثتها بما قال ابن عمر فقالت : لا والله ما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قط إن الميت يعذب ببكاء أحد ، ولكنه قال : إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإن الله هو أضحك وأبكى ولا تزر وازرة وزر أخرى " قال ابن أبي مليكة : حدثني القاسم بن محمد قال : لما بلغ عائشة رضي الله تعالى عنها قول عمر وابن عمر قالت : إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ . وفي رواية لمسلم عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : ذكر عند عائشة قول ابن عمر : إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فقالت : رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظ ، إنما مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال : إنكم تبكون وإنه ليعذب " .

وفي رواية أخرى له " ذكر عند عائشة أن ابن عمر يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم : إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله فقالت : وهل إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون الآن " وذلك مثل قوله : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب يوم بدر ، وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال إنهم ليستمعون ما أقول وقد وهل ، إنما قال : إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق ثم قرأت إنك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور يقول حين تبوؤوا مقاعدهم من النار .

وفي رواية له أيضا " عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة ذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول : إن الميت ليعذب ببكاء الحي فقالت عائشة رضي الله عنها : يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية تبكى عليها فقال : إنهم ليبكون وإنها لتعذب في قبرها .

فنتكلم أولا في وجوه الروايات المذكورة والاختلاف في هذا الباب ، ثم نفسر بقية ألفاظ الحديث ولم أر أحدا من شراح هذا الكتاب بين تحقيق ما ورد في هذا الباب ، بل أكثرهم ساق كلامه بلا ترتيب ولا اتباع متن الحديث حتى إن الناظر فيه لا يقدر أن يقف فيه على كلام يشفي غليله . فنقول وبالله التوفيق الكلام فيه على أقسام :

الأول : قول ابن عمر رضي الله عنهما على وجهين أحدهما " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " والآخر " إن الميت ليعذب ببكاء الحي " واللفظان مرفوعان فهل يقال : يحمل المطلق على المقيد ويكون عذابه ببكاء أهله عليه فقط ، أو يكون الحكم للرواية العامة ، وأنه يعذب ببكاء الحي عليه سواء كان من أهله أم لا ؟ وأجيب بأن الظاهر جريان حكم العموم ، وأنه لا يختص ذلك بأهله ، هذا كله بناء على قول من ذهب إلى أن الميت يعذب بالبكاء عليه ، وإنما جعلنا الحكم أعم من ذلك ولم نحمل المطلق على المقيد ; لأنه لا فرق في الحكم عند القائلين بعذاب الميت بالبكاء أن يكون الباكي عليه من أهله أو من غيرهم بدليل النائحة التي ليست من أهل الميت ، وما ورد في عموم النائحة من العذاب بل أهله أعذر في البكاء عليه لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة الذي رواه النسائي وابن ماجه عنه قال : " مات ميت في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع النساء يبكين عليه ، فقام عمر ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعهن يا عمر فإن العين دامعة ، والقلب مصاب ، والعهد قريب " . وهذا التعليل الذي رخص لأجله في البكاء خاص بأهل الميت . وقوله " ببكاء أهله عليه " خرج مخرج الغالب الشائع ; إذ المعروف أنه إنما يبكي على الميت أهله .

الثاني : هل لقوله " الحي " مفهوم حتى إنه لا يعذب ببكاء غير الحي ؟ وهل يتصور البكاء من غير الحي ويكون احترازا بالحي عن الجمادات لقوله عز وجل : فما بكت عليهم السماء والأرض فمفهومه أن السماء والأرض يقع منهما البكاء على غيرهم ، وعلى هذا فيكون هذا بكاء على الميت ولا عذاب عليه بسببه إجماعا ، وقد روى ابن مردويه في ( تفسيره ) من رواية يزيد الرقاشي ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : " ما من مؤمن إلا وله بابان في السماء ، باب يخرج منه رزقه ، وباب يدخل فيه كلامه وعمله ، فإذا مات فقداه وبكيا عليه ، وتلا هذه الآية فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين

وأما تصور البكاء من الميت فقد ورد في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه " والمراد بصويحبه الميت ، ومعنى استعبر إما على بابه للطلب بمعنى طلب نزول العبرات ، وإما بمعنى نزلت العبرات وباب الاستفعال يرد على غير بابه أيضا .

