الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1959 1960 ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون ابن عباس وسمرة - رضي الله عنهم - لم يسمعا من النبي - عليه السلام - في صلاته تلك حرفا -وقد جهر فيها- لبعدهما منه، فهذا لا ينفي الجهر; إذ كان قد روي عنه أنه قد جهر فيها بالقراءة.

                                                [ ص: 363 ] ومما روي عنه في ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود ، قال ثنا عمرو بن خالد ، قال: ثنا ابن لهيعة ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة: " أن رسول الله - عليه السلام - جهر بالقراءة في كسوف الشمس". .

                                                حدثنا فهد ، قال: ثنا الحسن بن الربيع ، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، - رضي الله عنها، عن النبي - عليه السلام - مثله.

                                                فهذه عائشة تخبر أنه قد جهر فيها بالقراءة، فهي أولى لما قد ذكرنا.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي وكان من الدليل والبرهان للجماعة الآخرين على الطائفة الأولى في ذلك، أي فيما ذهبوا إليه من جهر القراءة في صلاة الكسوف، وهذا في الحقيقة جواب عن حديثي ابن عباس وسمرة اللذين تمسك بهما الطائفة الأولى، بيانه أنه يجوز أن يكون ابن عباس وسمرة لم يسمعا من النبي - عليه السلام - في صلاته تلك حرفا، والحال أنه - عليه السلام - قد كان جهر فيهما ولكنهما لم يسمعا ذلك لبعدهما عن النبي - عليه السلام -، فحكيا على ما شاهداه من ذلك، فإذا كان كذلك فهذا لا ينفي جهره - عليه السلام - بالقراءة فيها; لأنه قد روي عنه أنه قد جهر فيها بالقراءة، وهو معنى قوله: "إذ كان قد روي عنه أنه قد جهر فيها بالقراءة"، وكلمة "إذ" ها هنا للتعليل.

                                                ثم بين ذلك بما أخرجه عن عائشة - رضي الله عنها - من طريقين:

                                                الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن عمرو بن خالد بن فروخ الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري ، عن عبد الله بن لهيعة المصري، وهو إن كان فيه مقال فقد وثقه أحمد وغيره، على أن حديثه ها هنا متابع لآخر قد رواه بطريق صحيح جدا على ما يجيء الآن، وبهذا يندفع ما قاله البيهقي أن الطحاوي قد يحتج في كتابه بابن لهيعة. وهو يروي عن عقيل -بضم العين وفتح القاف- بن خالد بن عقيل -بالفتح- الأيلي روى له الجماعة، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - رضي الله عنها -.

                                                [ ص: 364 ] والثاني: عن فهد بن سليمان ، عن الحسن بن الربيع بن سليمان البجلي الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه ، عن أبي إسحاق الفزاري إبراهيم بن محمد بن الحارث الكوفي سكن المصيصة روى له الجماعة، عن سفيان بن حسين بن الحسن الواسطي روى له الجماعة البخاري مستشهدا، ومسلم في مقدمة كتابه، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها -.

                                                وأخرجه البخاري مطولا: عن محمد بن مهران ، عن الوليد ، عن ابن نمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة مطولا، ثم قال في آخره: تابعه سفيان بن حسين وسليمان بن كثير ، عن الزهري في الجهر.

                                                ومسلم أيضا: عن محمد بن مهران الرازي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: أنا عبد الرحمن بن نمر، أنه سمع ابن شهاب يخبر، عن عروة ، عن عائشة: "أن النبي - عليه السلام - جهر في صلاة الخسوف بقراءته، وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات".

                                                وأبو داود : عن العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، ثنا الأوزاعي، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير ، عن عائشة: "أن رسول الله - عليه السلام - قرأ قراءة طويلة فجهر بها. يعني في صلاة الكسوف".

                                                والترمذي : عن أبي بكر محمد بن أبان، قال: نا إبراهيم بن صدقة ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة: "أن النبي - عليه السلام - صلى صلاة الكسوف وجهر بالقراءة فيها".

                                                قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

                                                [ ص: 365 ] والنسائي : عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا الوليد، قال: ثنا عبد الرحمن ابن نمر، أنه سمع الزهري يحدث، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها -، عن رسول الله - عليه السلام -: "أنه صلى أربع ركعات في أربع سجدات وجهر فيها بالقراءة، كلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد".




                                                الخدمات العلمية