الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل شرط وركن النية

ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلة وكانت المرآة كلها صدئة فاحتجبت عنها الهداية لا لبخل من جهة المنعم بالهداية بل لخبث متراكم الصدإ على مصب الهداية تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك ؛ إذ الطبع مجبول على إنكار غير الحاضر ولو كان للجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء ولو كان للطفل تمييز ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السموات والأرض وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده .

ومن أنكر طور الولاية لزمه أن ينكر طور النبوة ، وقد خلق الخلق أطوارا فلا ينبغي أن ينكر كل واحد ما وراء درجته نعم لما طلبوا هذا من المجادلة والمباحثة المشوشة ولم يطلبوها من تصفية القلوب عما سوى الله عز وجل فقدوه فأنكروه .

ومن لم يكن من أهل المكاشفة فلا أقل من أن يؤمن بالغيب ويصدق به إلى أن يشاهد بالتجربة ففي الخبر إن العبد إذا قام في الصلاة رفع الله سبحانه الحجاب بينه وبين عبده وواجهه بوجهه ، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء بصلاته ويؤمنون على دعائه وإن ، المصلي لينثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه وينادي ، مناد لو علم هذا المناجي ما التفت وإن أبواب السماء تفتح للمصلين .

وإن ، الله عز وجل يباهي ملائكته بعبده المصلي .

التالي السابق


(ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي) جمع مرآة بالكسر (الصقيلة) ، أي : المصقولة من الصدأ (وكانت المرائي كلها صدئة) يقال : صدئ الحديد - بالهمز من باب تعب - إذا علاه الجرب ، وصدأت المرآة كذلك ، وكانت المرائي تتخذ من الحديد (فاحتجبت عنها الهداية) ، فلا تكاد ترى فيها (لا لبخل من جهة المنعم) المطلق (بالهداية) [ ص: 164 ] جل ، وعز تعالى عما لا يليق بذاته (بل لخبث تراكم) ، أي : تراكب بعضه فوق بعض كتراكم الغيث على مصب الهداية ، وجواب لما هو قوله : (تسارعت الألسنة) ، واستطالت (إلى إنكار مثل ذلك ؛ إذ الطبع) البشري مجبول (على إنكار غير الحاضر) كما يشير إليه قوله تعالى : وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ، وقوله تعالى : بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه .

وفي المشهور على الألسنة : من جهل شيئا عاداه (ولو كان للجنين) ، وهو وصف للولد ما دام في بطن أمه ، فإذا ولد فهو منفوس (عقل) يتميز به (لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء) ؛ لأنه لم يشاهده (ولو كان للطفل) الولد الصغير ، ويكون هذا الوصف حتى يميز ، ثم لا يقال له بعد ذلك طفل ، وقيل : إلى أن يحتلم ، ونظر المصنف إلى القول الأول ، فقال : (تميز ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السموات والأرض) ، أي : الغيب المختص بهما (وهكذا الإنسان في كل طور) من أطواره (يكاد ينكر ما بعده) لعدم مشاهدته (ومن أنكر طور الولاية) ، وهي عبارة عن قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه ، وذلك بتولي الحق إياه حتى يبلغه إلى غاية مقام القرب ، والتمكين ، وهي الولاية الخاصة ، وأما العامة فعبارة عن توالي الطاعات من غير تخلل عصيان (لزمه أن ينكر طور النبوة ، وقد خلق) الله (الخلق أطوارا) ، أي : على أحوال مختلفة ، وهيئات متباينة (فلا ينبغي أن ينكر واحد ما وراء درجته) .


وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار



(نعم لما طلبوا هذا) النوع من الأحوال (من) طريق (المجادلة) ، والمخاصمة (والمباحثة المشوشة) للفكر (ولم يطلبوها من) باب الرياضات والتنقية (وتصفية القلب عما سوى الله تعالى فقدوه فأنكروه) لا محالة ، وأنكروا على من قام به .

(و) الحق أن (من لم يكن من أهل المكاشفة) ، ولم يوفق لفك أسرارها (فلا أقل) أحواله (من أن يؤمن بالغيب) ، أي : يصدق بما غاب عن عقله ، وحجب عن بصره ، فيكون من الذين أثنى الله عليهم في كتابه : الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة .

(و) لا أقل من أن (يصدق به) بعد الإيمان (إلى أن يشاهد بالتجربة) بهمة مرشد كامل خبير يهديه إلى الرشد ، فتنكشف له تلك العلوم ، والمعارف ، والكمالات حتى يتعجب منها ، ولقد عرضت مرة مسألة من علوم المكاشفة على رجل من أهل العلم منصف معتقد ، فلما فهمها تعجب غاية العجب ، وقال : من أين هذا ؟ فإني قلبت كذا وكذا كتاب من فنون شتى ، ولم أذق مثل هذا ، ثم قال : كنت أظن في نفسي أني كملت ، وما بعد ما حصلته كمال ، فلما سمعت منك كذا أيقنت على نفسي بالنقصان ، فتأمل هذا - رحمك الله - من أكون ، وما يدريني علوم المكاشفة .

(ففي الخبر أن العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الله سبحانه الحجاب فيما بينه وبين عبده وواجهه بوجهه ، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء يصلون بصلاته ويؤمنون على دعائه ، وأن المصلي لينتثر) ، وفي بعض النسخ : لينثر (عليه البر من عنان السماء) ، أي : السحاب (إلى مفرق رأسه ، ويناديه مناد لو علم المناجي من يناجي ما التفت) ، وفي نسخة : ما انفتل ، ومثله في القوت : (وأن أبواب السماء تفتح) . وفي القوت : لتفتح (للمصلين ، وأن الله - عز وجل - يباهي ملائكته بعبده المصلي ) ، وفي بعض النسخ : ليباهي ملائكته بعبيده المصلين ، ونص القوت : بصفوف المصلين .

قلت : أورده صاحب القوت هكذا باختلاف يسير نبهنا عليه ، وكذا السهروردي في العوارف ، ونص كل منهما ، وقد ورد في الأخبار : ثم ساقاه ، إلا أن صاحب العوارف انتهى إلى قوله : ما التفت ، أو ما انفتل ، فجمع بين الروايتين ، وقال العراقي : لم أجده . أهـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث