الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير الآيات من 1 إلى 43

وقوله: وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة : [أي: ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبي بعد قتله، قاله قتادة و مجاهد .

ابن مسعود: المعنى: أنهم أهلكوا بصيحة واحدة، ولم يبعث إليهم جند من السماء.

و {ما} في قوله: وما كنا منزلين : قيل: هي نفي، وقيل: هي اسم في موضع جر على العطف [على {جند} أو في موضع نصب; على العطف] على موضع {جند} والتقدير فيه: وما كنا منزلين على الأمم الكافرة من العذاب، وإنما أخذتهم صيحة واحدة; فهلكوا.

وأكثر المفسرين على أن الرسل كانوا من الحواريين، أرسلهم الله بعد عيسى إلى أنطاكية.

وقوله: يا حسرة على العباد : (الحسرة) في اللغة: أن يلحق الإنسان من الندم [ ص: 388 ] ما يصير به حسيرا، ومعنى النداء: هذا موضع حضور الحسرة.

الطبري: المعنى: يا حسرة من العباد على أنفسهم، وتندما، وتلهفا في استهزائهم برسل الله عز وجل.

ابن عباس : يا حسرة على العباد أي: يا ويلا على العباد.

أبو العالية: {العباد} ههنا: الرسل، لما رأى الكفار العذاب; قالوا: يا حسرة على العباد ، فتحسروا على قتلهم إياهم، وترك الإيمان بهم.

وقوله: ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون : قال سيبويه: (أن) بدل من {كم} والمعنى: ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم إليهم لا يرجعون؟!

وقوله: وآية لهم الأرض الميتة : نبههم الله تعالى بهذا على بعث الموتى.

وقوله: ليأكلوا من ثمره : [الهاء في {ثمره} تعود على ماء العيون; لأن الثمر منه اندرج].

وما عملته أيديهم : قال ابن عباس : المعنى: ولم تعمله أيديهم، غيره: المعنى، والذي عملته أيديهم.

[ ص: 389 ] وقوله: سبحان الذي خلق الأزواج كلها أي: الأصناف.

وقوله: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار أي نخرجه منه: وقيل: إن {منه} بمعنى: عنه; فالمعنى: نسلخ عنه ضياء النهار.

وقوله: فإذا هم مظلمون أي: داخلون في الإظلام.

وقوله: والشمس تجري لمستقر لها أي: لموضع قرارها، قال أبو ذر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مستقرها تحت العرش». وقيل: المعنى: تجري إلى أبعد منازلها في المغرب، ثم ترجع لا تجاوزه، وفي الخبر: «إنها تذهب، فتسجد بين يدي ربها، ثم تستأذن في الرجوع، فيؤذن لها».

ومن قرأ: {لا مستقر لها} فمعناه أنها لا تثبت في موضع واحد، بل هي كل ليلة في موضع غير الموضع الذي كانت في الليلة التي قبلها فيه.

وقوله: والقمر قدرناه منازل أي: ذا منازل، وقيل: المعنى: قدرنا له منازل.

حتى عاد كالعرجون القديم : قال قتادة : هو العذق اليابس المنحني من النخلة.

[ ص: 390 ] وقوله: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر أي: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء، روي معناه عن ابن عباس والضحاك ، وعن ابن عباس أيضا: المعنى: أنهما إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر، وإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر.

قتادة : المعنى: لكل واحد حد وعلم لا يعدوه، ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا.

وقيل: المعنى: أن القمر في السماء الدنيا، والشمس في السماء الرابعة، فلا يدرك أحدهما الآخر.

وقيل: المعنى: أن سير القمر سريع، وسير الشمس بطيء، فهي لا تدركه.

وقوله: ولا الليل سابق النهار أي: كل منهما يجيء في وقته، ولا يسبق صاحبه، واستدل بعض أهل التأويل بهذه الآية على أن النهار خلق قبل الليل، وقيل: المعنى: أن الليل لا يفوت النهار بظلمته; فتكون الأوقات كلها ليلا.

وقوله: وكل في فلك يسبحون أي: يسيرون، وأخبر عنهما كما يخبر [ ص: 391 ] عمن يعقل; على ما قدمناه في غير موضع من الكتاب.

وقوله: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون : قيل: المعنى: وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية في الفلك المشحون، فالضميران مختلفان، وقيل: إن الضميرين جميعا لأهل مكة، على أن تكون {ذريتهم} أولادهم وضعفاءهم، أو على أن تكون {ذريتهم} آباءهم، سموا {ذرية} من (ذرأ الله الخلق) فالآباء على هذا ذرية، والأبناء ذرية، فـ {الفلك} -على القول الأول- سفينة نوح -عليه السلام- وكذلك إن جعل معنى {ذريتهم} آباءهم، وعلى قول من قال: إن المعنى: ذرية أهل مكة; يكون {الفلك} اسما للجنس.

و {المشحون}: الموقر، عن ابن عباس، الحسن : المحمول.

وقوله: وخلقنا لهم من مثله ما يركبون يعني: السفن الصغار، عن ابن عباس والحسن وغيرهما.

الضحاك وغيره: هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح عليه السلام.

مجاهد وعكرمة : يعني: الإبل، وروي ذلك أيضا عن ابن عباس .

وقوله: وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون الصريخ: المعين عند الصراخ بالاستغاثة، وروي معناه عن قتادة، فـ {صريخ} بمعنى: مصرخ.

[ ص: 392 ] وقوله: { إلا رحمة منا } معناه: إلا برحمة منا ومتاع إلى حين، وهو عند الكسائي وغيره: استثناء، وعند الزجاج: مفعول له.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث