الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دعاء الاستفتاح

ثم يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

التالي السابق


والثانية منهما استحباب التعوذ بعد دعاء الاستفتاح، وإليه أشار المصنف بقوله: (ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) . قال الرافعي : هكذا ذكره الشافعي وورد في الخبر، وحكي عن القاضي الروياني عن بعض أصحابنا أن الأحسن أن يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ولا شك أن كلا منهما جائز يؤدى به الغرض، وكذا كل ما يشتمل على الاستعاذة بالله من الشيطان، اهـ .

قلت: وروى أبو أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد عنه، ولفظه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم، إلى، ولا إله غيرك". ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ورجال إسناده ثقات، إلا التابعي لم يسم، واستدل الرافعي فقال: وروى جبير بن مطعم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة .

قلت: حديث جبير بن مطعم أخرجه أبو داود عن عمرو بن مرزوق، وابن ماجه وابن خزيمة عن بندار عن غندر، وأبو نعيم من رواية أبي داود الطيالسي، والطبراني في "الدعاء" من رواية أبي الوليد الطيالسي، أربعتهم عن شعبة عن عمرو بن مرة، عن عاصم الغزي، عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه بلفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة كبر، ثم قال: الله أكبر كبيرا ثلاثا، الحمد لله كثيرا ثلاثا، سبحان الله بحمده ثلاثا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه"، وأما زيادة "السميع العليم" فقد وقعت في حديث أبي سعيد الخدري، ولفظه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يصلي في الليل كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، إلى قوله: ولا إله غيرك، لا إله إلا الله ثلاثا، الله أكبر ثلاثا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه، ثم يقرأ". أخرجه ابن خزيمة والترمذي والنسائي جميعا عن محمد بن موسى عن جعفر بن سليمان عن علي بن علي الرفاعي عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد، وذكر ابن خزيمة عقب تخريجه أنه لم يسمع أحدا من أهل العلم ولا بلغه عن أحد منهم أنه استعمل هذا الحديث على وجهه، قال الحافظ: وإذا لم ينقل عن أحد منهم إنكاره لم يستلزم ذلك توهينه، والعلم عند الله تعالى .

وفي الباب عن عائشة أخرجه أبو داود في قصة فيها "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ: إن الذين جاءوا بالإفك ، الحديث .



(تنبيه) :

قال الرافعي : ومن ترك دعاء الاستفتاح عمدا أو سهوا حتى تعوذ أو شرع في الفاتحة لم يعد إليه، ولم يداركه في سائر الركعات، وفرع عليه ما لو أدرك الإمام المسبوق في التشهد الأخير فكبر وقعد، فسلم الإمام كما قعد يقوم، ولا يقرأ دعاء الاستفتاح لفوات وقته بالقعود، ولو سلم الإمام قبل قعوده لا يقعد، ويقرأ دعاء الاستفتاح اهـ .

وقال النووي : قد ذكر الشيخ أبو حامد في تعليقه أنه إذا ترك دعاء الاستفتاح وتعوذ عاد إليه من التعوذ، والمعروف في المذهب أنه لا يأتي به كما تقدم، لكن لو خالف فأتى به لم تبطل صلاته؛ لأنه ذكر. قال صاحب "التهذيب": ولو أحرم مسبوق فأمن الإمام عقب إحرامه أمن معه وأتى بدعاء الاستفتاح؛ لأن التعوذ يسير، والله أعلم .

ثم قال الرافعي : وهل يجهر بالتعوذ؟ فيه قولان، أحدهما: أنه يستحب الجهر به في الصلاة الجهرية كالتسمية والتأمين، وأصحهما وهو الذي ذكره المصنف في "الوجيز" أن المستحب فيه الإسرار بكل حال؛ لأنه ذكر شرع بين التكبير والقراءة، فيسن فيه الإسرار كدعاء الاستفتاح، وذكر الصيدلاني وطائفة من الأصحاب أن الأول قوله القديم، والثاني الجديد، وحكى في "البيان" القولين على وجه آخر فقال: أحد القولين أنه يتخير بين الجهر والإسرار، ولا ترجيح، والثاني أنه يستحب فيه الجهر، ثم نقل عن أبي علي الطبري أنه يستحب فيه الإسرار به، فتحصلنا على ثلاثة مذاهب في المسألة .

قلت: القول القديم أخرجه الشافعي في "الأم" من طريق صالح بن أبي صالح، أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعا صوته يقول: "ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم"، قال: وكان [ ص: 47 ] ابن عمر يتعوذ سرا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث