الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 149 ] الإنسان لا يظهر بعد الموت بشكل آخر

والحديث دليل على أن من اعتقد أن الإنسان يظهر بعد الموت في شكل حيوان، فهو كاذب.

وأيضا كانت العرب تزعم أن بعض الأمراض كالحكة، والجذام يتعدى، ويلحق بالآخر.

فأخبر صلى الله عليه وسلم أن هذا غلط، ووهم منهم، لا أصل له في نفس الأمر.

وهذا يدل على بطلان ما هو معروف بين الناس من الاحتراز عن طفل به حصبة، وحمية الأطفال الآخرين منه؛ لئلا يتعدى هذا السقم إليهم، فذلك من رسوم الكفر لا ينبغي أن يعتقدوه.

وهكذا كانت تزعم أن الأمر الفلاني صار غير مبارك لفلان، ولم يستقم له.

فأخبر صلى الله عليه وسلم بأن هذا غلط، لا صحة له.

ولو فرض أن له تأثيرا، فهذا التأثير ليس إلا في ثلاثة أشياء: الدار، والفرس، والمرأة.

فثبت من هذا الحديث أن هذه الأشياء قد تكون مباركة، وقد لا تكون. ولكن لم يعلمنا الشارع طريق العلم بها حتى نعلم أن هذا مبارك، وذاك شؤم.

فقول عامة الناس: إن الدار التي تكون على صورة الأسد، والفرس الذي تكون جبهته كالكوكب، والمرأة القرعاء مشؤومات، فهذا لا سند له ولا أصل.

والذي ينبغي للمسلمين ألا يتوهموا ذلك. وإذا اشتروا مكانا أو دارا، أو اشتروا فرسا، أو نكحوا امرأة، أو جارية [ ص: 150 ] مملوكة، فليسألوا الله تعالى خيرها وخير ما فيها، ويستعيذوا بالله من شرها وشر ما فيها، ولا يزعموا في شيء أنه صار لهم صالحا أو غير صالح.

وفي حديث أنس يرفعه، قال رجل: يا رسول الله! إنا كنا في دار، كثير فيها عددنا وأموالنا، فتحولنا إلى دار قل فيها عددنا وأموالنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم-: «ذرها ذميمة» رواه أبو داود. والمعنى: ذروها حال كونها مذمومة ؛ لأن هواءها غير موافق لكم.

وعن يحيى بن عبد الله بن بحير، قال: أخبرني من سمع فروة بن مسيك يقول: قلت: يا رسول الله ! عندنا أرض يقال لها: أبين، وهو في الأصل اسم رجل ينسب إليه عدن، يقال: عدن أبين، وقيل: قرية إلى جانب بحر اليمن وهي أرض ريفنا أي: أرض ذات زرع وخصب، وميرتنا، أي: طعامنا المجلوب المنقول من بلد إلى بلد وإن وباءها شديد. فقال: «دعها عنك، فإن من القرف» بالتحريك: مداناة المرض «التلف» رواه أبو داود.

وهذا من باب الطب، لا من باب العدوى؛ فإن صلاح الهواء له مدخل في صلاح البدن.

قيل: وباؤها: شؤمها، فأمره بالتحول ؛ دفعا لما توهمه من العدوى. قاله السيد.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا طيرة وخيرها الفأل»، قالوا: وما الفأل ؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» متفق عليه.

ولهما عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل»: قالوا: وما الفأل؟، قال: «الكلمة الطيبة».

والمعنى: لا عبرة بتعدية الأسقام من أحد إلى أحد، ولا بالتطير تشاؤما وتفاؤلا.

[ ص: 151 ] وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم- لا يتفاءل ولا يتطير؛ أي: لا يتشاءم، وكان يحب الاسم الحسن. رواه في «شرح السنة».

التالي السابق


الخدمات العلمية