الثالث : جاء في حديث ابن عمر " الميت يعذب ببكاء أهله عليه " وفي بعض طرق حديثه في ( مصنف ابن أبي شيبة ) " من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة " فالرواية الأولى عامة في البكاء ، وهذه الرواية خاصة في النياحة ، فهاهنا يحمل المطلق على المقيد ، فتكون الرواية التي فيها مطلق البكاء محمولة على البكاء بنوح ، ويؤيد ذلك إجماع العلماء على حمل ذلك على البكاء بنوح ، وليس المراد مجرد دمع العين ، ومما يدل على أنه ليس المراد عموم البكاء .

قوله : " إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه " فقيده ببعض البكاء ، فحمل على ما فيه نياحة جمعا بين الأحاديث ، ويدل على عدم إرادة العموم من البكاء بكاء عمر بن الخطاب وهو راوي الحديث بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك بكاء ابنه عبد الله بن عمر وهما راويا الحديث ، وذلك فيما رواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) من حديث عائشة قالت : حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يعني سعد بن معاذ فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي . وروى ابن أبي شيبة أيضا من رواية عثمان قال : أتيت بنعي النعمان بن مقرن فوضع يده على رأسه ، وجعل يبكي . وروي أيضا عن ابن علية ، عن نافع قال : كان ابن عمر في السوق فنعي إليه حجر فأطلق حبوته وقام وعليه النحيب .

الرابع : نسبة عائشة عمر وابنه عبد الله إلى الوهم في الحديث المذكور ، وقد اختلف في محمل الحديثين فقال الخطابي : يحتمل أن يكون الأمر في هذا على ما ذهبت إليه عائشة ; لأنها قد روت أن ذلك إنما كان في شأن يهودي والخبر المفسر أولى من المجمل ، ثم احتجت بالآية قال : وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحا من غير أن يكون فيه خلاف للآية ، وذلك أنهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح عليهم ، وكان ذلك مشهورا من مذاهبهم ، وهو موجود في أشعارهم كقول طرفة بن العبد :


إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا أم معبد

ومثل هذا كثير في أشعارهم ، وإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم في ذلك من أمره إياهم بذلك وقت حياته ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها " وقد مال إلى قول عائشة الشافعي فيما رواه البيهقي في ( سننه ) عنه فقال : وما روت عائشة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أشبه أن يكون محفوظا عنه عليه الصلاة والسلام بدلالة الكتاب ثم السنة ، أما الكتاب فقوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى وقوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وقوله تعالى : لتجزى كل نفس بما تسعى وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم لرجل : " هذا ابنك ؟ قال : نعم قال : أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه " فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعلم الله من أن جناية كل امرئ عليه كما عمله لا لغيره ، وأما قول من حمل ذلك على الوصية بذلك فقد نقله البيهقي عن المزني ، ونقله النووي عن الجمهور أنهم تأولوا ذلك على من وصى أن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته ، ثم حكى النووي عن طائفة أنه محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما قال : وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما ، ومن أهملهما عذب بتركهما .

وحكي عن طائفة أن معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بأشياء هي محاسن في زعمهم وهي في الشرع قبائح كقولهم : يا مرمل النسوان وموتم الولدان ومخرب العمران ومفرق الأخدان ، ويرون ذلك شجاعة وفخرا . وحكي عن طائفة أن معناه أنه يعذب بسماع بكاء أهله ويرق لهم .

قال : وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره قال القاضي عياض : وهو أولى الأقوال ، واحتجوا بحديث فيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر امرأة عن البكاء على ابنها وقال : إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم " .

وحكى الخطابي عن بعض أهل العلم ذهب إلى أنه مخصوص ببعض الأموات الذين وجب عليهم العذاب بذنوب اقترفوها ، وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابه وقت البكاء عليهم ، ويكون كقولهم : مطرنا بنوء كذا أي : عند نوء كذا .

قال : كذلك قوله : " إن الميت يعذب ببكاء أهله " أي : عند بكائهم عليه لاستحقاقه ذلك بذنبه ، ويكون ذلك حالا لا سببا لأنا لو جعلناه سببا كان مخالفا للقرآن وهو قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى وحكى النووي هذا المعنى عن عائشة قيل : ويدل لذلك ما رواه مسلم عن عروة قال : ذكر عند عائشة أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يرفع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله فقالت : وهل إنما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن " وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن ابن نمير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة بعد قولها : وهل أبو عبد الرحمن إنما قال : إن أهل الميت ليبكون عليه وإنه ليعذب بجرمه .

والحاصل أن العلماء ذكروا في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : " إن الميت يعذب ببكاء أهله " ثمانية أقوال أصحها وهو تأويل الجمهور على أنه محمول على من أوصى به ، وإليه ذهب البخاري في قوله : إذا كان النوح من سنته . وقال الكرماني : يجوز التعذيب في الدنيا بفعل الغير لقوله سبحانه وتعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وكذا في البرزخ ، وأما آية الوازرة فإنما هي يوم القيامة فقط وهذان الوجهان أحسن الوجوه الثمانية في توجيهه ; إذ في البواقي تكلف إما في لفظ الميت بأن يخصص بمن كانت النياحة من سننه أو بالموصي أو بالراضي بها ، وإما في يعذب بأن يفسر بيحزن ، وإما في الباء بأن تجعل للظرفية التي هي خلاف المتبادر إلى الذهن ، وإما في البكاء بأن يجعل مجازا عن الأفعال المذكورة فيها .

قوله : " وإني لجالس بينهما أو قال جلست إلى أحدهما " هذا شك من ابن جريج . قوله : " ثم حدث " أي ابن عباس . قوله : " بالبيداء " بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وهي المفازة ، ولكن المراد بها هاهنا مفازة بين مكة والمدينة . قوله : " إذا هو بركب " كلمة إذا للمفاجأة ، والركب أصحاب الإبل في السفر وهو للعشرة فما فوقها .

قوله : " سمرة " بفتح السين المهملة وضم الميم وهي شجرة عظيمة من شجر العضاه . قوله : " فإذا صهيب " بضم الصاد بن سنان بالنونين ، كان من النمر بفتح النون بن قاسط بالقاف ، كانوا بأرض الموصل فأغارت الروم على تلك الناحية فسبيته وهو غلام صغير ، فنشأ بالروم فاشتراه عبد الله بن جدعان بضم الجيم وسكون الدال المهملة التميمي ، فأعتقه ثم أسلم بمكة وهو من السابقين الأولين المعذبين في الله تعالى ، وهاجر إلى المدينة ، ومات بها سنة ثمان وثلاثين .

قوله : " فالحق " بلفظ الأمر من اللحوق . قوله : " فلما أصيب عمر " يعني بالجراحة التي جرح بها والتي مات فيها ، وفي رواية أيوب أن ذلك كان عقيب الحجة المذكورة ولفظه " فلما قدمنا لم يلبث عمر أن أصيب " . وفي رواية عمر بن دينار " لم يلبث أن طعن " .

قوله : " يبكي " جملة وقعت حالا من صهيب ، وكذلك يقول حال ، ويجوز أن يكون من الأحوال المترادفة ، وأن يكون من المتداخلة . قوله : " وا أخاه " كلمة وا من وا أخاه للندبة والألف في آخره ليس مما يلحق الأسماء الستة لبيان الإعراب ، بل هو مما يزاد في آخر المندوب لتطويل مد الصوت ، والهاء ليست بضمير بل هو هاء السكت . وشرط المندوب أن يكون معروفا فلا بد من القول بأن الأخوة والصاحبية له كانا معلومين معروفين حتى يصح وقوعهما للندبة .

قوله : " أتبكي علي " الهمزة للاستفهام على سبيل الإنكار . قوله : " قال ابن عباس : فلما مات عمر رضي الله تعالى عنه " هذا صريح في أن حديث عائشة من رواية ابن عباس عنها ، ورواية مسلم توهم أنه من رواية ابن أبي مليكة عنها .

قوله : " يرحم الله عمر " من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى : عفا الله عنك لم أذنت لهم فاستغربت من عمر ذلك القول ، فجعلت قولها : يرحم الله عمر تمهيدا ودفعا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ .

قوله : " والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم " وجه جزم عائشة بذلك أنها لعلها سمعت صريحا من رسول الله صلى الله عليه وسلم اختصاص العذاب بالكافر ، أو فهمت الاختصاص بالقرائن . قوله : " ولكن رسول الله " يجوز فيه تسكين النون وتشديدها . قوله : " حسبكم " أي : كافيكم من القرآن أيها المؤمنون هذه الآية ولا تزر وازرة وزر أخرى

قال الكرماني : فإن قلت : الآية عامة للمؤمن والكافر ثم إن زيادة العذاب عذاب ، فكما أن أصل العذاب لا يكون بفعل غيره فكذا زيادتها فلا يتم استدلالها بالآية ، قلت : العادة فارقة بين الكافر والمؤمن ، فإنهم كانوا يوصون بالنياحة بخلاف المؤمنين ، فلفظ الميت وإن كان مطلقا مقيد بالموصي وهو الكافر عرفا وعادة .

قوله : " قال ابن عباس عند ذلك " أي : عند انتهاء حديثه عن عائشة قال : " والله أضحك وأبكى " أي أن العبرة لا يملكها ابن آدم ولا تسبب له فيها فضلا عن الميت ، فكيف يعاقب عليها وقال الداودي : معناه إن أذن الله في الجميل من البكاء فلا يعذب على ما أذن فيه . وقال الكرماني : لعل غرضه من هذا الكلام في هذا المقام أن الكل بخلق الله وإرادته ، فالأولى فيه أن يقال بظاهر الحديث ، وأن له أن يعذبه بلا ذنب ويكون البكاء عليه علامة لذلك ، أو يعذبه بذنب غيره سيما وهو السبب في وقوع الغير فيه ، ولا يسأل عما يفعل وتخصص آية الوازرة بيوم القيامة ، وقال الطيبي : غرضه تقرير قول عائشة أي : أن بكاء الإنسان وضحكه من الله يظهره فيه فلا أثر له في ذلك ، فعند ذلك سكت ابن عمر وأذعن قيل : سكوته لا يدل على الإذعان ، فلعله كره المجادلة في ذلك المقام ، وقال القرطبي : ليس سكوته لشك طرأ له بعدما صرح برفع الحديث ، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلا للتأويل ، ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك ، أو كان المجلس لا يقبل المماراة ولم تتعين الحاجة إلى ذلك حينئذ .

قوله : " ما قال ابن عمر شيئا " أي بعد ذلك يعني ما رد كلامه

وقال الخطابي : الرواية إذا ثبتت لم يكن إلى دفعها سبيل بالظن ، وقد رواه عمر وابنه ، وليس فيما حكت عائشة من المرور على يهودية ما يرفع روايتهما لجواز أن يكون الخبران صحيحين معا ولا منافاة بينهما ، وأما احتجاجها بالآية فإنهم كانوا يوصون أهليهم بالنياحة وكان ذلك مشهورا منهم ، فالميت إنما يلزمه العقوبة بما تقدم من وصيته إليهم به ، وقد ذكرناه عن قريب . وقال النووي : أنكرت عائشة روايتهما ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه ، وأولت الحديث بأن معناه يعذب في حال بكاء أهله لا بسببه كحديث اليهودية .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث