الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل أهل الحديث هم الطائفة الناجية القائمون على الحق

واعلم أن الإمساك في حق الكريم جهاد لأنه قد ألف الكرم ، كما أن إخراج ما في يد البخيل جهاد . فإنما يستعين الكريم على الإمساك بذكر الحاجة إلى الأنذال قيل لبعض الحكماء : لم حفظت الفلاسفة المال ؟ فقال : لئلا يقفوا مواقف لا تليق بهم .

قال ابن الجوزي : وقد رأيت أنا ببغداد من الصوفية من كان له مال ، ودخل فكان الخلق يتقربون إلى السلاطين ويطلبون منهم وهو لا يبالي فكنت أغبطه على ذلك ; لأن من احتاج إلى السلاطين يذلونه ويحتقرونه وربما منعوه ، فإن أعطوه أخذوا من دينه أكثر قال الرشيد لمالك بن أنس : أتيناك فانتفعنا وأتى سفيان بن عيينة فلم ننتفع به ، وكان ابن عيينة يقول : قد كنت أوتيت فهما في القرآن فلما أخذت من مال أبي جعفر حرمت ذلك .

[ ص: 222 ] وإن احتاج الإنسان إلى العوام بخلوا فإن أعطوا تضجروا ومنوا . وقل من رأيناه ينافق ، أو يرائي ، أو يتواضع لصاحب دنيا إلا لأجل الدنيا . والحاجة تدعو إلى كل محنة ، قال بشر الحافي : لو أن لي دجاجة أعولها خفت أن أكون عشارا على الجسر :

فينبغي للعاقل أن يجمع همه ليقبل على العلم والعمل بقلب فارغ من الهم وبعد فإذا صدقت نية العبد ، وقصده رزقه الله تعالى ، وحفظه من الذل ودخل في قوله تعالى : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه } .

ويأتي كلام ابن عقيل نحو ثلثي الكتاب في إخراج المال والكرم والله أعلم .

وقال أيضا في كتاب السر المصون من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل الفضائل ، وأنه كلما علت مرتبته في علم وعمل زادت المرتبة في دار الجزاء ، انتهب الزمان ، ولم يضيع لحظة ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حصلها ، ومن وفق لهذا فليبتكر زمانه بالعلم ، وليصابر كل محنة وفقر ، إلى أن يحصل له ما يريد ، وليكن مخلصا في طلب العلم عاملا به حافظا له ، فإما أن يفوته الإخلاص فذاك تضييع زمان وخسران الجزاء ، وإما أن يفوته العمل به فذاك يقوي الحجة عليه والعقاب له ، وإما جمعه من غير حفظ ، فإن العلم ما كان في الصدور لا في القمطر .

ومتى أخلص في طلبه دله على الله عز وجل إلى أن قال : وليبعد عن مخالطة الخلق مهما أمكن خصوصا العوام ، وليصن نفسه من المشي في الأسواق فربما وقع البصر على فتنة ، وليجتهد في مكان لا يسمع فيه أصوات الناس ، وليزاحم القدماء من كبار العلماء والعباد منتهبا الزمان في كل ما هو أفضل من غيره ، ومن علم أنه مار إلى الله عز وجل وإلى العيش معه ، وعنده وإن أيام الدنيا أيام سفر صبر [ ص: 223 ] على تفث السفر ووسخه انتهى كلامه .

وقد قال أيضا : لو صدقت في الطلب ، ( لوقعت ) على كنز الذهب ، ولو وجدوك مستقيما ، ما تركوك سقيما شعر :

وربما غوفص ذو غفلة أصح ما كان ولم يسقم     يا واضع الميت في قبره
خاطبك القبر ولم تفهم     خاضوا أمر الهوى في فنون
فزادهم في اسم هواهم حرف نون



وقال أيضا : اعلم أن الراحلة لا تنال بالراحة ومعالي الأمور لا تنال بالراحة ، فمن زرع حصد ، ومن جد وجد :

تفانى الرجال على حبها     وما يحصلون على طائل

لا يعجبنك لينها فجلد الحية كالحرير ، ولقد رأيت كيف غرت غيرك والعاقل بصير .

أترى ينفع هذا العتاب ؟ أترى يسمع لهذا العذل جواب ؟ إذا أقلقهم الخوف ناحوا ، وإذا أزعجهم الوجد صاحوا ، وإذا غلبهم الشوق باحوا . شعر :

وحرمة الود ما لي عنكم عوض     وليس والله لي في غيركم غرض
ومن حديثي بكم قالوا به مرض     فقلت لا زال عني ذلك المرض

انتهى كلامه .

وقد روى مسلم بعد جمعه لطرق وأسانيد أظنه في حديث النهي عن يحيى بن أبي كثير وهو تابعي إمام عابد أنه قال : لا يستطاع العلم براحة الجسم وقد قيل .

[ ص: 224 ]

ليس اليتيم الذي قد مات والده     إن اليتيم يتيم العلم والأدب

وإذا كان الأمر كما قاله أبو الفرج بن الجوزي في كتابه المذكور فينبغي للمشايخ الإحسان إليهم ، والصبر على ما يكون منهم واللطف بهم ، لئلا يتضاعف ألمهم وهمهم ، فيضعف الصبر ، وتحصل النفرة عن العلم ، واستحباب ذلك من الطلبة أولى بهم والأدب والتلطف وما يعينهم على المقصود . وقد قال تعالى : { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } .

وفي الصحيحين من حديث أنس { بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا } .

وفي مسلم من حديث أبي هريرة { إنما بعثتم ميسرين } وقد ذكرت قوله لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن { : بشرا ولا تنفرا ، ويسرا ولا تعسرا ، وتطاوعا ولا تختلفا } ، وكان أبو سعيد يقول : مرحبا بوصية رسول الله .

وقال أبو داود الطيالسي حدثنا إسماعيل بن عياش حدثني حميد بن أبي سويد عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال { : علموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف } . حميد له مناكير تكلم فيه ابن عدي وغيره ، ويأتي قبل ذكر الكرم والبخل في فضول الكسب قول محمد بن عبد الباقي الحنبلي : يجب على المعلم أن لا يعنف ، وعلى المتعلم أن لا يأنف .

وقال الأعمش : كان ابن مسعود إذا جاءه أصحابه قال : أنتم جلاء قلبي . ويأتي في أول فصول العلم قول عمر رضي الله عنه : تواضعوا لمن علمكم ، وتواضعوا لمن تعلمون ، ولا تكونوا من جباري العلماء ، ويأتي بعده في فصل قال المروذي : قول عمر لا تعلم العلم لتماري به ، ولا لترائي به ، ولا لتباهي به ، ولا تتركه حياء من طلبه ولا زهادة فيه ، ولا [ ص: 225 ] رضاء بالجهالة ، وقول ابن عمر وغيره : من رق وجهه رق علمه ، وما يتعلق بذلك .

وقال عمرو بن العاص لحلقة قد جلسوا إلى جانب الكعبة فلما قضى طوافه جلس إليهم ، وقد نحوا الفتيان عن مجلسهم ، فقال : لا تفعلوا أوسعوا لهم وأدنوهم وألهموهم ، فإنهم اليوم صغار قوم يوشك أن يكونوا كبار قوم آخرين قد كنا صغار قوم أصبحنا كبار آخرين .

وهذا صحيح لا شك فيه ، والعلم في الصغر أثبت فينبغي الاعتناء بصغار الطلبة لا سيما الأذكياء المتيقظين الحريصين على أخذ العلم ، فلا ينبغي أن يجعل على ذلك صغرهم أو فقرهم وضعفهم مانعا من مراعاتهم ، والاعتناء بهم ، وقد سبق في هذا الفصل قريبا كلام الشاشي .

وقد روى البيهقي من ( طريقين ) عن أبي هريرة مرفوعا { : من تعلم القرآن في شبيبته اختلط بلحمه ودمه ، ومن تعلمه في كبره فهو يتفلت منه ولا يتركه فله أجره مرتين } ، ولآخره شاهد في الصحيحين .

وعن ابن عباس : من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا .

ورواه بعضهم مرفوعا .

وعن الحسن البصري : العلم في الصغر ، كالنقش في الحجر وقال إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن رافع ، وهو متروك مرسلا " من تعلم وهو شاب كان كرسم في حجر ، ومن تعلم في الكبر كان كالكاتب على ظهر الماء " وقال علقمة : ما تعلمته وأنا شاب فكأنما أقرأه من دفتر . وقد تواتر تعظيم الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم غاية حتى بهر الأعداء كما في حديث صلح الحديبية وغيره ، وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } . [ ص: 226 ] وقول عمر { جلسنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة كأنما على رءوسنا الطير } { وعن المغيرة بن شعبة قال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقرعون بابه بالأظافير } رواه البيهقي عن الحاكم عن الزبير بن عبد الواحد عن الحافظ محمد بن أحمد الزبيقي عن زكريا بن يحيى المنقري حدثنا الأصمعي حدثنا كيسان مولى هشام عن محمد بن هشام عن محمد بن سيرين عن المغيرة قال البيهقي ورويناه عن أنس بن مالك .

وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال : " من السنة أن يوقر أربعة : العالم ، وذو الشيبة ، والسلطان ، والوالد ، ومن الجفاء أن يدعو الرجل والده باسمه " .

وروى البيهقي من طريق سويد عن سعيد عن خالد بن يزيد عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أمامة مرفوعا { ثلاث من توقير جلال الله ذو الشيبة في الإسلام ، وحامل كتاب الله عز وجل ، وحامل العلم من كان صغيرا أو كبيرا } خالد ضعفه أحمد وابن معين والأكثر .

وقال الشعبي : أخذ ابن عباس بركاب زيد بن ثابت ، وقال : هكذا يصنع بالعلماء وقال أيوب عن مجاهد أن ابن عمر أخذ له بالركاب ، وأخذ الليث بركاب الزهري وقال الثوري عن مغيرة : كنا نهاب إبراهيم كما نهاب الأمير ، وكذلك أصحاب مالك مع مالك .

ولذلك قال الشاعر :

يأبى الجواب فما يراجع هيبة     والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى     فهو الأمير وليس ذا سلطان

وقال الربيع والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر هيبة له .

وقال الشافعي : رضي الله عنه إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأنما رأيت رجلا من أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم وقال الفضيل بن عياض ارحموا عزيز قوم ذل ، وغني قوم افتقر ، وعالما بين جهال ، قال البيهقي وروي هذا مرفوعا ولا يصح . [ ص: 227 ]

وقال ابن طاهر المقدسي الحافظ : سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري يعني شيخ الإسلام سمعت أبا الفضل الجارودي يقول : رحلت إلى أبي القاسم الطبراني إلى أصبهان فلما دخلت عليه قربني وأدناني ، وكان يتعسر علي في الأخذ فقلت له يوما : أيها الشيخ لم تتعسر علي وتبذل للآخرين قال : لأنك تعرف قدر هذا الشأن وهؤلاء لا يعرفون قدره .

قال ابن طاهر : سمعت أبا إسماعيل الأنصاري الحافظ يقول : رأيت في حضري وسفري حافظا ونصف حافظ ، فالحافظ أبو بكر أحمد بن علي الأصبهاني ، والآخر أبو الفضل الجارودي ، وكان إذا حدث عن الجارودي يقول : حدثنا إمام المشرق .

وفي تاريخ المادح والممدوح للحافظ عبد القادر الرهاوي أن الجارودي محمد بن أحمد توفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة ، وإن أبا إسماعيل الأنصاري كان إذا حدث عن أحمد بن علي الأصبهاني قال : أخبرنا أحمد بن علي وكان أحفظ البشر .

قال ابن طاهر رحلت من مصر إلى نيسابور لأجل أبي القاسم الفضل بن عبد الله بن المحب صاحب أبي الحسين الخفاف ، فلما دخلت عليه قرأت في أول مجلس جزأين من حديث أبي العباس السراج فلم أجد لذلك حلاوة واعتقدت أني نلته بغير تعب ; لأنه لم يمتنع علي ولا طالبني بشيء هو كل حديث من الجزأين يسوى رحلة ، وسيأتي ما يتعلق بهذا في فصول القيام وبعدها قبل فصول العلم وفي فصول العلم أيضا والله أعلم .

وقد قيل :

ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد     أحدا سواك إلى المكارم ينسب
فاصبر لعادتنا التي عودتنا     أو لا فأرشدنا إلى من نذهب



وقال آخر :

لا تلحقنك ضجرة من سائل     فلخير يومك أن ترى مسئولا [ ص: 228 ]
لا تجبهن بالمنع وجه مؤمل     فبقاء عزك أن ترى مأمولا
واعلم بأنك صائر مثلا فكن     مثلا يروق السامعين جميلا



وقال آخر :

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد     جاءت محاسنه بألف شفيع

وقد قيل أيضا :

وربما كان مكروه النفوس إلى     محبوبها سببا ما مثله سبب

وقال أبو الحسن الدجاجي الحنبلي في آخر أبيات له :

فجد بلطف عطفك وأغنه     بجمال وجهك عن سؤال شفيع

.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث