الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المفصل هل فيه سجود أم لا ؟

2073 2074 2075 ص: وليس في هذا الحديث دليل عندنا على أن لا سجود فيها; لأنه قد يحتمل أن يكون ترك النبي - عليه السلام - السجود فيها حينئذ; لأنه كان على غير وضوء، فلم يسجد لذلك، ويحتمل أن يكون تركه لأنه كان وقت لا يحل فيه السجود، ويحتمل أن يكون تركه لأن الحكم كان عنده في سجود التلاوة أن من شاء سجده ومن شاء تركه، ويحتمل أن يكون تركه لأنه لا سجود فيها.

[ ص: 478 ] فلما احتمل تركه السجود كل معنى من هذه المعاني لم يكن هذا الحديث بمعنى منها أولى من صاحبه إلا بدلالة تدل عليه من غيره، ولكنا نحتاج إلى أن نفتش ما بعد هذا الحديث من الأحاديث لنلتمس حكم هذه السورة، هل فيها سجود أم لا سجود فيها؟

فنظرنا في ذلك فإذا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة (ح)

وحدثنا علي بن شيبة ، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عبد الله: أن النبي - عليه السلام - قرأ والنجم فلم يبق أحد إلا سجد فيها، إلا شيخ كبير أخذ كفا من تراب وقال: هذا يكفيني. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا".

التالي السابق


ش: هذا جواب عن حديث زيد بن ثابت الذي احتج به أهل المقالة الأولى، تقريره أن يقال: هذا الحديث لا يتم به الاستدلال على نفي السجدة في النجم; لأنه يحتمل أمورا:

الأول: يجوز أن يكون ترك النبي - عليه السلام - السجود فيها حينئذ لأنه كان على غير وضوء، ويبنى على هذا أن سجدة التلاوة ليست على الفور وإنما هي على التراخي، وينبني عليه أيضا أن الطهارة شرط لسجدة التلاوة، وهو مذهب جمهور العلماء; فإنهم اشترطوا الطهارة لها من الأحداث والأنجاس بدنا ومكانا وثيابا وستر العورة واستقبال القبلة، وأن كل ما يفسد الصلاة يفسدها.

وقال ابن حزم وطائفة: لا يشترط لها الطهارة. وقد ذكرناه عن قريب.

وقال البخاري : وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء.

[ ص: 479 ] وفي "المصنف" : عن الحسن: "في الرجل يسمع السجدة وهو على غير وضوء، قال: لا سجود عليه".

وعن الشعبي : "في الرجل يقرأ السجدة وهو على غير وضوء قال: يسجد حيث كان وجهه".

وعن إبراهيم : "إن لم يكن عنده ماء تيمم وسجد".

وقال ابن بطال: فإن ذهب البخاري إلى الاحتجاج بقول ابن عمر وابن عباس: "سجد معه - عليه السلام - المشركون" فلا حجة فيه; لأن سجود المشركين لم يكن على وجه العبادة لله والتعظيم له، وإنما كان لما قيل في الحديث الضعيف أنه ذكر آلهتهم، ولا يستنبط من سجودهم جواز السجود على غير وضوء لأن المشرك نجس لا وضوء له إلا بعد إسلامه.

الثاني: يجوز أن يكون ترك السجود حينئذ لكون الوقت وقت كراهة لا يحل فيه السجود، ويبنى على هذا كراهة السجود للتلاوة في الأوقات الثلاثة التي ورد النهي عن الصلاة فيها وهي طلوع الشمس وغروبها واستواؤها في كبد السماء، حتى لو تلاها في وقت غير مكروه فأداها في الوقت المكروه لا يجوز.

الثالث: يجوز أن يكون تركه لكون الحكم فيها عنده على التخيير على معنى أن من شاء سجد ومن شاء ترك، ويبنى على هذا أن سجدة التلاوة ليست بواجبة، واختلف العلماء في هذا الباب، فذهب أبو حنيفة إلى وجوبها على التالي والسامع سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد; لقوله تعالى: فاسجدوا لله واعبدوا

[ ص: 480 ] وقوله: واسجد واقترب ولدلائل أخرى ذكرت في موضعها. وذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق والأوزاعي وداود إلى أنها سنة.

وعن مالك كقول أبي حنيفة، وعنه فضيلة.

الرابع: يجوز أن يكون إنما تركه لكون أنها لا سجود فيها كما ذهبت إليه أهل المقالة الأولى.

فلما وجد ها هنا أربع احتمالات وليس أحدها أولى من الآخر إلا بدليل يوجب ترجيحه على غيره، احتجنا في ذلك إلى أن نلتمس حديثا آخر يؤخذ منه حكم هذه السورة هل فيها سجدة للتلاوة أم لا؟

فنظرنا في ذلك، فرأينا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قد روى حديثا يدل على أن فيها سجدة، فرجح هذا الحديث الاحتمالين الأولين، فوجب العمل بالحديثين، فبحديث عبد الله وجوب السجدة في هذه السورة، وبحديث زيد بن ثابت تركها عند عدم الوضوء إلى وقت الوضوء، وعند الوقت المكروه إلى وقت غير مكروه.

وقال الترمذي: وتأول بعض أهل العلم هذا الحديث وقال: إنما ترك النبي - عليه السلام - السجود لأن زيد بن ثابت حين قرأ فلم يسجد فلم يسجد النبي - عليه السلام -.

وقالوا: السجدة واجبة على من سمعها ولم يرخصوا في تركها.

وقالوا: إن سمع الرجل وهو على غير وضوء فإذا توضأ سجد، وهو قول سفيان وأهل الكوفة وبه يقول إسحاق .

وقال بعض أهل العلم: إنما السجدة على من أراد أن يسجد فيها والتمس فضلها، ورخصوا في تركها.

وقال الطبري في "تهذيب الآثار": هذا الحديث محمول على أن زيدا القارئ لم يسجد، وجماعة من العلماء عندهم إذا لم يسجد القارئ لا يسجد المستمع، بيان ذلك

[ ص: 481 ] ما في "مراسيل أبي داود" : عن زيد بن أسلم: "قرأ غلام عند النبي - عليه السلام - السجدة، فانتظر الغلام النبي - عليه السلام - أن يسجد، فلما لم يسجد قال: يا رسول الله، أليس فيها سجدة؟ قال: أنت قرأتها فلو سجدت سجدنا".

وقال ابن حزم: إن راويه ابن قسيط صح عن مالك أنه قال: لا يعتمد على روايته.

قال أبو محمد: وصح بطلان هذا الخبر بحديث أبي هريرة يرفعه: "أنه سجد في النجم"، وأبو هريرة متأخر الإسلام.

ثم إنه أخرج حديث عبد الله بن مسعود من طريقين صحيحين:

الأول: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، عن الأسود بن يزيد النخعي ، عن عبد الله .

وأخرجه البخاري : ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، نا شعبة ، عن أبي إسحاق، قال: سمعت الأسود ، عن عبد الله قال: "قرأ رسول الله - عليه السلام - النجم بمكة فسجد فيها وسجد من معه، غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. فرأيته بعد قتل كافرا".

وأخرجه مسلم : نا محمد بن المثنى ، ومحمد بن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة ... إلى آخره نحوه.

الثاني: عن علي بن شيبة ، عن يزيد بن هارون ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ... إلى آخره.

وأخرجه أبو داود : ثنا حفص بن عمر، نا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن

[ ص: 482 ] الأسود ، عن عبد الله: "أن رسول الله - عليه السلام - قرأ سورة النجم فسجد فيها، وما بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى وجهه وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد ذلك قتل كافرا".

قوله: "قرأ والنجم " أي سورة والنجم إذا هوى

قوله: "إلا شيخ" قيل: هو أمية بن خلف، وقيل: هو الوليد بن المغيرة، وقيل: هو عتبة بن ربيعة، وقيل: هو أبو أحيحة سعيد بن العاص، والأول أصح، وهو الذي ذكره البخاري في "التفسير"، وأما قول ابن بزيزة: "كان منافقا" ففيه نظر; لأن السورة مكية وإنما كان المنافقون بالمدينة، قال أبو العباس الضرير في "مقامات التنزيل": إنها مكية بالإجماع.

فإن قيل: من المراد من قوله: "وسجد من معه"؟

قلت: المسلمون والمشركون جميعا.

لأنه جاء في البخاري : عن ابن عباس: "سجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس".

وروى الدارقطني: من حديث أبي هريرة: "سجد النبي - عليه السلام - بآخر النجم والجن والإنس والشجر".

وزعم النووي أن ذلك محمول على من كان حاضرا، والذي ذكرناه يعكر عليه.

وقال عياض: وسجودهم كان لأنها أول سجدة نزلت.

قلت: فيه نظر; لأن أول ما نزل سورة "اقرأ" وفيها سجدة والنجم بعد ذلك بأعوام.

وأيضا قد روى الحاكم حديثا صحيحا على شرط الشيخين: من حديث

[ ص: 483 ] أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عبد الله: "أول سورة نزلت فيها السجدة: الحج، فقرأها النبي- عليه السلام - فسجد، وسجد معه الناس إلا رجلا أخذ التراب فسجد عليه؛ فرأيته قتل كافرا".

وقال عياض أيضا: وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان النبي - عليه السلام - من ذكر الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل لا يصح فيها شيء لا من طريق النقل ولا من طريق العقل; لأن مدح آلهة غير الله كفر، ولا يصح أن ينزل على النبي - عليه السلام - من الله كفر، ولا أن يقول النبي - عليه السلام - من قبل نفسه مداراة لهم، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه; إذ لا يصح أن يقول - عليه السلام - شيئا خلاف ما هو عليه فكيف من طريق القرآن، وما هو كفر لا يسلط الشيطان على ذلك; لأنه داعية إلى الشك في المعجزة وصدق النبي - عليه السلام -، وكل هذا لا يصح.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث