الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
2542 1511 - (2546) - (1\281 - 282) عن أبي نضرة، قال: خطبنا ابن عباس على منبر البصرة، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه لم يكن نبي إلا له دعوة قد تنجزها في الدنيا، وإني قد اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي، ولا فخر، ويطول يوم القيامة على الناس، فيقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر، فيشفع إلى ربنا عز وجل، فليقض بيننا، فيأتون آدم صلى الله عليه وسلم، فيقولون: يا آدم، أنت الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، اشفع لنا إلى ربنا فليقض بيننا، فيقول: إني لست هناكم، إني قد أخرجت من الجنة بخطيئتي، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن ائتوا نوحا رأس النبيين، فيأتون نوحا، فيقولون: يا نوح، اشفع لنا إلى ربنا فليقض بيننا، فيقول: إني لست هناكم، إني دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، [ ص: 13 ] ولكن ائتوا إبراهيم خليل الله، فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم، اشفع لنا إلى ربنا، فليقض بيننا، فيقول: إني لست هناكم، إني كذبت في الإسلام ثلاث كذبات - والله إن حاول بهن إلا عن دين الله: قوله: إني سقيم [الصافات: 89] وقوله: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون [الأنبياء: 63]، وقوله لامرأته حين أتى على الملك: أختي - وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن ائتوا موسى الذي اصطفاه الله برسالته وكلامه، فيأتونه، فيقولون: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك، فاشفع لنا إلى ربك، فليقض بيننا، فيقول: لست هناكم إني قتلت نفسا بغير نفس، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فليقض بيننا. فيقول: إني لست هناكم، إني اتخذت إلها من دون الله، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن أرأيتم لو كان متاع في وعاء مختوم عليه، أكان يقدر على ما في جوفه حتى يفض الخاتم؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيقول إن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وقد حضر اليوم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيأتوني فيقولون: يا محمد، اشفع لنا إلى ربك، فليقض بيننا، فأقول: أنا لها، حتى يأذن الله عز وجل، لمن شاء ويرضى، فإذا أراد الله تبارك وتعالى أن يصدع بين خلقه نادى مناد: أين أحمد وأمته؟ فنحن الآخرون الأولون، نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب، فتفرج لنا الأمم عن طريقنا، فنمضي غرا محجلين من أثر الطهور، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها، فآتي باب الجنة، فآخذ بحلقة الباب، فأقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فأقول: أنا محمد، فيفتح لي، فآتي ربي عز وجل على كرسيه - أو سريره شك حماد - فأخر له ساجدا، فأحمده بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي، وليس يحمده بها أحد بعدي، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، [ ص: 14 ] وقل تسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أي رب، أمتي أمتي، فيقول: أخرج من كان في قلبه مثقال كذا وكذا - لم يحفظ حماد - ، ثم أعود فأسجد فأقول: ما قلت، فيقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: أي رب أمتي، أمتي، فيقول: أخرج من كان في قلبه مثقال كذا وكذا، دون الأول، ثم أعود، فأسجد، فأقول مثل ذلك، فيقال لي: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: أي رب أمتي، أمتي؟ فقال: أخرج من كان في قلبه مثقال كذا وكذا، دون ذلك".

التالي السابق


* قوله: "إلا له دعوة": قيل: أي: دعوة لأمته وعد أن يجاب له فيهم، وقيل: دعوة متيقنة الإجابة، وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم، فهم على طمع من إجابتها، والغالب الإجابة.

وفي الحديث: كمال شفقة النبي على أمته، ورأفته بهم، واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة، فأخر دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجتهم، كذا ذكره النووي .

وقد سبق بيان كثير مما يتعلق بهذا الحديث في مسند أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - وغيره.

* "لواء الحمد": أي: لواء يدل على أنه رئيس الحامدين، ولذلك سمي: محمدا وأحمد.

* "إني لست هناكم": قال النووي: معناه: لست أهلا لذلك.

* "وإنه لا يهمني": يقال: همه الأمر; من باب نصر; كأهمه.

* "رأس النبيين": أي: أول النبيين الذين أرسلوا لرفع الكفر من الأرض. [ ص: 15 ]

* "أغرقت": من إسناد الإغراق إلى الدعوة للسببية.

* "في الإسلام": أي: في حالة الإسلام; أي: بعد أن أسلمت، أو في شأن الإسلام، وهو الأوفق بقوله: "والله إن حاول. . . إلخ "، وهذا من قول نبينا صلى الله عليه وسلم كما تدل عليه الرواية الآتية بعد، وكلمة "إن " فيه نافية.

* "وحاول": - بحاء مهملة وواو - أي: قصد.

* "وعز دين الله": - بمهملة وزاي مشددة - أي: قوته ونصرته، وفي بعض الأصول "جادل " - بجيم ودال - .

* "وعن دين الله": - بمهملة ونون - : حرف جر.

* "إني اتخذت": على بناء المفعول.

* "حتى يفض الخاتم": - بفاء وضاد معجمة مشددة - أي: يكسر ويفك.

* "خاتم النبيين": أي: فلذلك أعطي وظيفة فض الخاتم من باب الشفاعة، فإذا فضه، فتح بابها.

* "أن يصدع": أي: يحكم بالحق بينهم.

* " الآخرون": وجودا في الدنيا.

* "الأولون": شرفا وحسابا، ودخولا في الجنة يوم القيامة.

* "كلها": - بالرفع - : تأكيد لضمير تكون.

* "على كرسيه": ظاهره أن المراد حال كونه تعالى جالسا على كرسيه، فيفوض أمره إلى الله تعالى كما في أحاديث الصفات، ويمكن أن يقال: المراد: فآتي عند كرسيه تعالى.

* "فيقول: أخرج": في الحديث اختصار، وهذا يكون بعد دخول من أراد الله دخوله في النار، والله تعالى أعلم.

* * *




الخدمات العلمية