الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير الآيات من 41 إلى 80

التفسير:

قوله تعالى: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة : قال ابن عباس، وغيره: يعني: المدينة.

الضحاك: يعني: النصر، والفتح.

ولأجر الآخرة أكبر : يعني: الجنة.

مجاهد: معنى {حسنة} : لسان صدق.

و (الهجرة) المذكورة ههنا: هي الهجرة التي هاجرها الصحابة إلى أرض الحبشة; لأن السورة مكية، وقيل: نزلت الآية فيمن عذبه المشركون في الله تعالى.

وقوله: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم : قيل لهم هذا حين قالوا: أبعث الله بشرا رسولا [الإسراء: 94].

[ ص: 31 ] وقوله: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون : يعني: أهل التوراة والإنجيل; أي: فإنهم يخبرونكم أن الرسل المتقدمة كانوا رجالا.

ابن عباس: سلوهم عن محمد; يعني: من آمن منهم.

ابن زيد: أهل الذكر : أهل القراءة; يعني: من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به.

بالبينات والزبر : [أي: بالبراهين والكتب، والباء متعلقة بفعل محذوف; أي: أرسلناهم بالبينات]، ودل {أرسلنا} الأول على المحذوف، وأجاز قوم تعلقها بـ {أرسلنا} الظاهر; على أن يكون {إلا} بمعنى: (غير) .

وقوله تعالى: أو يأخذهم في تقلبهم : قال قتادة: في تقلبهم في أسفارهم، الضحاك: في تقلبهم بالليل.

أو يأخذهم على تخوف : قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: أي: على تنقص; أي: في أموالهم، ومواشيهم، وزرعهم.

الضحاك: المعنى: يأخذ طائفة، ويدع طائفة، فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها.

[ ص: 32 ] وقال عمر رضي الله عنه: ما كنت أعرف ما التخوف؟ حتى سمعت قول الشاعر: [من البسيط]

تخوف السير منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن

يصف ناقة نقص السير سنامها بعد تمكه واكتنازه.

الليث بن سعد: على تخوف : على عجل.

وقوله تعالى: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله : قال قتادة، والضحاك، وغيرهما: يعني: أول النهار وآخره; لأن الظل بالغداة يتقلص عن الجبل من جهة اليمين، ويتقلص بالعشي من جهة الشمال.

الزجاج: يعني: سجود الجسم، وسجوده: انقياده، وما يرى فيه من أثر الصنعة، وهذا يشتمل على المؤمن والكافر، وقيل: المراد بذلك: سجود الظل، لا الجسم; فالكافر يسجد لغير الله، وظله يسجد لله تعالى.

[ ص: 33 ] ووحد (اليمين) ، وجمع (الشمال) ; لأن معنى اليمين وإن كان واحدا الجمع، ويجوز أن يكون رد {اليمين} على لفظ {ما} ، و {الشمائل} على معناها.

ومعنى وهم داخرون : وهم خاضعون صاغرون.

وقوله: ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة يعني: الملائكة الذين في الأرض، ودخلت {من} في قوله: من دابة ; لأن المعنى الجمع; أي: من الدواب.

وقيل: دخلت; لما في {ما} من الإبهام; فأشبهت الشرط في نحو: (من ضربك من رجل; فاضربه) .

وقوله تعالى: يخافون ربهم من فوقهم أي: عقاب ربهم، وقيل: وصف الباري تعالى نفسه بذلك; دلالة على العلو والقدرة.

وقوله: وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين : قيل: المعنى: لا تتخذوا اثنين إلهين، وقيل: جاء قوله: {اثنين} تأكيدا.

وقوله تعالى: وله الدين واصبا : قيل: معناه: دائما، قاله ابن عباس والحسن [ ص: 34 ] وغيرهما، وعن ابن عباس أيضا: {واصبا} أي: واجبا.

الحسن: المعنى: له الطاعة على كل حال وإن كان فيها الوصب; أي: التعب.

وقوله تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله : [أي: فمن الله هي، الفراء: التقدير: وما يكن بكم من نعمة; فمن الله، و] قيل: إن {ما} بمعنى: (الذي) ; فلا يحتاج على هذا إلى إضمار فعل، ودخول الفاء للإبهام الذي في (الذي) .

وقوله: فإليه تجأرون : قال مجاهد، وغيره: تتضرعون بالدعاء، وأصله: من (جؤار الثور) ; وهو رفعه صوته من جوع أو غيره.

ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون أي: يجعلون له أندادا يذبحون لها الذبائح، الزجاج: هذا خاص لمن كفر.

ليكفروا بما آتيناهم أي: ليجعلوا النعمة سببا للكفر، وقيل: المعنى: ليجحدوا النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليهم.

[ ص: 35 ] فتمتعوا فسوف تعلمون أي: تعلمون عاقبة أمركم، وهو وعيد وتهدد.

وقوله: ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم : [أي: لما لا يعلمون] أنه يضر وينفع نصيبا مما رزقناهم يتقربون إليه به، قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما; فـ {تعلمون} على هذا: للمشركين، وقيل: هو للأوثان، وجرى بالواو والنون مجرى من يعقل; فهو رد على {ما} ، ومفعول (يعلم) محذوف; والتقدير: ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعلم شيئا نصيبا.

وقوله: ولهم ما يشتهون يعني: البنين.

وقوله تعالى: ظل وجهه مسودا : كناية عن غمه بالبنت، ومعنى {كظيم} : حزين، عن ابن عباس، الضحاك: كميد، واشتقاقه من (الكظامة) ; وهو سد فم القربة; فكأنه - لشدة الغم الذي به- لا يقدر أن يتكلم.

يتوارى من القوم : روي: أن أحدهم كان إذا حضرت ولادة امرأته توارى، فإن ولدت أنثى; استتر، وربما وأدها.

[ ص: 36 ] وقوله تعالى: أيمسكه على هون أم يدسه في التراب : هذا تفسير لقوله: وهو كظيم ، و (الهون) و (الهوان) بمعنى، و (الدس في التراب) : ما كانوا يفعلونه من دفن البنت فيه حية.

ألا ساء ما يحكمون يعني: من جعلهم البنات لله تعالى وهم يكرهونهن.

وقوله: ولله المثل الأعلى أي: الوصف الأعلى من الإخلاص والتوحيد، وأضافه ههنا إلى نفسه، وقد قال في موضع آخر: فلا تضربوا لله الأمثال [النحل: 74]; [لأن معناه هناك: فلا تضربوا لله الأمثال] التي توجب الأشباه، وفي المثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له ولا نظير.

وقيل: هو ما يضربه لخلقه من أمثال الحكمة; كما قال تعالى: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت: 43].

وقوله تعالى: ما ترك عليها من دابة يعني: على الأرض، [فأضمر ولم يتقدم ذكر (الأرض) ]; إذ قد عرف المعنى.

ووجه ما أخبر به من إهلاكه جميع ما على وجه الأرض لو واخذ العباد [ ص: 37 ] بظلمهم: أن ما أصاب الظالم من ذلك; فهو عقاب، وما أصاب المؤمن; عوضه منه الثواب.

وقيل: إنه خاص، والمعنى: من دابة كافرة.

[وقيل: المعنى: أنه لو أهلك الآباء بكفرهم; لم تكن الأبناء].

وقوله: ويجعلون لله ما يكرهون يعني: البنات.

وقوله: وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى : قال مجاهد: هو قولهم: إن لهم البنين ولله تعالى البنات.

غيره: {الحسنى} : الجنة.

لا جرم أن لهم النار : قد تقدم القول فيه.

وأنهم مفرطون أي: أنهم متركون في النار منسيون، قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما.

الحسن: معجلون إلى النار.

وقيل: مقدمون، والعرب تقول: (أفرطنا على الماء رجلا) ، فهو مفرط; إذا قدم لطلبه، و (فرط هو) ، فهو فارط، وهذا التفسير على قراءة من فتح الراء وخفف.

[ ص: 38 ] ومن قرأ: {مفرطون} ; فهو من (أفرط في الشيء) ; إذا أسرف، وبالغ فيه; فالمعنى: مبالغون في كفرهم.

ومن قرأ: {مفرطون} ; فمعناه: مضيعون.

وقوله تعالى: تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك : هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم; لأن من تقدمه من الأنبياء قد كفر بهم قومهم.

فهو وليهم اليوم أي: ناصرهم في الدنيا على زعمهم، {ولهم} في الآخرة عذاب أليم .

وقيل: المراد بقوله: {اليوم} : يوم القيامة; أي: يقال لهم: هذا وليكم; فاستنصروا به; لينجيكم من العذاب; على التوبيخ لهم.

وقوله: وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه أي: مما في بطون ما ذكرناه; فحمل على المعنى، وقيل: الهاء راجعة [على الجنس، وقيل: هي [ ص: 39 ] راجعة] على واحد {الأنعام} ; لأن معنى (النعم) و {الأنعام} سواء.

من بين فرث ودم : (الفرث) : الثفل الذي ينزل إلى الكرش; فأعلم الله تعالى أن هذا اللبن يخرج من بين ذلك وبين الدم الذي في العروق.

وقوله تعالى: لبنا خالصا سائغا للشاربين معنى قوله: {سائغا} : لا يغص به من يشربه، وقيل: إنه لم يغص أحد بلبن قط.

وقيل: المعنى: ينساغ في الحلق، لا بشاعة فيه.

وقوله تعالى: ومن ثمرات النخيل والأعناب الآية: قد تقدم القول فيه.

وأوحى ربك إلى النحل أي: ألهمها، قاله ابن عباس، ومجاهد.

[ ص: 40 ] الحسن: جعل ذلك في غرائزها.

ومما يعرشون : قيل: هو من البيوت، وقيل: من الكرم.

فاسلكي سبل ربك ذللا ; [يجوز أن يكون قوله: {ذللا} ] للنحل، [فيكون المعنى: مطيعة، ويجوز أن يكون للسبل]; فيكون المعنى: سهلة السلوك، والأول قول ابن زيد، والثاني اختيار الطبري.

وقوله: فيه شفاء للناس : قيل: (الهاء) للعسل، وهو مذهب الحسن، وقتادة; والمعنى: فيه شفاء لبعض الناس.

وقيل: إنما كان فيه شفاء; لكثرة تصرفه في المعاجين والأدوية التي يتعالج بها.

وقيل: (الهاء) للقرآن، وهو مذهب مجاهد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث