الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب القيام في شهر رمضان هل هو في المنازل أفضل أم مع الإمام ؟

2056 ص: قال أبو جعفر : -رحمه الله-: فذهب قوم إلى أن القيام مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل، واحتجوا في ذلك بقول النبي - عليه السلام -: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قنوت بقية ليلته".

التالي السابق


ش: أراد بالقوم هؤلاء: الليث بن سعد وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق; فإنهم قالوا: القيام مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل.

[ ص: 462 ] وقال أبو عمر: قال أحمد بن حنبل: القيام في المسجد أحب إلي وأفضل من صلاة المرء في بيته.

وقال به قوم من المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي، فمن أصحاب أبي حنيفة: عيسى بن أبان ، وبكار بن قتيبة ، وأحمد بن أبي عمران، ومن أصحاب الشافعي: إسماعيل بن يحيى المزني ، ومحمد بن عبد الله بن الحكم، واحتجوا بحديث أبي ذر عن النبي - عليه السلام -: "إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة".

قال الأثرم: كان أحمد يصلي مع الناس التراويح كلها -يعني الأشفاع إلى آخرها- ويوتر معهم، ويحتج بحديث أبي ذر. وقال أحمد: كان جابر وعلي وعبد الله يصلونها في جماعة، انتهى.

قلت: ويحكى ذلك عن عمر بن الخطاب ومحمد بن سيرين وطاوس، وهو مذهب أصحابنا الحنفية أيضا.

وقال صاحب "الهداية" : يستحب أن يجتمع الناس في شهر رمضان بعد العشاء، فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحات، ثم قال: والسنة فيها الجماعة لكن على وجه الكفاية، حتى لو امتنع أهل المسجد كلهم عن إقامتها كانوا مسيئين، ولو أقامها البعض فالمتخلف عن الجماعة تارك للفضيلة; لأن أفراد الصحابة روي عنهم التخلف. انتهى.

قلت: الذي يفهم من كلام الإمام الطحاوي -رحمه الله- أنه اختار مذهب أهل المقالة الثانية، وهم الذين ذهبوا إلى أن صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام، وأشار إلى هذا أيضا في آخر هذا الباب بقوله: "وذلك هو الصواب"، وإنما لم يتعرض إلى ذكر أبي حنيفة وصاحبيه في آخر الباب على عادته في غالب الأبواب حيث يقول: وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وإذا كان خلاف بينهم بينه; إما أن مذهبهم مثل ما ذهب إليه هو بنفسه، وإما الرواية عنهم مختلفة في ذلك.

[ ص: 463 ] قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بقوله - عليه السلام -: "إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف; كتب له قنوت بقية ليلته" أي قيام بقية ليلته، والمراد من القنوت ها هنا القيام، وهذا الحديث هو بعض حديث أبي ذر المذكور ولكن لفظه عنده كما مر: "إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة".

وهذه اللفظة قريبة من لفظة الترمذي: "أنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلته".

فإن قيل: لم لم يقل: واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وقال: واحتجوا في ذلك بقول النبي - عليه السلام -: "أنه من قام ... " إلى آخره.

قلت: لما كان موضع الاحتجاج من الحديث هو قوله: "إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة" خص ذلك بالذكر، ولكنه ذكره بغير لفظه الذي ذكره في الحديث; فلا يخلو إما نقل بالمعنى، أو روايته ثبتت عنده كذلك.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث