الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب التأذين للفجر أي وقت هو بعد طلوع الفجر أو قبل ذلك

860 ص: واحتجوا في ذلك فقالوا: إنما كان أذان بلال الذي كان يؤذن بليل لغير الصلاة، وذكروا ما.

حدثنا علي بن معبد وأبو بشر الرقي ، جميعا قالا: ثنا شجاع بن الوليد - واللفظ لابن معبد - (ح).

حدثنا محمد بن عمرو بن موسى ، قال: حدثني أسباط بن محمد (ح).

وبما حدثنا نصر بن مرزوق ، قال: ثنا نعيم ، قال: ثنا ابن المبارك (ح).

وبما حدثنا فهد ، قال: ثنا أبو غسان ، قال: ثنا زهير بن معاوية ، ثم اجتمعوا جميعا فقالوا: عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره ؛ فإنه ينادي - أو يؤذن - ليرجع غائبكم، ولينبه نائمكم، وقال: ليس الفجر - أو الصبح - هكذا وهكذا وجمع إصبعيه وفرقهما " وفي حديث زهير خاصة: "ورفع زهير يده وخفضها حتى يقول هكذا ومد زهير يديه عرضا".

فقد أخبر النبي -عليه السلام- أن ذلك النداء كان من بلال لينتبه النائم وليرجع الغائب لا للصلاة.

[ ص: 76 ]

التالي السابق


[ ص: 76 ] ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه، وقالوا: الأصل في الأذان أن يكون بعد دخول الوقت لأنه للإعلام به، وقبل دخوله تجهيل وليس بإعلام، فلا يجوز كما في غير الفجر من الصلوات، وأما أذان بلال الذي كان يؤذن بالليل قبل دخول الوقت فلم يكن ذلك لأجل الصلاة، بل إنما كان ذلك لينتبه النائم وليتسحر الصائم وليرجع الغائب، والدليل حديث ابن مسعود ، فلم يصح استدلالا لهم به.

وأخرجه عن أربع طرق صحاح:

الأول: عن علي بن معبد بن نوح وأبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي ، كلاهما عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني ، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي ، عن أبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل - بفتح الميم وكسرها - الكوفي، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.

وأخرجه أحمد في "مسنده": ثنا إسماعيل ، عن سليمان ، عن أبي عثمان ، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال - أو قال: نداء بلال - من سحوره فإنه يؤذن - أو قال: ينادي - ليرجع غائبكم ولينتبه نائمكم ثم ليس أن يقول هكذا أو قال هكذا حتى يقول هكذا" .

الثاني: عن محمد بن عمرو بن يونس بن عمران المعروف بالسوسي ، عن أسباط بن محمد بن عبد الرحمن الكوفي ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان ، عن عبد الله بن مسعود .

وأخرجه النسائي : أنا إسحاق بن إبراهيم ، قال: أبنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه، عن أبي عثمان ، عن ابن مسعود ، عن النبي -عليه السلام- قال: "إن بلالا يؤذن بليل، ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم، وليس أن يقول هكذا - يعني في الصبح" .

[ ص: 77 ] الثالث: عن نصر بن مرزوق العتيقي ، عن نعيم بن حماد المروزي ، عن عبد الله بن المبارك ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان ، عن ابن مسعود .

وأخرجه الطبراني : ثنا سليمان بن المعافى بن سليمان ، ثنا أبي، ثنا القاسم بن معن ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " لا يمنعن أحدكم من السحور أذان بلال فإنه إنما يؤذن لينتبه نائمكم، ويرجع قائمكم، ويقول الفجر هكذا" .

الرابع: عن فهد بن سليمان ، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي ، عن زهير بن معاوية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عبد الله بن مسعود .

وأخرجه البخاري : ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زهير ، قال: ثنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي -عليه السلام- قال: "لا يمنعن أحدكم - أو أحدا منكم - أذان بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن - أو ينادي - بليل؛ ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم، وليس أن يقول: الفجر - أو الصبح - وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا" .

وقال زهير "بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله" .

وأخرجه البخاري في كتاب الصلاة في باب الأذان.

وأخرجه مسلم في كتاب الصيام في باب صفة الفجر الذي يحرم الأكل على الصائم ، وقال: ثنا زهير بن حرب ، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان ، عن ابن مسعود ، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال - أو قال: نداء بلال - من سحوره؛ فإنه يؤذن - أو قال: ينادي - [ ص: 78 ] [بليل]، ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم، وقال: ليس بأن يقول هكذا وهكذا، و: [ضرب] يده ورفعها حتى يقول هكذا وفرج بين إصبعيه" .

قوله: "أذان بلال " برفع أذان لأنه فاعل "لا يمنعن" و: "أحدكم" منصوب لأنه مفعول.

قوله: "من سحوره" بفتح السين: اسم ما يتسحر به من الطعام والشراب، وبالضم المصدر، والفعل نفسه، وأكثر ما يروى بالفتح وقيل: إن الصواب بالضم لأنه بالفتح الطعام، وعدم منع أذان بلال عن الفعل لا عن الطعام، وكذلك الكلام في قوله: "تسحروا فإن في السحور بركة" والبركة والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام.

قوله: "ليرجع غائبكم" كذا في رواية الطحاوي ، وهو من الغيبة وفي رواية غيره وهي المشهورة: "ليرجع قائمكم" بنصب الميم من قائمكم لأنه مفعول "يرجع"، لأن رجع الذي هو ثلاثي متعد بنفسه ولا يتعدى، يقال: رجع بنفسه رجوعا ورجعه غيره، وهذيل تقول: أرجعه غيره، ومعناه: يرده إلى راحته وجمام نفسه بإعلامه بأذانه السحر وقرب الصباح، وينام غفوة السحر، ونومة الفجر المستلذة المستعان بها على النشاط، وذهاب كسل السهر، وتغير اللون، كما كان يفعل النبي -عليه السلام- من نومه بعد صلاته من الليل إذا أذن المؤذن، وقد يكون معنى ذلك ليكمل ويستعجل بقية ورده، ويأتي بوتره قبل الفجر.

قوله: "ولينتبه نائمكم" أي النائم آخر الليل أو لصلاة الوتر لمن غلبه النوم على ذلك أو معقد الصوم للسحور.

قوله: "وجمع إصبعيه" يرجع إلى قوله: "هكذا" الأول.

[ ص: 79 ] وقوله: "وفرقهما" إلى هكذا الثاني.

ويستفاد منه أحكام:

الأول: أن فيه أن أذان بلال بالليل إنما كان لتنبيه النائم وإرجاع القائم ، لا لأجل الصلاة؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أخبر هكذا وعلله بقوله: "فإنه ينادي". وقال القاضي عياض في شرح مسلم : وقد تعلق أصحاب أبي حنيفة بقوله: "ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم" وقالوا: إنما كان يؤذن للسحور لا للصلاة.

وهذا بعيد؛ إذ لم يختص هذا بشهر رمضان، وإنما أخبر عن عادته في أذانه ولأنه العمل المنقول في سائر الحول بالمدينة ، وإليه رجع أبو يوسف حين تحققه، ولأنه لو كان للسحور لم يختص بصورة أذان الصلاة. انتهى.

قلت: الذي قاله القاضي بعيد؛ لأنهم لم يقولوا بأنه يختص بشهر رمضان، والصوم غير مخصوص برمضان، وكما أن الصائم في رمضان يحتاج إلى الإيقاظ لأجل السحور، فكذلك الصائم في غير رمضان، بل هذا أشد؛ لأن من يحيي ليالي رمضان أكثر ممن يحيي ليالي غيره، فعلى ما قال إذا كان أذان بلال للصلاة ينبغي أن يجوز أداء صلاة الفجر بذلك الأذان، بل الخصم أيضا يقول بعدم جوازه، فعلم أن أذان بلال إنما كان لأجل إيقاظ النائم ولإرجاع القائم، فلا يجوز الأذان للصلاة قبل دخول وقتها سواء كان في الفجر أو غيره، فافهم.

الثاني: أن فيه حجة على الاقتداء بثقات المؤذنين وتقليدهم في الوقت والعمل بخبر الواحد في العبادات.

الثالث: أن في قوله: "فإن بلالا ينادي" وفي رواية غيره: "ينادي بليل" دليل على أن ما بعد الفجر ليس من الليل.

قال القاضي : وقد يتعلق بهذه الألفاظ من يرى رأي بعض متقدمي الصحابة في أن تبيين الخيط بعد الفجر ويحتج به من يرى إباحة الأكل حتى يتيقن طلوع الفجر، [ ص: 80 ] وإن كان شاكا في طلوعه، وهو قول الكوفيين والأوزاعي وابن حنبل وأبي ثور والشافعي .

وقال مالك : لا يأكل، وإن أكل فعليه القضاء.

وجملة أصحابنا على الاستحباب، واختلفوا في ذلك إلى طلوع الشمس، وإن كان أجمع أئمة الفتوى بعدهم على أنه لا يجوز الأكل بعد طلوع الفجر، واختلفوا بعد ذلك فيمن طلع عليه الفجر وهو على يقين أنه من الليل وهو يأكل أو يطأ فكف عنها، هل يجزئه؟ فقال ابن القاسم : يجزئه في الأكل والجماع.

وقال عبد الملك : يجزئه في الأكل ولا يجزئه في الجماع ويقضي فيه، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة .

الرابع: أن بعضهم استدل بقوله: "ولينبه نائمكم" على منع الوتر بعد الفجر ولا حجة له فيه، قاله عياض .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث