الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1676 1677 1678 1679 1680 1681 ص: وقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة - رضي الله عنها - في ذلك: [ما قد] حدثنا أحمد بن داود ، قال: ثنا سهل بن بكار ، قال: حدثني أبان بن يزيد ، قال: حدثني ابن أبي كثير، قال: ثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة: "أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة; يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، وصلى بين أذان الفجر والإقامة ركعتين". .

فيحتمل أن تكون الثمان ركعات التي أوتر بتاسعتهن في هذا الحديث هي الثمان التي ذكر سعد بن هشام عن عائشة - رضي الله عنها - "أن رسول الله - عليه السلام - كان يصلي قبلهن أربع

[ ص: 35 ] ركعات" ليتفق هذا الحديث وحديث سعد، ، ويكون هذا الحديث قد زاد على حديث سعد وحديث عبد الله بن شقيق تطوع رسول الله - عليه السلام - بعد الوتر. .

ويحتمل أيضا أن تكون هذه التسع هي التسع التي ذكرها سعد بن هشام في حديثه عن عائشة: أن رسول الله - عليه السلام - كان يصليهما لما بدن; فيكون ذلك تسع ركعات مع الركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتتح بهما صلاته، ثم كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسا بدلا مما كان يصليه قبل أن يبدن قائما وهو ركعتان، فقد عاد ذلك أيضا إلى ثلاث عشرة ركعة.

حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز ، قال: ثنا علي بن المبارك ، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، قال: " سألت عائشة عن صلاة رسول الله - عليه السلام - بالليل، فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، وإذا أراد أن يركع قام فركع قائما ثم سجد، وكان يصلي ركعتين بين الأذان والإقامة من صلاة الصبح". .

فهذا الحديث معناه معنى حديث أحمد بن داود، ، عن سهل بن بكار غير أنه ترك ذلك الوتر.

وحدثنا فهد ، قال: ثنا علي بن معبد ، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: " كان رسول الله - عليه السلام - يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة منها ركعتان وهو جالس، ويصلي ركعتين قبل الصبح".

فتلك ثلاث عشرة ركعة، . فقد وافق هذا الحديث أيضا حديث أحمد بن داود. ،

وقولها: "يصلي ركعتين قبل الصبح" يعني قبل صلاة الصبح، وهما الركعتان اللتان ذكرهما أحمد بن داود في حديثه أنه كان يصليهما بين الأذان والإقامة.

وحدثنا أحمد بن أبي عمران ، قال: ثنا القواريري . (ح).

وحدثنا روح بن الفرج ، قال: ثنا حامد بن يحيى ، قالا: ثنا سفيان ، قال: ثنا ابن أبي لبيد ، قال: سمعت أبا سلمة يقول: " دخلت على عائشة - رضي الله عنها -، فسألتها عن

[ ص: 36 ] صلاة رسول الله - عليه السلام - بالليل، فقالت: كانت صلاته في رمضان وغيره سواء; ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر".


فقد وافق هذا الحديث أيضا ما رويناه قبله من حديث أبي سلمة .

وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره: "أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله - عليه السلام - في رمضان؟ فقالت: ما كان النبي - عليه السلام - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة; يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. قالت عائشة - رضي الله عنها -: فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي".

فيحتمل هذا الحديث أن يكون قولها "ثلاثا" تريد [يوتر] بإحداهن مع اثنتين من الثمان، ثم يصلي الركعتين الباقيتين، وهما الركعتان اللتان ذكرهما أبو سلمة فيما تقدم مما روينا عنه أنه كان يصليهما وهو جالس; حتى يتفق هذا الحديث وما تقدمه من أحاديثه، ويحتمل أن تكون الثلاث كلها وترا، وهو أغلب المعنيين; لأنها قد فصلت صلاته فقالت: فكان يصلي أربعا، ثم أربعا، ووصفت ذلك كله بالحسن والطول، ثم قالت: "ثم يصلي ثلاثا" ولم تصف ذلك بطول، وجمعت الثلاث بالذكر، فذلك عندنا على الوتر، فيكون جميع ما كان يصليه إحدى عشرة ركعة مع الركعتين الخفيفتين اللتين في حديث سعد بن هشام، أو مع الركعتين اللتين كان يصليهما وهو جالس بعد الوتر . وهذا أشبه بروايات أبي سلمة . لأن جميعها تخبر عن صلاته بعدما بدن، وحديث سعد بن هشام يخبز عن صلاته بعدما بدن وعن صلاته قبل ذلك.

التالي السابق


ش: لما ذكر فيما مضى أنه قد روي عن عائشة أحاديث في الوتر إذا كشفت رجعت إلى معنى حديث سعد بن هشام الذي رواه عنه زرارة بن أوفى وهو: "أنه - عليه السلام - كان

[ ص: 37 ] لا يسلم في ركعتي الوتر"،
ثم وفق بين ما وقع في روايات سعد بن هشام من التخالف ظاهرا، وكذا ما وقع بين روايته وبين رواية عبد الله بن شقيق; شرع ها هنا بذكر ما رواه أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن ، عن عائشة; ليوفق بينه وبين ما روي من غيره عن عائشة في هذا الباب، فأخرج حديثه من ستة طرق:

الأول: عن أحمد بن داود المكي ، عن سهل بن بكار بن بشر الدارمي البصري المكفوف شيخ البخاري وأبي داود ، عن أبان بن يزيد العطار البصري ، عن يحيى بن أبي كثير الطائي ، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ، عن عائشة.

وأخرجه مسلم : ثنا محمد بن مثنى، قال: نا ابن أبي عدي، نا هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة قال: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله - عليه السلام -، فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، وإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح".

وأخرجه أبو داود : ثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم، قالا: نا أبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن عائشة: "أن نبي الله - عليه السلام - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة; كان يصلي ثمان ركعات، ويوتر بركعة ثم يصلي -قال مسلم: بعد الوتر- ركعتين وهو قاعد، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ويصلي بين أذان الفجر والإقامة ركعتين".

وأخرجه النسائي : أنا عبد الله بن فضالة بن إبراهيم، قال: ثنا محمد -يعني ابن المبارك- الصوري، قال: ثنا معاوية -يعني ابن سلام- عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: "أنه سأل عائشة عن صلاة رسول الله - عليه السلام -

[ ص: 38 ] من الليل، فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة; تسع ركعات قائما يوتر فيها، وركعتين جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فركع، وسجد، ويفعل ذلك بعد الوتر، فإذا سمع نداء الصبح، قام فركع ركعتين خفيفتين".


قوله: "فيحتمل أن يكون ... " إلى آخره، بيان وجه التوفيق بين هذا الحديث الذي رواه أبو سلمة عن عائشة، وبين الحديث الذي رواه سعد بن هشام وعبد الله بن شقيق عنها، ملخصه أن يقال: يحتمل أن يكون المراد من قولها: "يصلي ثمان ركعات ثم يوتر بركعة" في حديث أبي سلمة هو الثمان ركعات التي ذكرت في حديث سعد بن هشام عن عائشة، وهو قولها: "فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ثم يقوم فيصلي ثمان ركعات ... " الحديث، فحينئذ يتفق الحديثان.

ولكن يكون في حديث أبي سلمة زيادة على حديث سعد بن هشام ، وعبد الله بن شقيق، وهي تطوع رسول الله - عليه السلام - بعد الوتر; لأن هذا التطوع -وهو الركعتان بعد الوتر- لم يذكر في حديثهما، والمذكور في حديث عبد الله بن شقيق من الركعتين بعد الوتر هو ركعتا الفجر، وهما سنة غير تطوع، ويحتمل أيضا أن يكون المراد من هذه التسع أعني تسع ركعات التي ذكرها أبو سلمة في حديثه -وهو قول عائشة: "يصلي ثمان ركعات ثم يوتر بركعة" وهي تسع ركعات- هي التسع الركعات التي ذكرها سعد بن هشام في حديثه عن عائشة أن رسول الله - عليه السلام - كان يصليها لما بدن; وذلك لأنه لما بدن كان يصلي ست ركعات، ثم يوتر بالسابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فهذه تسع ركعات، فتكون ثلاث عشرة ركعة مع الركعتين الخفيفتين اللتين كان - عليه السلام - يفتتح بهما صلاته، فحينئذ يتفق الحديثان أيضا.

وقد قيل: وجه هذا الاختلاف عن عائشة في أعداد الركعات في صلاته - عليه السلام - في الليل; إما من الرواة عنها، وإما منها باعتبار أنها أخبرت عن حالات منها ما هو الأغلب عن فعله - عليه السلام -، ومنها ما هو نادر، ومنها ما هو بحسب اتساع الوقت وضيقه.

[ ص: 39 ] الطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن هارون بن إسماعيل الخزاز -المعجمات- البصري، روى له الجماعة سوى أبي داود ، عن علي بن المبارك الهنائي البصري، روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ... إلى آخره.

وأخرجه النسائي : أنا إسماعيل بن مسعود، قال: ثنا خالد، قال: ثنا هشام، قال: ثنا يحيى ، عن أبي سلمة: "أنه سأل عائشة عن صلاة رسول الله - عليه السلام - بالليل، قالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة; يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ويصلي ركعتين بين الأذان والإقامة في صلاة الصبح".

قوله: "فهذا الحديث" أي الحديث [الذي] رواه علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة، معناه معنى حديث أحمد بن داود المكي ، عن سهل بن بكار ، عن أبان بن يزيد ، عن ابن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة، وهو الحديث الأول، غير أن إبراهيم بن مرزوق في روايته عن هارون بن إسماعيل ، عن علي بن المبارك ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ترك ذكر الوتر، حيث لم يقل بعد قوله: "يصلي ثمان ركعات": "ثم يوتر" كما ذكره أحمد بن داود ، عن سهل ، عن أبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة: "يصلي ثمان ركعات ثم يوتر بركعة"، وكما وقع ذكره في رواية النسائي كما ذكرنا، ولكنه مراد هاهنا أيضا، ولا يلزم أن يكون جميع ما صلى اثنتي عشرة ركعة، وليس كذلك، بل الروايات على أنها كانت ثلاث عشرة ركعة.

الطريق الثالث: عن فهد بن سليمان ، عن علي بن معبد بن شداد العبدي ، عن إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري المدني قارئ أهل المدينة، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني ، عن أبي سلمة ... إلى آخره.

[ ص: 40 ] وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ... إلى آخره نحوه.

قوله: "فقد وافق هذا الحديث أيضا حديث أحمد بن داود" أراد به الحديث الأول الذي رواه عن أحمد بن داود المكي ، عن سهل بن بكار ، عن أبان ، عن يحيى ابن أبي كثير ، عن أبي سلمة; لأن في كل منهما: ثلاث عشرة ركعة، والموافقة بينهما في هذا، وفي قولهما: "يصلي ركعتين قبل الصبح"; لأن المراد من هذا هو ما ذكره أحمد بن داود في حديثه أنه كان يصليهما بين الأذان والإقامة، أي بين أذان الصبح وإقامته، فافهم.

الطريق الرابع: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي ، عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن أبي لبيد الثقفي المدني ، عن أبي سلمة .

وأخرجه مسلم : ثنا عمرو الناقد، قال: نا سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن أبي لبيد، أنه سمع أبا سلمة قال: "أتيت عائشة - رضي الله عنها -، فقلت: أي أمه أخبريني عن صلاة رسول الله - عليه السلام -، فقالت: كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة ركعة بالليل، منها ركعتا الفجر".

الطريق الخامس: عن روح بن الفرج القطان ، عن حامد بن يحيى بن هانئ البلخي نزيل طرسوس شيخ أبي داود ، عن سفيان ... إلى آخره.

وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" : من حديث سفيان ، عن ابن لبيد نحوه.

قوله: "فقد وافق هذا الحديث أيضا ما رويناه قبله من حديث أبي سلمة" يعني من التنصيص على ثلاث عشرة ركعة.

[ ص: 41 ] وقال البيهقي: ثم إن عائشة - رضي الله عنها - أخبرت ها هنا أنه - عليه السلام - ما كان يزيد على إحدى عشرة في رمضان وغيره، وهذا هو الأغلب في رواياته، وما روي عنها من خمس عشرة فذاك في الكثير، وما روي عنها من السبع فذاك في القليل.

الطريق السادس: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن مالك ، عن سعيد المقبري ، عن أبي سلمة، والكل رجال مسلم .

والحديث أخرجه الجماعة غير ابن ماجه:

فالبخاري : عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ... إلى آخره نحوه سواء.

ومسلم : عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ... إلى آخره نحوه.

وأبو داود : عن القعنبي ، عن مالك .

والترمذي : عن إسحاق بن موسى الأنصاري ، عن معن ، عن مالك .

والنسائي : عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين ، عن ابن القاسم ، عن مالك ... إلى آخره.

قوله: "فلا تسأل عن حسنهن" معناه أنهن في غاية من كمال الحسن والطول، مستغنيات بظهور حسنهن وطولهن عن السؤال عنه والوصف.

قوله: "أتنام" الهمزة فيه للاستفهام.

قوله: "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي" هذا من خصائص الأنبياء عليهم السلام، وقد تأوله بعضهم على أن ذلك كان غالب أمره وقد ينام نادرا; لحديث الوادي "فلم يعلم بفوات الصبح حتى طلعت الشمس"، ومنهم من قال: لا يستغرقه النوم حتى

[ ص: 42 ] يكون منه الحدث، ومنهم من قال: يوم الوادي إنما نامت عيناه فلم ير طلوع الشمس، وطلوعها إنما يدرك بالعين لا بالقلب، وقيل: لا ينام قلبه من أجل أنه يوحى إليه. والصواب الأول.

قوله: "فيحتمل هذا الحديث ... " إلى آخره، إشارة إلى بيان وجه التوفيق بين حديث أبي سلمة عن عائشة هذا، وبين أحاديثه التي تقدمت; لأن بينها تضادا ظاهرا; لأنه في الأحاديث المذكورة: "كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة". وفي هذا الحديث: "ما كان النبي - عليه السلام - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة". بيان ذلك من وجهين:

أحدهما: أن قولها: "يصلي ثلاثا" يحتمل أن يكون - عليه السلام - كان يوتر بإحدى ركعتين من الثمان ركعات، ثم يصلي الركعتين الباقيتين من الثلاث وهما الركعتان اللتان ذكرهما أبو سلمة في حديثه السابق أنه كان يصليهما وهو جالس وفي ذلك أن الركعة الواحدة من الثلاث التي في قولها: "ثم يصلي ثلاثا" تضاف إلى الركعتين من الثمان ركعات التي صلاها - عليه السلام - أربعا أربعا، فتصير هذه الركعة مع الثنتين منها وترا، ثم تجعل الركعتان اللتان بقيتا من الثلاث عوض الركعتين اللتين ذكرهما أبو سلمة في حديثه الآخر أنه - عليه السلام - كان يصليهما وهو جالس، فالجملة إحدى عشرة ركعة، وتضاف إليها ركعتا الفجر فصارت ثلاث عشرة ركعة، فاتفق هذا الحديث والأحاديث التي قبله.

قوله: "اثنتين" مفعول لقوله: "يوتر بإحداهن".

قوله: "من الثمان" في محل النصب; لأنه صفة لقوله: "اثنتين" والتقدير: يجعل إحداهن وترا مع الاثنتين الكائنتين من الثمان، فافهم.

والوجه الثاني: وهو الأوجه والأصوب: أن قولها: "ثم يصلي ثلاثا" تكون كلها وترا; وذلك لأنها قد فصلت بكلامها صلاته - عليه السلام - حيث قالت: "فكان يصلي أربعا ثم يصلي أربعا" ثم وصفت كل ذلك بالحسن والطول، ثم قالت: "ثم يصلي ثلاثا"

[ ص: 43 ] ولم تصف هذه الثلاث بشيء من ذلك وإنما جمعتها بالذكر، فدل ذلك على أنهما الوتر، فيكون جميع ما صلاه: إحدى عشرة ركعة وتضاف إليها الركعتان الخفيفتان اللتان ذكرهما سعد بن هشام في حديثه عن عائشة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين ثم صلى ... "، فحينئذ تكون الجملة ثلاث عشرة ركعة، فتتفق الأحاديث كلها ويرتفع الخلاف، وتضاف إليها الركعتان اللتان كان - عليه السلام - يصليهما وهو جالس بعدما بدن، فحينئذ أيضا تكون الجملة ثلاث عشرة ركعة، وهذا أشبه بروايات أبي سلمة; لأن جميع رواياته تخبر عن صلاة النبي - عليه السلام - بعد ما بدن وأسن فحينئذ إضافة هاتين الركعتين اللتين كان يصليهما وهو جالس إلى تلك الإحدى عشرة يكون أنسب وأشبه من إضافة تلكما الركعتين الخفيفتين اللتين كان يصليهما إذا قام من الليل.

وهذا الذي ذكره الطحاوي أجود وأحسن من الذي ذكره بعض المحدثين والفقهاء أن هذا الاضطراب عن عائشة باعتبار الغالب والنادر، وباعتبار اتساع الوقت وضيقه، ومن قول بعضهم أيضا: إن هذا الاختلاف من الرواة، وكل ذلك ليس بشيء، بل القول ما قاله:


إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام



وفي هذا الحديث من الأحكام:

أن فيه دليلا للجمهور في أن تطويل القيام أفضل من تكثير الركوع والسجود، ويؤيده أيضا ما رواه عبد الله الحبشي الخثعمي: "أن رسول الله - عليه السلام - سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام".

أخرجه أبو داود .

وروى جابر بن عبد الله ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "أفضل الصلاة طول القنوت".

[ ص: 44 ] وأخرجه مسلم .

أراد به طول القيام.

وفيه حجة لأبي حنيفة أن التنفل بالليل أربع ركعات بتسليمة واحدة.

وفيه دليل على أن الوتر ثلاث ركعات، وهو حجة لأصحابه.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث