الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1021 ص: وقد خولف ابن عباس في هذه الآية فيم نزلت؟

                                                فحدثنا علي بن شيبة ، قال: ثنا يزيد بن هارون ، قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت .

                                                حدثنا حسين بن نصر ، قال: سمعت يزيد بن هارون ... فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا أبو بشر الرقي ، قال: ثنا شجاع بن الوليد ، عن سفيان في هذه الآية: وقوموا لله قانتين فذكر عن منصور ، عن مجاهد قال: كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية، فالقنوت: السكوت، والقنوت: الطاعة" .

                                                حدثنا أبو بشر ، قال: ثنا شجاع بن الوليد ، عن الليث بن أبي سليم ، عن مجاهد "في هذه الآية: وقوموا لله قانتين قال: من القنوت الركوع والسجود، وخفض الجناح، وغض البصر من رهبة الله - عز وجل - .

                                                حدثنا فهد ، قال: ثنا أحمد بن يونس ، قال: ثنا محمد بن طلحة ، عن ابن عون ، عن عامر الشعبي قال: "لو كان القنوت كما تقولون لم يكن للنبي -عليه السلام- منه شيء، إنما القنوت الطاعة، يعني ومن يقنت منكن لله ورسوله " .

                                                [ ص: 311 ] حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا حجاج بن المنهال ، قال: ثنا أبو الأشهب ، قال: سألت جابر بن زيد عن القنوت، فقال: الصلوات كلها قنوت، أما الذي تصنعون، فما أدري ما هو؟ " .

                                                قال أبو جعفر - رحمه الله -: فهذا زيد بن أرقم ومن ذكرنا معه يخبرون أن ذلك القنوت الذي أمروا به في هذه الآية هو السكوت عن الكلام الذي كانوا يتكلمون به في الصلاة، فخرج بذلك أن يكون في هذه الآية دليل على أن القنوت المذكور فيها هو القنوت المفعول في صلاة الصبح، وقد أنكر قوم أن يكون ابن عباس -رضي الله عنهما- كان يقنت في صلاة الصبح، وقد روينا ذلك بأسانيده في باب: القنوت في صلاة الصبح، فلو كان هذا القنوت المذكور في هذه الآية هو القنوت في صلاة الصبح إذا لما تركه؛ إذ كان قد أمر به الكتاب.

                                                التالي السابق


                                                ش: المخالفون لابن عباس في سبب نزول هذه الآية: زيد بن أرقم من الصحابة، ومجاهد بن جبر والشعبي وجابر بن زيد من التابعين، فإنهم أخبروا أن القنوت المذكور في قوله: وقوموا لله قانتين بصورة الأمر هو السكوت عن الكلام في الصلاة ؛ لأنهم كانوا يتكلمون فيها، فدل ذلك أن القنوت المذكور في الآية ليس هو القنوت الذي كان يفعل في صلاة الصبح فلا يسمى حينئذ بسبب ذلك صلاة الصبح الصلاة الوسطى"، على أن ما روي عن ابن عباس من "أنه قنت في صلاة الصبح، وقال: هذه الصلاة الوسطى، أشار إليه بقوله: "وقد أنكر قوم أن يكون ابن عباس كان يقنت في صلاة الصبح "وأراد بالقوم هؤلاء: عمرو بن ميمون والأسود وسعيد بن جبير وعمران بن الحارث ومجاهد بن جبر ، فإنهم قالوا: لم يقنت ابن عباس في الفجر.

                                                قال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا وكيع قال: ثنا سفيان ، عن واقد مولى زيد بن خليدة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم-: "أنهما كانا لا يقنتان في الفجر" .

                                                [ ص: 312 ] حدثنا هشيم قال: أنا حصين ، عن عمران بن الحارث ، قال: "صليت مع ابن عباس في داره صلاة الصبح، فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده" .

                                                حدثنا حسين بن علي ، عن زائدة ، عن منصور ، قال: حدثني مجاهد وسعيد بن جبير : "أن ابن عباس كان لا يقنت في صلاة الفجر وهو إمام" .

                                                وقال ابن حزم في "المحلى": وروينا عن ابن عباس أنه لم يقنت.

                                                قوله: "وقد روينا ذلك" أي إنكار قوم أن يكون ابن عباس كان يقنت في الصبح، وسيأتي بيانه في باب: الوتر، إن شاء الله تعالى.

                                                قوله: "إذا لما تركه" جواب قوله: "فلو كان هذا القنوت".

                                                قوله: "إذ كان" تعليل لما قبله، يعني لأن الكتاب قد أمر بالقنوت، وهو قوله تعالى: وقوموا لله قانتين ولو كان هذا القنوت هو القنوت المفعول في الصبح، لما جاز لابن عباس أن يتركه؛ لأنه أمر الكتاب على هذا التقدير.

                                                أما أثر زيد بن أرقم : فقد أخرجه من طريقين صحيحين:

                                                الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت ، عن يزيد بن هارون الواسطي ، عن إسماعيل بن أبي خالد - واسم أبي خالد هرمز ، وقيل: سعد ، وقيل: كثير - عن الحارث بن شبيل بن عوف الأحمسي البجلي الكوفي ، عن أبي عمرو إسحاق بن مرار النحوي اللغوي الشيباني الكوفي .

                                                وهؤلاء كلهم من رجال الصحيحين ما خلا علي بن شيبة .

                                                وأخرجه البخاري : ثنا إبراهيم بن موسى ، أبنا عيسى ، عن إسماعيل ، عن الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، قال: "قال لي زيد بن أرقم : إن كنا [ ص: 313 ] لنتكلم في الصلاة على عهد النبي -عليه السلام-، فيكلم أحدنا صاحبه لحاجته حتى نزلت: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت" .

                                                ومسلم : ثنا بحر بن يحيى ، قال: أنا هشيم ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم في الصلاة؛ يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة؛ حتى نزلت: وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام" .

                                                وأبو داود: محمد بن عيسى ، نا هشيم ... إلى آخره نحوه.

                                                والترمذي : ثنا أحمد بن منيع ، ثنا هشيم ... إلى آخره، ولفظه: "كنا نتكلم خلف رسول الله -عليه السلام- في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه لحاجته حتى نزلت: وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام" .

                                                والنسائي : أنا إسماعيل بن مسعود ، ثنا يحيى بن سعيد ، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، قال: حدثني الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن زيد بن أرقم قال: "كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة بالحاجة على عهد رسول الله -عليه السلام-؛ حتى نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت" .

                                                الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك ، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الحارث ، عن أبي عمرو ، عن زيد بن أرقم .

                                                [ ص: 314 ] وأخرجه عبد بن حميد في "مسنده": أنا يزيد بن هارون ، أبنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن زيد بن أرقم قال: " كان يكلم أحدنا صاحبه في الصلاة في الحاجة؛ حتى نزلت: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت" .

                                                قوله: "حتى نزلت" مشعر بالتصريح على النسخ، وأن المراد بالقنوت: السكوت؛ لأن حتى للغاية، والفاء التي في قوله: "فأمرنا" مشعر بتعليل ما سبق.

                                                قوله: "حافظوا" أي: واظبوا وداوموا.

                                                قوله: "قانتين" نصب على الحال من الضمير الذي في "وقوموا" من القنوت، وهو السكوت ها هنا، ويرد القنوت لمعان كثيرة: للطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام.

                                                ويستفاد منه:

                                                أن المصلي يحرم عليه الكلام في الصلاة ، وأما ما لا يسمى كلاما فمن أراد إلحاقه به كان ذلك بطريق القياس، وأجمع العلماء على أن الكلام في الصلاة عامدا عالما بتحريمه لغير مصلحتها ولغير إنقاذ هالك وشبهه؛ مبطل للصلاة.

                                                وأما الكلام لمصلحتها فقال أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد : يبطل الصلاة، وجوزه الأوزاعي وبعض أصحاب مالك وطائفة قليلة، واعتبر الشافعية ظهور حرفين وإن لم يكونا مفهمين، ثم السلام كالكلام عند أبي حنيفة ، حتى إذا سلم عليه وهو في الصلاة لا يرد بلفظ ولا بإشارة، وبه قال عطاء والنخعي والثوري ، ولكن قالوا: يرده بعد السلام فإن رده بلسانه بطلت صلاته عند أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور ، وهو مروي عن أبي ذر وعطاء والنخعي والثوري ، وعن أبي حنيفة يرده في نفسه، وعند محمد بعد السلام، وقال أبو يوسف : لا في الحال ولا بعد الفراغ.

                                                [ ص: 315 ] وقال عياض : قال جماعة من العلماء: يرد السلام في الصلاة نطقا، منهم: أبو هريرة وجابر وسعيد بن المسيب والحسن وقتادة وإسحاق ، وقال عمر بن عبد العزيز ومالك وجماعة: يرد إشارة لا نطقا.

                                                وعند الشافعي أنه لا يسلم على المصلي، فإن سلم عليه لم يستحق جوابا.

                                                وعن مالك روايتان: كراهة السلام، والثانية جوازه.

                                                فإن قيل: متى كان هذا النسخ؟

                                                قلت: قال ابن حبان : توهم من لم يحكم صناعة العلم بأن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة ؛ لحديث زيد بن أرقم ، وليس كذلك؛ لأن الكلام في الصلاة كان مباحا إلى أن رجع ابن مسعود من عند النجاشي فوجدوا الإباحة قد نسخت، وكان بالمدينة مصعب بن عمير يقرئ المسلمين، وكان الكلام بالمدينة مباحا كما كان بمكة شرفها الله تعالى، فلما نسخ ذلك بمكة تركه الناس بالمدينة ، فحكى زيد ذلك الفعل؛ لا أن نسخ الكلام كان بالمدينة ".

                                                وهو لعمري كلام جيد لولا ما في كتاب الترمذي : عن زيد كنا نتكلم خلف النبي -عليه السلام- يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت..." وأهل العلم كلهم يقولون: إن سورة البقرة مدنية خصوصا هذه الآية.

                                                وقال الخطابي : نسخ الكلام كان بعد الهجرة بمدة يسيرة، وحمل بعضهم على هذا حديث ابن مسعود على مجيئه في المرة الثانية من الحبشة لا الأولى، وحمل بعضهم حديث زيد على أنه إخبار عن الصحابة المتقدمين كما يقول القائل: قتلناكم وهزمناكم يعنون الآباء والأجداد، ورد كلام الخطابي بتعذر التاريخ وليس جيدا؛ لأن في حديث جابر المخرج عند مسلم : بعثني رسول الله -عليه السلام- في حاجة، ثم أدركته [ ص: 316 ] وهو يصلي فسلمت عليه، فأشار إلي، فلما فرغ قال: لم سلمت آنفا وأنا أصلي؟ فهذا الذي منعني أن أكلمك" .

                                                وأخرجه أيضا الأربعة وفي لفظ: "كان ذلك وهو منطلق إلى بني المصطلق " .

                                                فهذا فيه بيان ما أشكل على من رد كلام الخطابي ، ورد أيضا لما قاله ابن حبان . فافهم، وسيجيء مزيد الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.

                                                وأما أثر مجاهد : فقد أخرجه من طريقين صحيحين:

                                                الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي ، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني ، عن سفيان الثوري ، عن منصور بن المعتمر ، عن مجاهد .

                                                وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه": عن الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد قال: "كانوا يتكلمون في الصلاة، ويكلم الرجل أخاه، حتى نزلت هذه الآية: وقوموا لله قانتين فقطعوا الكلام، قال: القنوت: السكوت، والقنوت: الطاعة" . انتهى.

                                                وقال ابن الأنباري : القنوت على أربعة أقسام: الصلاة، وطول القيام، وإقامة الطاعة، والسكوت".

                                                وقال الجوهري : القنوت الطاعة.

                                                وهذا هو الأصل ومنه قوله تعالى: والقانتين والقانتات ثم سمي القيام في الصلاة قنوتا، وفي الحديث: "أفضل الصلاة طول القنوت" ومنه قنوت الوتر.

                                                [ ص: 317 ] الثاني: عن أبي بشر الرقي أيضا، عن شجاع بن الوليد أيضا، عن الليث بن أبي سليم أحد مشايخ أبي حنيفة ، عن مجاهد .

                                                وأخرجه أبو موسى بن أبي بكر الحافظ : عن إسماعيل بن الفضل ، عن منصور بن الحسن ، عن محمد بن إبراهيم بن المقرئ ... بإسناده إلى مجاهد نحوه، وهو إسناد جيد.

                                                قوله: "خفض الجناح" الخفض ضد الرفع، وأراد به ها هنا السكون والقرار وعدم الالتفات.

                                                قوله: "من رهبة الله" أي من خوفه.

                                                وأما أثر الشعبي : فأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان ، عن أحمد بن يونس بن عبد الله شيخ البخاري ومسلم وأبي داود ، عن محمد بن طلحة بن مصرف اليامي ، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري ، عن عامر بن شراحيل الشعبي -رضي الله عنه-.

                                                وأما أثر جابر بن زيد الأزدي أبي الشعثاء : فأخرجه بإسناد صحيح أيضا، عن محمد بن خزيمة بن راشد ، عن حجاج بن المنهال ، عن أبي الأشهب جعفر بن حيان العطاردي قال: "سألت جابر بن زيد ..." إلى آخره.



                                                الخدمات العلمية