الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1672 1673 ص: ثم قد روي عن عائشة - رضي الله عنها - بعد هذا أحاديث في الوتر إذا كشفت رجعت إلى معنى حديث سعد بن هشام هذا، فمن ذلك ما حدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال: ثنا سعيد بن منصور ، قال: ثنا هشيم ، قال: أنا أبو حرة ، قال: ثنا الحسين ، عن سعد بن هشام ، عن عائشة قالت: " كان رسول الله - عليه السلام - إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم صلى ثمان ركعات، ثم أوتر". .

فأخبرت ها هنا أنه كان يصلي ركعتين، ثم ثماني، ثم يوتر، فكان معنى "ثم يوتر" يحتمل: ثم يوتر بثلاث منهن ركعتان من الثمان وركعة بعدها، فيكون جميع ما صلى إحدى عشرة.

ويحتمل: ثم يوتر بثلاث متتابعات، فيكون جميع ما صلى ثلاث عشرة ركعة.

[ ص: 27 ] فنظرنا فيما يحتمل من ذلك; هل جاء شيء يدل على شيء منه بعينه؟ فإذا إبراهيم بن مرزوق ، ومحمد بن سليمان الباغندي ، قد حدثانا، قالا: ثنا أبو الوليد ، قال: ثنا حصين بن نافع العنبري ، عن الحسن ، عن سعد بن هشام ، قال: " دخلت على عائشة - رضي الله عنها - فقلت: حدثيني عن صلاة رسول الله - عليه السلام -، قالت: كان النبي - عليه السلام - يصلي بالليل ثمان ركعات ويوتر بالتاسعة، فلما بدن صلى ست ركعات وأوتر بالسابعة وصلى ركعتين وهو جالس". .

ففي هذا الحديث أنه كان يوتر بالتاسعة فذلك يحتمل أن يكون يوتر بالتاسعة مع اثنتين من الثمان التي قبلها حتى يتفق هذا الحديث وحديث زرارة ولا يتضادان.

التالي السابق


ش: اعلم أنه قد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن وتر النبي - عليه السلام - ثلاث بتسليمة واحدة وهو في رواية سعد بن هشام عنها كما مر آنفا، وروي عنها أيضا أحاديث في بعضها ما يناقض هذا، وأحاديث أخرى بينها تضاد ظاهرا، ولكن إذا كشفت معانيها ترجع كلها إلى معنى واحد وهو المعنى الذي يفهم من حديث سعد بن هشام من أن الوتر ثلاث ركعات بقعدتين وتسليمة واحدة في آخره، فأشار إلى بيان ذلك بقوله: ثم قد روي عن عائشة - رضي الله عنها - ... إلى آخره.

فمن جملة ذلك ما رواه سعد بن هشام عنها: "أنه - عليه السلام - كان إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين ثم صلى ثمان ركعات ثم أوتر".

أخرجه من طريق صحيح على شرط مسلم ، عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود ، عن هشيم بن بشير ، عن أبي حرة -بضم الحاء المهملة- واصل بن عبد الرحمن البصري، روى له مسلم والنسائي ، عن الحسن البصري ، عن سعد بن هشام .

وأخرجه مسلم والنسائي مقتصرا على قوله: "بركعتين خفيفتين" بهذا

[ ص: 28 ] الإسناد بعينه، فأخبرت عائشة - رضي الله عنها - في هذا الحديث أنه - عليه السلام - كان يصلي ركعتين، ثم يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر فقولها: "ثم يوتر" يحتمل وجهين:

الأول: ثم يوتر بثلاث ركعات منهن ركعتان من الثمان وركعة بعدها، فيكون حينئذ جميع ما صلى إحدى عشرة ركعة; ثمان ركعات تطوع، وثلاث وتر.

الثاني: ثم يوتر بثلاث ركعات متتابعات، فيكون جميع ما صلى ثلاث عشرة ركعة; عشر ركعات تطوع، وثلاث وتر، فبهذا الاحتمال لا يحكم بشيء بعينه إلا إذا دل دليل على شيء من ذلك بعينه.

فنظرنا في ذلك، فوجدنا سعد بن هشام أيضا روى عن عائشة: "أنه - عليه السلام - كان يصلي بالليل ثمان ركعات ويوتر بالتاسعة"، فهذا صريح على أنه كان يوتر بالتاسعة مع الركعتين من ثمان ركعات التي قبلها، فدل ذلك على أن المراد في الحديث الأول هو الاحتمال الأول; لأن الحديثين كليهما من رواية الحسن البصري ، عن سعد بن هشام، وقد بين أحدهما معنى الآخر.

وإنما قلنا هكذا; ليقع الاتفاق بين روايتي سعد بن هشام عن عائشة، اللتين بينهما تضاد ظاهرا، بيانه: أن زرارة بن أوفى روى عن سعد بن هشام ، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام -: "أنه كان لا يسلم في ركعتي الوتر"، وأن الحسن البصري روى عن سعد في الروايتين المذكورتين أنه كان يصلي ثمان ركعات في إحديهما: "ثم أوتر"، وفي الأخرى: "ثم يوتر بالتاسعة" فبين قوله: "لا يسلم في ركعتي الوتر" وقوله:"ثم أوتر" تضاد ظاهرا; لأن الأول يدل على أن الثلاث متتابعات، والثاني يدل على أن الثالثة مفصولة من الركعتين، فإذا حملنا معنى قوله: "ثم أوتر" على معنى أنه أوتر بالتاسعة مع اثنتين من الثمان التي قبلها; يقع الاتفاق ويرتفع التضاد.

ثم إسناد حديث ابن مرزوق صحيح أيضا، ورجاله ثقات.

ومحمد بن سليمان بن الحارث الباغندي قال الدارقطني: لا بأس به. وقال الخطيب: رواياته كلها مستقيمة. ونسبته إلى باغند قرية من قرى واسط.

[ ص: 29 ] وأبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود ، وحصين بن نافع الفهري التميمي الوراق البصري، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي .

وأخرجه النسائي بهذا الإسناد : أنا محمد بن عبد الله الخلنجي، قال: ثنا أبو سعيد -يعني مولى بني هشام- قال: ثنا حصين بن نافع، قال: ثنا الحسن ، عن سعد بن هشام: "أنه وفد على أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - فسألها عن صلاة رسول الله - عليه السلام -، فقالت: كان يصلي من الليل ثمان ركعات ويوتر بالتاسعة ويصلي ركعتين وهو جالس".

وأخرجه من طريق آخر: أخبرنا زكرياء بن يحيى، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عبد الرزاق قال: أبنا معمر ، عن قتادة ، عن الحسن، قال: أخبرني سعد بن هشام ، عن عائشة أنه سمعها تقول: "إن رسول الله - عليه السلام - كان يوتر بتسع ركعات ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فلما ضعف أوتر بسبع ركعات ثم يصلي ركعتين وهو جالس".

وأخرجه من خمس طرق أخرى مطولة ومختصرة.

وأخرجه مسلم مطولا جدا.

وكذا أخرجه أبو داود بطرق مختلفة مطولة ومختصرة.

وقوله: "ويوتر بالتاسعة" أي بالركعة التاسعة، والمعنى يجعل التاسعة وترا بركعتين قبلها والكل ثلاث وتر.

[ ص: 30 ] قوله: "فلما بدن" بتشديد الدال معناه كبر وأسن، وأما بدن -بتخفيف الدال وضمها- فمعناه كثر لحمه وسمن، ولم يكن سمينا. كذا قاله أبو عبيدة .

قلت: يرد عليه ما جاء من حديث ابن أبي فضالة في صفته - عليه السلام -: "بادن متماسك" من البدانة وهي كثرة اللحم.

قوله: "وأوتر بالسابعة" أي بالركعة السابعة، ومعناه: بركعتين قبلها كما ذكرناه.

قوله: "وهو جالس" كلمة وقعت حالا.

وقد أخذ الأوزاعي وأحمد بظاهر الحديث، فأباحا ركعتين بعد الوتر جالسا، وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنع من فعله. قال النووي: وأنكره مالك .

قلت: الصواب أن النبي - عليه السلام - فعل هاتين الركعتين بعد الوتر جالسا لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، وبيان جواز الفعل جالسا، ولم يواظب على ذلك، بل فعله مرة أو مرتين أو مرات قليلة.

فإن قيل: قد أخبرت عائشة - رضي الله عنها - بقولها: "كان يصلي" وهذه لفظة تدل على الاستمرار والثبات.

قلت: المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أن "كان" لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنما هي فعل ماضي يدل على وقوعه مرة، فإن دل دليل على التكرار عمل به وإلا فلا تقتضيه بوضعها. وفيه نظر; لأن أهل اللغة العربية ذكروا أن "كان" تدل على الثبات والاستمرار، وفرقوا بينها وبين "صار"، وقالوا: إن "صار" تدل على الحدوث والتجدد، واستشهدوا عليه بجواز القول: وكان الله غفورا رحيما وبعدم جواز "صار الله"، فافهم.

والتحقيق فيه: أنه - عليه السلام - كان يفعل ذلك مستمرا بعد أن بدن، فتكون مداومته على ذلك للعجز; ولأن باب النفل أوسع، والله أعلم.

[ ص: 31 ] واستدل به الشافعي في أحد أقواله: أن الوتر سبع ركعات، ونحن نقول أن الوتر منها ثلاث ركعات ليس إلا، والأربع قبله نفل، والحديث لا يدل على أن الوتر سبع ركعات، وإنما قال: "ويوتر بالسابعة" أي بالركعة السابعة مع شفع تقدمها.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث