الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل في شرك الذبح لغير الله وقد تقدم

الكلام عليه في باب الإشراك في العبادة أيضا

قال تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له

قال ابن كثير: يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون له ؛ أي: إنه أخلص لله صلاته وذبيحته ؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام، ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والانقياد بالقصد والنية، والعزم على الإخلاص لله تعالى.

قال مجاهد: «النسك»: الذبح في الحج والعمرة.

وقال سعيد بن جبير: نسكي: ذبحي، وكذا قال الضحاك.

وقال غيره: أي: ما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، له خالصا لوجهه، لا شريك له.

وبذلك الإخلاص أمرت وأنا أول المسلمين [الأنعام: 162- 163] من هذه الأمة ؛ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته.

قال ابن كثير: وهو كما قال ؛ فإن جميع الأنبياء قبله، كانت دعوتهم إلى الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.

كما قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [الأنبياء: 25]، وذكر آيات في هذا المعنى.

وبالجملة: إن الله تعالى تعبد عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك، كما تعبدهم [ ص: 241 ] بالصلاة وغيرها من أنواع العبادات، فإن الله تعالى أمرهم أن يخلصوا جميع أنواع العبادة له من دون كل ما سواه.

فإذا تقربوا إلى غير الله بالذبح أو غيره من أنواع العبادة، فقد جعلوا لله شريكا في عبادته.

وظاهر قوله «لا شريك له»: نفي أن يكون لله شريك في هذه العبادات.

ومنها الذبح، وهو واضح بحمد الله تعالى، وقال تعالى: فصل لربك وانحر [الكوثر: 2].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أمره أن يجمع بين هاتين العبادتين، وهما الصلاة والنسك، الدالتان على القرب والتواضع والافتقار، وحسن الظن وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله، وإلى عدته، عكس حال أهل الكبر والأنفة وأهل الغنى عن الله تعالى الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر.

ولهذا جمع بينهما في قوله: إن صلاتي ونسكي ، والنسك: الذبيحة لله تعالي ابتغاء وجهه، فإنهما أجل ما يتقرب به إلى الله.

فإنه أتى فيهما بالفاء الدالة على السبب ؛ لأن فعل ذلك سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله من الكوثر، وأجل العبادات البدنية الصلاة، وأجل العبادات المالية النحر. وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها كما عرفه أرباب القلوب الحية. إذا قارنه الإيمان والإخلاص من قوة اليقين وحسن الظن أمر عجيب.

وكان صلى الله عليه وسلم كثير الصلاة. انتهى.

وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض» رواه مسلم من طرق، وفيه قصة.

ورواه أحمد عن أبي الطفيل، قال: قلنا لعلي: أخبرنا بشيء أسره إليك [ ص: 242 ] رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ما أسر إلي شيئا كتمه عن الناس، ولكن سمعته يقول: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من غير تخوم الأرض» يعني: منارها.

واللعن: البعد عن مظان الرحمة ومواطنها، واللعين والملعون: من حقت عليه اللعنة، أو دعي عليه بها.

قال أبو السعادات: أصل اللعن: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق: السب والدعاء.

قال ابن تيمية: إن الله يلعن من استحق اللعنة بالقول، كما يصلي على من استحق الصلاة من عباده.

قال تعالى: هو الذي يصلي عليكم وملائكته إلى قوله: يوم يلقونه سلام [الأحزاب: 44]، وقال: إن الله لعن الكافرين إلى قوله: ملعونين [الأحزاب: 61].

والقرآن كلامه سبحانه أوحاه إلى جبريل -عليه السلام - وبلغه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وجبريل سمعه منه.

فالصلاة ثناء الله، والله هو المصلي.

قال: وظاهر قوله: وما أهل به لغير الله [البقرة: 173]: أنه ما ذبح لغيره تعالى، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا.

وإذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به، أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم المسيح، ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: باسم الله.

فإذا حرم ما قيل فيه: باسم المسيح، والزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح والزهرة، أو قصد به ذلك أولى.

فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة لغير الله .

[ ص: 243 ] وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا إليه، لحرم، وإن قال فيه: باسم الله ؛ كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين قد يتقربون إلى الكواكب بالذبح والنحور ونحو ذلك.

وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان:

الأول: أنها مما أهل لغير الله به.

والثاني: أنها ذبيحة المرتدين.

ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون بمكة المكرمة من الذبح للجن. ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبائح الجن. انتهى معناه.

قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا دارا، أو بنوها، أو استخرجوا عينا، ذبحوا ذبيحة ؛ خوفا أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث