الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[أنواع الشفاعة في الدنيا والمقارنة بينها وبين الشفاعة عند الله]

شفاعة الوجاهة:

فاعلم أن الشفاعة عبارة عن السعي في حق أحد بالخير، وهو في الدنيا على أنحاء:

منها: ثبوت السرقة - مثلا - على ذمة أحد عند السلطان، فيشفع له أمير، أو وزير، أو كبير، فيعفو عنه، ولا يحده، ويبقى سليما من العذاب.

وهذه الصورة، فيها: أن السلطان يريد بقلبه الأخذ عليه، ومن سرق مستحق للجزاء الذي هو معين في قانونه وديوانه، ولكن قبل السلطان شفاعة ذلك الأمير؛ نظرا إلى شوكته وشأنه، وعفا السارق؛ لكون الشافع فيه ركنا من أركان سلطنته، وناصحا لمملكته، فيظن السلطان أن كظم الغيظ في موضع واحد، والعفو عن سارق، خير من أن يسخط على أمير كبير، تخرب المملكة وتفسد السلطنة بسخطه، ويذهب رونق الدولة بإغضابه. فمثل هذه الشفاعة يقال لها: شفاعة الوجاهة، يعني: قبلت هذه الشفاعة بناء على وجاهة ذلك الأمير أو الكبير ونحوهما، ولولا هذه الوجاهة لم تقبل. فمثلها من الشفاعة لا تتمشى في حضرة الواحد القهار ولا تقبل، ولا يقدر أحد أن يشفع مثل هذه الشفاعة عنده سبحانه أبد الآباد.

ومن اعتقد أن أحدا من الأنبياء، والأولياء، والأئمة، والشهداء، والملائكة، والكبراء، والكرماء يشفع عند الله مثل هذه الشفاعة، فهو مشرك على الحقيقة، وجاهل عظيم لم يفهم معنى الإلهية، وما قدر مالك الملك حق قدره، بل الله هو ملك الملوك، وشأنه الرفيع. إن يشأ خلق آلافا وألوفا من الأولياء والجن والملائكة، ومثل جبريل -عليه السلام - ومحمد -صلى الله عليه وسلم- بلفظة كن في آن واحد، ويقلب العالم كله من العرش [ ص: 16 ] إلى الفرش في ساعة واحدة، ويقيم عالما آخر مقامه. كيف، و إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] لا يحتاج في صفة تكوينه إلى أسباب وآلات ومواد.

ولو فرض أن الأولين والآخرين من الجن والإنس أجمعين يصيرون كجبريل، ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - لا يزيد رونق في سلطنة هذا المالك؛ مالك الملك، وملك الملوك. وإن صار كلهم أجمعون كالشيطان والدجال، لا ينقص في ملكه ومملكته شيء، ولا يذهب رونقه أصلا.

فإنه تعالى شأنه أكبر الكبراء، وأعظم العظماء، وسلطان السلاطين، ومالك المالكين، وأحكم الحاكمين. ليس لأحد أن يفسد شيئا منه أو يصلح أمرا له.

التالي السابق


الخدمات العلمية