الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خلافة الوليد بن عبد الملك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 402 ] خلافة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق

لما رجع من دفن أبيه خارج باب الجابية الصغير - وكان ذلك في يوم الخميس ، وقيل : الجمعة . للنصف من شوال من هذه السنة - أعني سنة ست وثمانين - لم يدخل المنزل حتى صعد المنبر - منبر المسجد الأعظم بدمشق - فخطب الناس ، فكان مما قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين ، والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة ، قوموا فبايعوا ، فكان أول من قام إليه عبد الله بن همام السلولي وهو يقول :


الله أعطاك التي لا فوقها وقد أراد الملحدون عوقها     عنك ويأبى الله إلا سوقها
إليك حتى قلدوك طوقها

ثم بايعه ، وبايعه الناس بعده .

وذكر الواقدي : أنه حمد الله وأثنى بما هو أهله عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنه لا مقدم لما أخر الله ، ولا مؤخر لما قدم الله ، وقد كان من قضاء الله وسابقته ، وما كتبه على أنبيائه وحملة عرشه وملائكته الموت ، وقد صار إلى منازل الأبرار بما لاقى في هذه الأمة - يعني بالذي يحق لله عليه - من الشدة [ ص: 403 ] على المريب ، واللين لأهل الحق والفضل ، وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام ، وإعلائه من حج هذا البيت ، وغزو هذه الثغور ، وشن هذه الغارات على أعداء الله عز وجل ، فلم يكن عاجزا ولا مفرطا ، أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة ; فإن الشيطان مع الفرد ، أيها الناس ، من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ، ومن سكت مات بدائه ، ثم نزل فنظر إلى ما كان من دواب الخلافة ، فحازها وكان جبارا عنيدا .

وقد ورد في تولية الوليد حديث غريب ، وإنما هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك كما سيأتي بيانه ، وكما تقدم تقريره في كتاب دلائل النبوة ، في باب الإخبار عن الغيوب المستقبلة ، فيما يتعلق بدولة بني أمية .

وأما الوليد بن عبد الملك هذا فقد كان صينا في نفسه ، حازما في رأيه ، يقال : إنه لا تعرف له صبوة . ومن جملة محاسنه ما صح عنه أنه قال : لولا أن الله قص علينا قصة قوم لوط في كتابه ما ظننت أن ذكرا يأتي ذكرا كما تؤتى النساء . كما سيأتي ذلك في ترجمته عند ذكر وفاته في سنة ست وتسعين ، إن شاء الله تعالى وهو باني جامع دمشق الذي لا يعرف في الآفاق أحسن بناء منه ، وقد شرع في بنائه في ذي القعدة من هذه السنة ، فلم يزل في بنائه وتحسينه مدة خلافته ، وهي عشر سنين فلما أنهاه انتهت أيام خلافته ، كما سيأتي بيان [ ص: 404 ] ذلك مفصلا ، وقد كان موضع هذا المسجد كنيسة يقال لها : كنيسة يوحنا ، فلما فتحت الصحابة دمشق جعلوها مناصفة ، فأخذوا منها الجانب الشرقي فحولوه مسجدا ، وبقي الجانب الغربي كنيسة بحاله من لدن سنة أربع عشرة إلى هذه السنة ، فعزم الوليد على أخذ بقية هذه الكنيسة منهم ، وعوضهم عنها كنيسة مريم لدخولها في جانب السيف ، وقيل : عوضهم عنها كنيسة توما ، وهدم بقية هذه الكنيسة وأضافها إلى مسجد الصحابة ، وجعل الجميع مسجدا واحدا ، على هيئة بديعة لا يعرف كثير من الناس أو أكثرهم لها نظيرا في البنيان والديارات والآثار والعمارات ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث