الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر

1356 26 - حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا إسرائيل قال : حدثنا أبو الجويرية أن معن بن يزيد - رضي الله عنه - حدثه قال : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وأبي وجدي وخطب علي فأنكحني وخاصمت إليه ، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها ، فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها ، فقال : والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : لك ما نويت يا يزيد ، ولك ما أخذت يا معن .

التالي السابق


مطابقته للترجمة من حيث إن يزيد أعطى دنانير للرجل ليتصدق عنه ، ولم يحجر عليه ، فجاء ابنه معن وأخذها من الرجل ، فكان يزيد هو السبب في وقوع صدقته في يد ابنه ، فكأنه تصدق عليه ، وهو لا يشعر .

( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : محمد بن [ ص: 288 ] يوسف الفريابي ، وقد مر . الثاني : إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي . الثالث : أبو الجويرة مصغر الجارية بالجيم والراء حطان بكسر الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة وبالنون ابن جفاف بضم الجيم وتخفيف الفاء الأولى الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء . الرابع : معن بفتح الميم وسكون العين المهملة ابن يزيد من الزيادة السلمي بضم السين المهملة ، يقال أنه شهد بدرا مع أبيه وجده ، ولم يتفق ذلك لغيرهم . وقيل : لم يتابع على ذلك ، فقد روى أحمد والطبراني من طريق صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن يزيد بن الأخنس السلمي أنه أسلم فأسلم معه جميع أهله إلا امرأة واحدة أبت أن تسلم ، فأنزل الله تعالى على رسوله ولا تمسكوا بعصم الكوافر فهذا دال على أن إسلامه كان متأخرا ; لأن الآية متأخرة الإنزال ، عن بدر قطعا ، واسم جده الأخنس بن حبيب السلمي . وقيل : ثور ، وممن قاله الطبراني وابن منده وأبو نعيم ، فترجموا في كتبهم لثور ، وساقوا حديث الباب من طريق الجراح والد وكيع ، عن أبي الجويرية ، عن معن بن يزيد بن ثور السلمي .

( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد .

وفيه : أن سماع أبي الجويرية ، عن معن ، ومعن أمير على غزاة الروم في خلافة معاوية .

وفيه : أن شيخه سكن قيسارية من الشام وإسرائيل وحطان ومعن كوفيون ، وهذا الحديث من أفراد البخاري .

( ذكر معناه ) قوله : " أنا " تأكيد للضمير المرفوع الذي في بايعت ، قوله " وأبي " هو يزيد ، قوله : " وجدي " هو الأخنس بن حبيب ، قوله : " وخطب علي " ، أي : خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - علي ، يقال : خطب المرأة إلى وليها إذا أرادها الخاطب لنفسه ، وعلى فلان إذا أرادها لغيره ، قال الكرماني : الفاعل هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; لأنه أقرب المذكورين ، قوله : " فأنكحني " ، أي : طلب لي الإنكاح فأجبت ، ومقصود معن من ذلك بيان أنواع علاقاته من المبايعة وغيرها من الخطبة عليه وإنكاحه وعرض الخصومة عليه ، قوله : " وخاصمت إليه " ، أي : إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولفظ خاصمته ثانيا تفسير لقوله " خاصمت إليه " قوله : " وكان أبي يزيد " ، ويزيد بالرفع عطف بيان ، لقوله " أبي " وليس ببدل كما قاله بعضهم على ما لا يخفى ، قوله " فوضعها عند رجل " ، أي : فوضع الدنانير التي أخرجها للصدقة عند رجل .

وفيه : حذف ، تقديره : عند رجل وأذن له أن يتصدق بها على من يحتاج إليها إذنا مطلقا من غير تعيين ناس ، فجئت فأخذتها ، يعني : من الرجل الذي أذن له في التصدق باختيار منه لا بطريق الغصب ، ووقع عند البيهقي من طريق أبي حمزة اليشكري ، عن أبي الجويرية في هذا الحديث .

( قلت ) : وما كانت خصومتك ، قال : كان رجل يغشى المسجد فيتصدق على رجال يعرفهم ، فظن أني بعض من يعرف ، فذكر الحديث ، قوله : " والله ما إياك أردت " يعني : قال يزيد لابنه معن : ما إياك أردت في الصدقة ، ولو أردت أنك تأخذها لناولتها لك ، ولم أوكل فيها ، قوله " فخاصمته " ، أي : خاصمت أبي يزيد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لك ما نويت يا يزيد " يعني : من أجر الصدقة ; لأنه نوى أن يتصدق بها على من يحتاج إليها وابنك يحتاج إليها ، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا : " ولك ما أخذت يا معن " لأنك أخذت محتاجا إليها ، ومفعول كل من نويت وأخذت محذوف .

( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه دليل على العمل بالمطلقات على إطلاقها ; لأن يزيد فوض إلى الرجل بلفظ مطلق ، فنفذ فعله .

وفيه : جواز التحاكم بين الأب والابن وخصومته معه ، ولا يكون هذا عقوقا إذا كان ذلك في حق على أن مالكا - رحمه الله - كره ذلك ، ولم يجعله من باب البر واختياري هذا .

وفيه : أن ما خرج إلى الابن من مال الأب على وجه الصدقة أو الصلة أو الهبة لا رجوع للأب فيه ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، واتفق العلماء على أن الصدقة الواجبة لا تسقط عن الوالد إذا أخذها ولده حاشا التطوع ، قال ابن بطال : وعليه حمل حديث معن ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى : يجوز أن يأخذها لولد بشرط أن يكون غارما أو غازيا ، فيحمل حديث معن على أنه كان متلبسا بأحد هذين النوعين ، قالوا : وإذا كان الولد أو الوالد فقيرا أو مسكينا ، وقلنا في بعض الأحوال : لا تجب نفقته ، فيجوز لوالده أو لولده دفع الزكاة إليه من سهم الفقراء والمساكين بلا خلاف عند الشافعي ; لأنه حينئذ كالأجنبي ، وقال ابن التين : يجوز دفع الصدقة الواجبة إلى الولد بشرطين أحدهما أن يتولى غيره من صرفها إليه . والثاني : أن لا يكون في عياله ، فإن كان في عياله وقصد إعطاءه ، فروى مطرف [ ص: 289 ] عن مالك لا ينبغي له أن يفعل ذلك ، فإن فعله فقد أساء ، ولا يضمن إن لم يقطع عن نفسه إنفاقه عليهم ، قال ابن حبيب : فإن قطع الإنفاق عن نفسه بذلك لم يجزه .

واختلفوا في دفع الزكاة إلى سائر الأقارب المحتاجين الذين لا يلزمه نفقتهم :

فروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - : أنه يجزيه ، وهو قول عطاء والقاسم وأحمد ، وقالوا : هي لهم صدقة وصلة ، وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى - وطاوس : لا يعطي قرابته من الزكاة ، وهو قول أشهب ، وذكر ابن المواز ، عن مالك - رضي الله تعالى عنه - : أنه كره أن يخص قرابته بزكاته وإن لم تلزمه نفقاتهم ، وممن قال بإعطاء الأقارب ما لم يكونوا في عياله ابن عباس وابن المسيب وعطاء والضحاك وطاوس ومجاهد ، حكاه ابن أبي شيبة في المصنف عنهم .

وفي مسند الدارمي من حديث حكيم مرفوعا " أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح " .

وفيه : جواز الافتخار بالمواهب الربانية ، والتحدث بنعم الله تعالى .

وفيه : جواز الاستخلاف في الصدقة لا سيما في التطوع ; لأن فيه نوع إسرار .

وفيه : أن للمتصدق جزاء ما نواه سواء صادف المستحق أو لا .


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث